خارطة طريق روسية – تركية تجلب السلام لسوريا


فادي نصار

 

قائد حزب العمال الكردستاني (جماعة مسلحة كردية يسارية هدفها إنشاء دولة كردستان المستقلة) عبد الله أوجلان اشار في الصفحة 167-168 من كتاب “قائد وشعب” لمؤلفه الصحافي نبيل ملحم، الى ان “غالبية الشعب الكردي في سوريا قد نزحت عن كردستان الشمال”، داعياً انذاك للبدء بحملة الجنوب “وتوجيه الأكراد السوريين إلى الجبال من حيث أتوا”.

فالاكراد الذين جردتهم الحكومة السورية عام 1962 (أي قبل أن يتسلم الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد السلطة في سوريا)، بموجب تشريع برّر آنذاك أنّ هؤلاء الاكراد تسللوا بصورة غير شرعية من تركيا إلى محافظة الحسكة في العام 1945، عانوا الامرين الى ان أصدر الرئيس بشار الأسد في نيسان 2011 المرسوم الرئاسي رقم 49 لعام 2011 والقاضي بمنح الجنسية السورية للمسجّلين كأجانب في سجلات الحسكة، وتمت تسوية أوضاع عشرات الآلاف من الأكراد السوريين خلال أيام.

وكانت السلطات السورية، ابان حكم الاسد الأب قد شجّعت ودعمت نشاطات حزب العمال الكردستاني ضد تركيا، كما سمحت لمقاتلي الحزب المذكور بإقامة قواعد لهم داخل سوريا، وقد استمرّ هذا النشاط الداعم للحزب المذكور إلى حين توقيع اتفاقية “اضنة “الأمنية عام ١٩٩٨ مع دمشق، والتي تنص على تعهد سوري مفاده “الا تسمح السلطات السورية لحزب العمال الكردستاني بأي مقار او تمويل او أي نشاط عسكري على الأراضي السورية”، ثم طردت قائده عبدالله أوجلان، الذي جرت مطاردته في عدة دول إلى ان تم إلقاء القبض عليه وسجنه من قبل السلطات التركية.

أوجلان ومن داخل سجنه (مسجون منذ 1999 تنفيذا لعقوبة السجن المؤبد في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة) لا يزال يقض مضاجع الاتراك الذين تخوفوا مؤخراً من قيام واشنطن بانشاء أربعة قواعد جوية في مناطق السيطرة الكردية، الأمر الذي أثار حفيظة تركيا، فتوجهت باستدارة كلية نحو روسيا.

اوجلان قائد غير كل القادة الكرد، حيث بلغت كلفة الحرب بينه وبين تركيا على مدى أربعة عقود ما يقارب 300 مليار دولار، وذهب ضحيتها 30.000 شخص. هذا الصراع بات بمثابة بوابة ولجت تركيا عبرها الى دائرة الحرب السورية، ففتحت اسطنبول أبوابها

“للمعارضة السورية”، وسمحت لجناحيها السياسي والعسكري بإدارة عملياتها من الأراضي التركية، كما فتحت حدودها لتسهيل مرور اللاجئين السوريين إلى أراضيها، كذلك سهلت مرور المقاتلين من كل دول العالم الى الشمال السوري، وصولاً إلى إدلب وحلب وحماة ودير الزور، وربما هذا ما يبرر وقوف القوات الكردية بداية الحرب الى جانب الجيش النظامي السوري بوجه داعش واخواتها.

التحركات التركية في الميدان السوري أدت الى ان اسقاط طائرة روسية واستشهاد طاقمها، ما دفع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى قطع العلاقات مع تركيا، وبدأت مفاوضات المصالحة، عبر قنوات سرية، قبل بعدها الرئيس بوتين، رسالة الاعتذار التي أرسلها اردوغان باللغة الروسية قائلا ً يومها (ازفينيتي)، وعادت المياه الى سابق عهدها.

الا ان تلك المياه لم تكن سوى مصالح وفق شروط فرضتها روسيا على تركيا، مقابل منحها امتيازات اقتصادية استراتيجية (تبلغ قيمة العقود الموقعة حوالي 120 مليار دولار) والدعم المعنوي الروسي للرئيس اردوغان يوم الانقلاب الفاشل الذي حصل في تركيا، الشهر الماضي، والتلويح بالورقة الكردية في سوريا، حيث من الجدير ذكره أن العلاقة بين روسيا والاكراد تاريخياً علاقة صداقة وطيدة منذ ايام السوفييت.

غير أن الانتصارات الاخيرة للجيش السوري بمؤازرة روسية علنية، في معركة حلب، أضف اليها عدم اهتمام الدبلوماسية الروسية بالسياسة والوعود الاميركية، واتهامها لها بالمراوغة والعجز فيما يخص الحرب السورية، كل ذلك لم يرضي بل أوجع الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها من قوى الارهاب في الميدان السوري، فبدأت بالعمل جاهدة لتأجيج النزعات العرقية والاثنية لدى الكرد في الحسكة ، فقامت القوات الكردية بحسب ما ذكر محافظ الحسكة يوم امس في تصريحات صحافية لافتة بافتعال اشكالات مع الجيش السوري. وشرح القضية بقوله إن “الذي حدث في الحسكة منذ أسبوع إشكال محدود بين عناصر من الهجانة والدفاع الوطني وسط المدينة، ومثل هذا الحادث حصل في فترات سابقة، وعلى الدوام كنا نتواصل نحن في قيادة المحافظة مع الإخوة المعنيين في حزب العمال الكردستاني ونطوّق الحالات، وهذه المرة تطور الموقف، حيث قام الإخوة في حزب العمال الكردستاني بقطع الطرق بين الفوج 21 والفوج 23، وطريق الحسكة القامشلي، ومنعوا الجيش من التنقل عبر هذه الطرق، وجراء ذلك حصلت مواجهات عنيفة”.

وأضاف المحافظ: “اجتمعنا لمدة خمس ساعات لايجاد حل، ورجوناهم وتمنينا عليهم أن يفتحوا طريق الحسكة القامشلي، وأن يفتحوا طرق الفوج 21 والفوج 23، وفي اليوم التالي تطور الأمر أكثر وحصلت مواجهات عنيفة، وكان من جرائه سقوط عدد من الشهداء المدنيين

والعسكريين، وفي بعض المواقع لم نتمكن من إخلاء الجرحى، واستشهد البعض لعدم تمكننا من إخلائهم من ساحة المعركة”.

من جهتها، وجهت سوريا رسالة الى الاتراك مفادها “اننا لن نسمح بتشكيل الكيان الكردي الذي تخافونه”. وكانت الرسالة قد وصلت عبر إقدام القوات الحكومية السورية، يوم الخميس الماضي، على قصف مناطق خاضعة لسيطرة الأكراد في مدينة الحسكة شمال شرق البلاد للمرة الأولى منذ بداية الأزمة، مبررةً ذلك بأن “جهاز الشرطة التابع لحزب العمال الكردستاني “الأسايش” صعّد في الآونة الأخيرة من أعماله الاستفزازية في مدينة الحسكة، كالاعتداء على مؤسسات الدولة وسرقة النفط والأقطان وتعطيل الامتحانات وارتكاب أعمال الخطف بحق المواطنين الآمنين وإشاعة حالة من الفوضى وعدم الاستقرار”.

وكانت رسالة الرد من قبل الاتراك في تصريحات رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، يوم السبت الماضي، الذي اعتبر أنّه “من الواضح أن النظام السوري فهم أن البنية التي يحاول الأكراد تشكيلها في شمال سوريا بدأت تشكل تهديدا لدمشق أيضا”، وأشار إلى أن بلاده ستتمكن بالتعاون مع روسيا وإيران وغيرهما من الدول المعنية من إيجاد حل للأزمة السورية خلال الاشهر الست القادمة. وأكد أن تركيا تقبل بأن يبقى الرئيس السوري بشار الأسد رئيسا مؤقتافي تغيّر كبير في اللهجة التركية حيال مستقبل الرئيس السوري.

الى ذلك، بدأت مفاوضات مكثفة سورية ــ كردية ــ روسية أفضت إلى التوصل إلى وقف إطلاق نار عصر أمس، لم يعترف به الجانب الكردي، الامر الذي استدعى وصول وفد روسي يرافقه ضابط من مكتب الأمن الوطني، وضباط من قيادة “الدفاع الوطني” للاجتماع مع القيادات الكردية لإنهاء حالة الاحتقان، وإعادة الاستقرار إلى المدينة.

هذا الغزل التركي السوري، بدءاً بزيارة مساعد حاقان فيدان رئيس جهاز المخابرات التركي الى دمشق، والبيان الرسمي لقيادة الجيش العربي السوري الذي يتهم “حزب العمال الكردستاني” بالارهاب، وصولاً الى تصريحات رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم التي عبّر فيها عن قلقه بشأن وحدة الأراضي السورية واعترافه بأن الحل يجب ان يكون سياسياً وبمشاركة ايران مع امكانية استمرار الاسد كرئيس للبلاد، كل ذلك ماهو الا رؤوس اقلام لخارطة طريق جديدة روسية – تركية – ايرانية، قد تكون نهايتها تحقيق السلام على الارض السورية .

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!