المونيتور | المناورة أم السلام.. ما الهدف من القمة الروسية بشأن فلسطين؟


وفقا لعدد لا يستهان به من التقارير الصادرة في الأسابيع الأخيرة, فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يخطط لعقد قمة في موسكو يحضرها رئيس الوزراء بنجامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

ظهر أول تقرير بهذا الشأن في صحيفة “معاريف” في الحادي عشر من يوليو، وهو ما أكده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحفي هذا الشهر, فضلا عن تأكيدات صدرت عن مسؤولين إسرائيليين, وفلسطينيين, وروس.

وفقًا للمصادر, فإن القمة يُخطط لها أن تُعقد في شهر أكتوبر, أو في موعد قريب بعد ذلك. فهل يواصل نتنياهو إتباع سياسة ” التمحور نحو الشرق” ومحاولة دعم موقف روسيا باعتبارها وسيطا نزيها في المفاوضات التي تشهد تراجعا بين إسرائيل والفلسطينيين؟ هل يحاول بوتين تعميق محاولات روسيا المتجددة لاختراق المنطقة؟ وبعد إقحامه لروسيا في الصراع السوري, هل يحاول بوتين تقويض الدور التاريخي للولايات المتحدة بوصفها وسيطا نزيها بين إسرائيل والفلسطينيين؟ يبدو أن هناك مبالغة في هذين التقييمين.

وعموما, ما يجري هو على الأرجح مسألة سياسية ومناورة تكتيكية من جانب نتنياهو. فأهداف نتنياهو تختلف تماما عن الأهداف أنفة الذكر. 

وفي كلمة له أمام مجلس الأمن في التاسع والعشرين من أغسطس, وجّه ” نيكولاي ملادينوف”- مبعوث الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط, وهو روسي الجنسية- انتقادات لاذعة لسياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية. حيث تضمّنت كلمته نقدا لاذعا بخصوص شروع إسرائيل مؤخرا في بناء وحدات سكنية في مستوطنات الضفة الغربية وشرق مدينة القدس, فضلا عن سياسة ” العصا والجزرة” التي يتبعها وزير الدفاع “إفيجدور ليبرمان” تجاه فلسطيني الضفة الغربية. وأكّد “ملادينوف” أن سياسة إسرائيل في بناء المستوطنات تعرقل فرص السلام, مستخدما لغة قاسية في انتقاد الحكومة الإسرائيلية. وردا على تصريحاته, أصدرت القدس ردا غاضبا عوضا عن التزام الصمت.  

ولكن هناك عدد من المراقبين المطلعين الذين يعتقدون أن كل هذا مجرد خدعة لتهدئة الفلسطينيين؛ فعباس يُتوقع له أن يطرح شروطا لن يكون بمقدور إسرائيل القبول بها, أي تجميد بناء المستوطنات, والإفراج عن معتقلي ” ما قبل اتفاق أوسلو” الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. جاءت تصريحات ملادينوف القاسية لكي تُظهر للفلسطينيين بأن روسيا متعاطفة مع الفلسطينيين, وهو ما يغري الفلسطينيين نتيجة لذلك بنقل رهاناتهم التفاوضية من السلة الأمريكية إلى السلة الروسية.

أوضحت مصادر عليمة بالمفاوضات لموقع المونيتور بأن مجمل تسلسل الأحداث قد تم التخطيط له بعناية من قِبل بوتين ونتنياهو, ولكن من أجل أهداف مختلفة. يتحدث الرجلان على الهاتف مرة واحدة أسبوعيا على الأقل, كما أنهما التقيا ثلاثة مرات خلال الشهرين الماضيين. غير أن هذا الأمر لا يُعد دليلا على وجود وفاق أو تقارب حقيقي بين الرجلين, وإنما يدل بوضوح على وجود تقاطع للمصالح. يشجع بوتين النشاطات التي تقوّي من النفوذ الروسي في الشرق الأوسط  و تسبب إزعاجا للبيت الأبيض, بما في ذلك ممارسة الخدع الدبلوماسية. أما نتنياهو, على الجانب الآخر, فيضع نصب عينيه هدفا رئيسيا: تجنُّب مبادرة دبلوماسية يقودها رئيس أمريكي في نهاية ولايته الرئاسية. 

تفيد مصادر المونيتور بأن أي الرجلين لا يأمل في أن تُحدث القمة خرقا أو تدفع فرص السلام للأمام. وفقا لأشخاص عديدين مطلعين على ما يحدث, فإن نتنياهو لديه هدفا آخر نصب عينيه:

” كل ما يرغب به هو أن ينجو بأمان خلال الفترة الممتدة بين شهري نوفمبر ويناير, حيث سيكون الرئيس أوباما ( بصفته رئيسا شارفت ولايته على الانتهاء) حينها متحررا من كل الالتزامات, وقادرا على القيام بتحرك دبلوماسي مثير, أو أنه قد يرفض ببساطة الاعتراض على أي مبادرة دبلوماسية مقترحة ( في مجلس الأمن) وهو ما  قد يسبب ضررا بالغا على إسرائيل” كما أوضح مصدر دبلوماسي إسرائيلي طلب عدم ذكر اسمه لموقع المونيتور. 

ما سيجري ببساطة سيكون كما يلي: قمة دبلوماسية مثيرة في موسكو في شهر أكتوبر يُفترض لها أن “تُرضي” أوباما, وذلك من خلال خلق عرض مزيف يوحي بأن الدفء قد عاد إلى العلاقات الباردة بين نتنياهو وعباس, أو أنّ خرقا مهما قد حدث. ولهذا السبب لا يكفّ نتنياهو عن محاولة إقناع زعيم المعسكر الصهيوني “إسحاق هيرتزوج” وأعضاء من حزب “هيرتزوج” للانضمام للحكومة الحالية. وفي حال تم تعيين “هيرتزوج” وزيرا للخارجية, فسيكون “أداء” نتنياهو حينها رائعا.

بعث نتنياهو مؤخرا برسالة إلى البيت الأبيض يعبّر فيها عن قلقه من إمكانية أن يحاول أوباما إطلاق مبادرة في اللحظات الأخيرة لولايته قد- وذلك وفقا لرأي رئيس الوزراء- تضرّ بالجانبين. لقد انصبّت كل جهود نتنياهو في الأسابيع الأخيرة على خلق خدعة دبلوماسية في محاولة لإقناع أوباما بأنه لا توجد حاجة للقيام بأي مبادرة.

تحدث الوزير الليكودي ” تساهي هنيجبي” – وهو حليف مقرّب من نتنياهو-  في الثلاثين من أغسطس خلال مؤتمر للمحامين الإسرائيليين. حيث جلس في الصفوف الأولى “هيرتزوج” الذي تضررت صورته بشده نتيجة المفاوضات الفاشلة لتشكيل حكومة وحدة وطنية مع نتنياهو في مطلع هذا العام. وما يبعث على الدهشة, أن خطاب “هانيجبي” تم تكريسة في معظمة لتجديد الدعوة ل “هيرتزوج” للانضمام للحكومة بحجة أنه لا يوجد هناك اختلاف في الآراء بين الحزبين.

وبعد مرور ساعات قليلة, وخلال مراسم جنازة وزير الدفاع السابق عن حزب العمال ” بنيامين بن أليعازر” , قال نتنياهو إنه لم تعد هناك اليوم اختلافات هامة في الرأي بين حزبي العمل والليكود. الرسالة واضحة: على الرغم من إشراك “ليبرمان” في الحكومة, إلا أن نتنياهو مازال مهتما بضمّ “هيرتزوج” للحكومة. ولكن المشكلة هي أن الطريقة التي تعامل بها نتنياهو مع “هيرتزوج” في الأشهر الأخيرة-  حيث وجه نتينياهو إهانة لهيرتزوج من خلال وقف محادثات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي جرت بينهما, بالرغم من تأييد السيسي لهكذا حكومة, في حين تم تخصيص حقيبة الدفاع لإفيجدور ليبرمان- قد أدت إلى تقويض مكانة “هيرتزوج” بصورة غير مسبوقة داخل حزبه وفي أعين الجمهور الإسرائيلي, كما أن الكشف عن إجراء لقاء آخر جمع بين نتنياهو و هيرتزوج منذ أسبوعين لم يساعد في تحسين الوضع كثيرا. 

يلعب نتنياهو مرة أخرى لعبة قديمة اعتاد أن يمارسها خلال السنوات الماضية. فنتنياهو يلعب على كل الحبال في وقت واحد. وخلال سلسلة محادثات عقدها مؤخرا مع كبريات وسائل الإعلام, أوضح نتنياهو أنه من غير المرجّح في هذه اللحظة عقد مفاوضات جديّة مع الفلسطينيين, وأنه لا توجد فرصة لتأسيس دولة فلسطينية في المستقبل القريب. وهو ما يعني أن خطابه الشهير الذي ألقاء في جامعة “بار إيلان” في عام 2009 قد تم حفظة في الأدراج.  

ولكن في نفس الوقت, يواصل نتنياهو مغازلته لهيرتزوج, وتكراره على مسامع السيسي تصميمه على الالتزام بما تم الاتفاق عليه بينهما برعاية مبعوث الشرق الأوسط السابق للسلام ” طوني بلير”, ومواصلة توجية رسائل تصالحية حول عملية السلام لواشنطن في محاولة منه لإثبات أنه لا يمثّل عقبة في طريق المفاوضات. هذه الأفعال لم تعد تنطلي على أحد في واشنطن. لقد سئم أوباما من نتنياهو, و من الوعود المزيفة التي باعها له خلال السنوات الست الماضية قبل أن يعود إلى رشده في عام 2014. بوتين شخص واقعي, وهو ليس مهتما بالمفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية. فكل ما يهمه هو مكانة روسيا في المنطقة.

والسؤال الذي بقى دون إجابة هو ما الذي سيفعله أو ما لن يفعله أوباما خلال الفرصة الأخيرة المتاحة له بين شهري نوفمبر ويناير؟ في هذه المرحلة, حتى أوباما نفسه لا يملك الإجابة على هذا السؤال. فهذا القرار لم يتخذه بعد على الأرجح.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!