ما بعد الانقلاب التركي ليس كما قبله.. وما بعد عون مسيحيا ليس كما قبله!


 

ماذا عن “جنرال الوقت” من “جرابلس”.. الى مطمر برج حمود؟

 

انه جنرال الوقت. الحاكم الأول في المنطقة. الكل في رحلة الزمن. لكن لكل من “الكل” حساباته ورهاناته. الى اين تفضي رحلة الدقائق والساعات والأيام والأسابيع والشهور والسنوات؟ الأمر متروك لجنرال الوقت الذي لا يقيم وزنا للدول والشعوب.

روسيا لا تملك ترف الوقت، لا بأوضاعها الاقتصادية الضاغطة ولا بتحديات سياسية وعسكرية وأمنية تتراكم عند حدودها الغربية التي ترتسم بأشكال جديدة مع أوروبا و”الناتو”. تتراكم في المياه المتوسطية الدافئة، جبهتها الخارجية الأكثر تقدما التي قررت أن ترسل اليها جيشها للمرة الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء حقبة الحرب الباردة. قاعدة “حميميم” في شمال غرب سوريا آخذة بالتوسع وأسراب الطائرات الروسية لا تتوقف وثمة ممرات روسية جوية احتياطية في الأرض الايرانية، في تطور ينسف كل المعادلات التي قامت على اساسها الثورة الايرانية قبل 37 عاما.

ما كانت قاعدة “نوجه” الجوية في محافظة همدان غرب ايران، سواء اكانت مخصصة لتزويد الطائرات الحربية الروسية بوقود او لقيلولة الطيارين، لتنشأ الا بقرار من مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية آية الله علي الخامنئي. مضمونها يعني أن شعار “لا شرقية ولا غربية”، وهو يختصر جوهر قيامة أول جمهورية شيعية في المنطقة، بات شعارا من الماضي.

لا تريد الولايات المتحدة أن تزج بجيشها لا في سوريا ولا في أية بقعة من بقاع المنطقة. هذا أحد أوجه الخلاف الأميركي ـ التركي منذ ثلاث سنوات حتى الآن في موضوع “المنطقة الآمنة” في الشمال السوري. أقر الأتراك بهذه الحقيقة، لكن غداة انقلاب لم تكن أصابع الولايات المتحدة بعيدة عنه، حسب الأتراك أنفسهم. معركة جرابلس هي النموذج الصارخ لما يجري من تحولات.

ما قبل الانقلاب التركي ليس كما بعده. هذا عنوان كبير يظلل ما يجري من تطورات متسارعة وغير محسوبة. يدفع الأميركيون مع الروس باتجاه صياغة خطة مشتركة ليست بعيدة عن مصالح البلدين ومعهما مصالح اسرائيل وسوريا والعراق وتركيا والأكراد.

أية توليفة يمكن أن تجمع كل هذه المتناقضات في خطة واحدة؟

كيف يقاتل الروسي، وهو “صديق اسرائيل”، في خندق واحد مع “حزب الله” أحد ألد أعداء تل أبيب الاقليميين؟ كيف يقاتل الأميركي الارهاب، وهو يسلح تنظيمات ارهابية، وكيف يلتقي الأميركي في جبهات أمنية، مثل لبنان مع “حزب الله”، وهما في حالة حرب؟ كيف يكون النظام السوري مع الأكراد ضد “داعش” وباقي التنظيمات الارهابية ويرسل مقاتلاته تدك حصونهم في الحسكة؟ كيف تقاتل تركيا “داعش” وهي التي شكلت على مدى خمس سنوات الشريان الحيوي للسلاح والمسلحين والنفط والأموال وسبائك الذهب؟

 

أسئلة المتناقضات.. والكومبيوتر المتفجر

قال قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي لقائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي خلال زيارته الأخيرة الى بيروت، اننا لو قررنا ادخال هذه المعلومات الى أي جهاز كومبيوتر، لانفجر على الفور، تماما كالسؤال اللبناني التقليدي: “شو في.. ما في”؟

تل ابيب لها حساباتها المختلفة مع الوقت. لتستمر الحرب في سوريا وفي كل بلدان المنطقة. تدمير الدول والخيرات والموارد والشعوب والمؤسسات مكسب بذاته، فكيف اذا طال أمد حرب ينخرط فيها ألد أعداء اسرائيل، مثل ايران و”حزب الله” والنظام السوري و”داعش”؟

النظام السوري يرغب باستعادة كل شبر من الأرض السورية.  يريد ذلك بالأمس، وليس اليوم أو غدا، لكن شتان ما بين الرغبة والقدرة. الرغبة مرهونة بالقدرة، والقدرة سورية ـ روسية ـ ايرانية، ولكل من هؤلاء حساباته، لكن الأكيد ان جنرال الوقت ليس في مصلحة هؤلاء الثلاثة ومعهم بطبيعة الحال “حزب الله”، والأكيد أيضا أن سوريا ما قبل آذار 2011 لن تعود، الى ما كانت عليه، ولا مؤشرات حاسمة بشأن صورتها المستقبلية.

 

هذه هي الاحتمالات

هو جنرال الوقت، وهذا الوقت يعطي فرصة لكل منتظري مآلات الحرب السورية، أن يستعدوا للنهايات، اذا اقتربت أو ابتعدت، أكانت سعيدة أم حزينة. ثمة خرائط جديدة سترتسم بدءا من سوريا ومن ثم في معظم بلدان المنطقة. هذا هو معنى الشام وعاصمة الأمويين.

منذ الأشهر الأولى للحرب السورية، راحت دوائر القرار أو الانتظار تضع كل الاحتمالات في الحسبان. في لبنان، لنأخذ “حزب الله” نموذجا. طرحت خطتان: “الخطة ألف” وتتناغم في مضمونها مع رغبة النظام، أي استعادة سوريا كاملة. “الخطة باء” وتعني الفوز بـ”سوريا المفيدة” في أسوأ الاحتمالات. لا فرضية بالنسبة لـ”حزب الله” والايرانيين، تشطب سوريا بالكامل. العبارة التي قالها السيد علي الخامنئي بأن سقوط سوريا “خط أحمر” ما زالت سارية المفعول منذ خمس سنوات ونيف. كل شهداء وتضحيات “حزب الله” و”الحرس الثوري” الايراني وباقي الميليشيات الأجنبية المقاتلة الى جانب النظام، تندرج تحت هذا “الخط”.

اذا كان “حزب الله” قد وضع كل الاحتمالات في الحسبان، ماذا عن الآخرين لبنانيا، ولو أنهم يتصرفون من موقع المتلقف وليس الفاعل؟

ينقسم الواقع السياسي اللبناني بين رايين لا ثالث لهما. الأمر المشترك أن سوريا اللاعب الاقليمي البارز والدولة المركزية الواحدة التي يعرفها هؤلاء، أقله منذ زمن حافظ الأسد، قد انتهت. نحن أمام إحتمال سوريا جديدة موحدة ولكن ضعيفة وشبيهة الى حد كبير بلبنان(نموذج الطائف). الاحتمال الثاني هو تقسيم سوريا أو فدرلتها.

الرأي الأخير موجود في العقل السياسي للعديد من القوى والأحزاب اللبنانية. معظم القوى المسيحية الوازنة(“تيار وطني حر” و”قوات” و”كتائب”) تتصرف على أساس أرجحية فرضية التقسيم. “القانون الأرثوذكسي” يصبح جزءا من الأدبيات الافتراضية التأسيسية. تفاهم معراب يعبّر في مضمونه الاستراتيجي عن هكذا اتجاه، ولو أن نص “اعلان النيات” يتحدث بخجل عن اللامركزية الادارية والمالية والضرائبية..

 

خرائط المنطقة.. ولبنان

أخطر ما في الأمر ان أكثر من مسؤول أميركي طرح أمام مسؤولين لبنانيين في بيروت أو واشنطن أو حتى في عواصم أو مدن أخرى(دافوس مثلا) سؤالا مشتركا: هل يملك اللبنانيون رؤية استراتيجية للتعامل مع ما يمكن أن يرتسم من خرائط جديدة في المنطقة؟

يدغدغ هكذا سؤال بعض الوجدان المسيحي العميق، خصوصا وأن الكتلتين السنية والشيعية تملكان جوابا موحدا برفض أي خيار تقسيمي أو فيدرالي لأسباب ذاتية وموضوعية.

يدغدغ هكذا سؤال الوجدان المسيحي لأن كل سلوك الشريك المسلم خصوصا منذ العام 1990 حتى يومنا هذا هو سلوك اقصائي تهميشي لا يشي بتجذر ثقافة المشاركة الحقيقية والعيش المشترك في صلب البنيان الاجتماعي السياسي اللبناني.

قبل الطائف، يمكن تحميل المارونية السياسية مسؤولية ما آلت اليه ليس فقط أحوال لبنان، بل وأحوال المسيحيين على وجه الخصوص. مكابرة أهل صيغة العام 1943، أدت الى اندلاع الحرب الأهلية والاجهاز على الطبقة الوسطى، وكان المسيحيون أبرز ضحايا تحول سياسي واجتماعي بالقتل والتهجير والهجرة، كما بالصيغة والخوف والاحباط وكل التعبيرات التراجيدية التي شهدنا فصولها منذ الطائف حتى يومنا هذا.

 

لا مراجعة لبنانية للذات

كان بمقدور الطبقة السياسية أن تحيل كل موبقاتها وموبقات المرحلة الممتدة من الطائف حتى العام 2005، على “الحقبة السورية”، يوم كان هناك حاكم اسمه غازي كنعان وكل اسم سوري تناوب على ادارة ملف لبنان، لكن منذ الخروج السوري في لبنان حتى الآن، “على من تقــــرع مزاميرك يا داوود”؟

قلة قليلة إستفادت من التجربة اللبنانية الماضية قبل الحرب الأهلية وبعدها. في الأصل، لم يتجرأ أحد من اللبنانيين على اجراء مراجعة نقدية للخروج بخلاصات واستنتاجات تمنع في المستقبل تكرار مآسي الماضي القريب منه أو البعيد.

يكاد يكون “حزب الله” أبرز قوة خاضت مراجعة لتجربتها ولكل علاقاتها مع باقي المكونات المحلية، برغم تحوله الى قوة اقليمية. “تفاهم مار مخايل”  قبل عشر سنوات، هو أحد التعبيرات الواعية للمأزق المسيحي في لبنان، وربما لمأزق كل الأقليات في الشرق. “تفاهم معراب” في المقابل، هو تعبير عن ضرورة المصالحة المسيحية وحيويتها، ولكنه يشي بانشداد الى خطاب لا يوفر الحماية المطلوبة للمسيحيين.

رب قائل أن الحريرية السياسية لم تتعامل مع المسيحيين الا بوصفهم مجرد ديكور وموظفين على “البايرول”. المؤسف أن لا الرأسمال يتمركز عند المسيحيين وحدهم ولا الثروات ولا الوكالات الحصرية ولا اللغة الفرنسية. لا تحتاج العلاقة مع فرنسا الى ممر الزامي مسيحي(ثقافي ونفسي وسياسي). كسر رفيق الحريري الموروثات. صار جاك شيراك رئيس فرنسا الدولة العظمى و”الأم الحنون” شبه موظف عند آل الحريري. لم يعد المطعم والمهرجان والأغنية والمصرف فقط مسيحيا. تحولات تركت أثرها وما تزال. كل محاولات المسيحيين منذ عقد من الزمن لاستعادة دور مفقود باءت بالفشل.

 

“الفيتو” المفتوح ضد عون

ليس مسموحا لميشال عون أن يوظف في الفئة الثالثة أو الرابعة. أن يأتي بمختار أو رئيس رابطة مخاتير. المقعد الوزاري كلفه في يوم من الأيام اتصال ملك السعودية برئيس سوريا. لا أُعطي في قيادة الجيش ولا في رئاسة الجمهورية ولا في قانون الانتخاب أو التعيينات. كيف يمكن تقدير ردة فعله أو أي أحد غيره؟

تصرفت الحريرية السياسية مع سمير جعجع بالذهنية الاقصائية ذاتها. في التفاصيل “البلدية” لا خلاف مع “القوات”. في الرئاسة، كما في “القانون الأرثوذكسي”، كما في الموقف من الحكومة الحالية، تأزمت العلاقة الحريرية ـ “القواتية” وما تزال. يسري الأمر نفسه على رئيس “الكتائب” سامي الجميل.

يبدو ميشال عون محتارا. يريد تنظيم بيار الجميل الحزبي الماروني. يسقط “النموذج الكتائبي الغابر” على “التيار الحر” بتوريث قيادته الى جبران باسيل. في الوقت نفسه، يريد “الجنرال” أن يستمر زعيما على طريقة كميل شمعون. المؤسف أن لا التنظيم مضمون ولا الزعامة معقودة له وحده، وها هي أسهم الآخرين مسيحيا ترتفع، من دون إغفال حقيقة أن “جنرال الوقت” لا يخدم عون بينما يصب في مصلحة الآخرين وخصوصا سمير جعجع وسامي الجميل، برغم أن “كتائب” الأخير تحاول ان تكون مسيحية، ولكنها لا تسطيع الا أن تكون متنية بالجينات، وهيهات أن تصمد بوجه “القوات” اذا قاربت الملفات على طريقة ملف مطمر برج حمود!

يتجاهل ميشال عون كل مراجعة نقدية. يشعر بأن “حرب الإلغاء” التي تستهدفه لن تتوقف، بسبب تمسكه بخياراته السياسية، وأبرزها وقوفه إلى جانب سوريا و”حزب الله”، وهي خيارات نجح في استقطاب نصف المسيحيين حولها، في ضوء نتائج الانتخابات النيابية في العام 2009، وهو يحاول أن يعيد شد العصب المسيحي في يومنا هذا، على اساس صوابية خياراته مقابل فشل رهانات الأخرين وخياراتهم.

منذ الاستقلال، لم يأت زعيم مسيحي بمواصفات ميشال عون. هذا الرجل بموقفه الاستراتيجي المدافع عن المقاومة، وعن موقع لبنان الإقليمي، يحدث خرقا استراتيجيا في كل البنية التاريخية المسيحية التي أسست للبنان الحديث منذ قرن من الزمن، فهل سيكون مسموحا له أن يصبح رئيسا؟

الجواب في جيب سياسيين يخاصمون عون رغما عنه، لكأنهم يملكون الجواب اليقيني!

انه جنرال الوقت. ينتصر للبعض ولا يرحم البعض الآخر.

 

(بالتعاون مع صحيفة االإعمار والاقتصاد)

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!