افاق ” دولة الخلافة” …نهضة اسلامية متعثرة


محمد خشاب

لا أحد يشك بأننا نعيش فترة “المد الاسلامي”. الباحثون واصحاب الشأن يعلنون بالفم الملآن عن “نهضة إسلامية”، وإنبعاث المجد الغابر للحضارة الإسلامية العظيمة بما تملك  من إيديولوجيا دينية مركزية، مدى تأثيرها على دول الغرب المتعولمة. ولا تكمن المشكلة في أعداد المسلمين المتزايدة بالنسبة لغيرهم من معتنقي الديانات الأخرى، بل بالحيوية السياسية الغير مسبوقة في المجتمعات الإسلامية.

وهذه الحيوية تتأتّى من المركّب السياسي في الإسلام، من حيث اعتباره جزءاً لا يتجزأ من تعاليمه الأساسية. يتحمل جزءاً من مسؤولية ترسيخ هذا المفهوم بعض علماء الإسلام الروحيين، الذين يؤكدون بشكل جازم أنّ الإسلام أكبر  من مجرد دين ، مما يجعله مختلفاً جذرياً عن المسيحية واليهودية اللتان تقولان: “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”.

من ابرز الأمثلة على هذا، “فكرة الخلافة” – التي كانت قائمة أيام الأولياء الصالحين كدولة العدل والشريعة، بحسب الأدبيات الإسلامية التقليدية. ولكن الباحثين  يشككون في صحة هذا المفهوم، فأسطورة “وحدة” الديني والسياسي هو نتاج التنافس بين رجال الدين وبين المجموعات الحاكمة في دول انتشار الإسلام. فمن جهة، ينشر الفكرة رجال الدين في محاولة  للسيطرة على مفاصل الحياة “اللادينية”، ومن جهة أخرى، السلطة المدنية تحاول السيطرة على السلطة الدينية.

كما أنه من الملاحظ أن الطموح لعودة “الخلافة” ينتشر وبأقصى حدة، ليس عند المسليمين المعتدلين، بل عند الأصوليين المتعصبين للعقائد الجامدة لبعض رجال الدين الذين يحاولون تقوية موقع رؤيتهم الشخصية ضمن أطر سياسية محددة. والأصولية (في كل الأديان)، هي عبارة عن رؤية عقائدية، تقوم على أسس  الفكرة الالهية. وهكذا ومع بعض الجهد لوصل الديني بالسياسي، تُولّد الأيديولوجيا الدينية الدامجة بين المشاريع السياسية وبين بواطن النص الديني، وتستمد قدرتها على الحياة من الطاقة القوية للدين.

المشكلة تكمن في أن ما يحدث في “الدول الإسلامية” في الشرق الأقصى والشرق الأدنى من أدلجة الحياة السياسية لجزء من المجتمع الإسلامي، يُحفّز بسبب العولمة. وهذا ليس فقط مجرد ردة فعل على تعميم قيم غريبة، بل أنه نتيجة، أيضاً، لعدم توافق، بل صدام،المنظومة الدينية مع الواقع الإجتماعي السائد. وهذا ما يحدث في معظم “الدول الإسلامية”، نتيجة لإنتشار تقنيات المعلومات ووسائل التواصل الإجتماعي وتبادل السلع، يجري اجتثاث القيم وأنماط الحياة التقليدية لهذه المجتمعات. من هنا فإن “الدولة الإسلامية” هي عبارة عن تجسيد لآمال الأصوليين المتوقف تطورهم، والذين يحاولون من خلالها الوصول الى التناغم بين تعاليمهم الدينية وبين البنية الإجتماعية في هذه الدولة، للوصول الى التوازن المثالي بين الدين والسياسة، وهو ما لم يكن ممكناً، بحسب رأيهم، الوصول إليه في النظم المدنية التي كانت قائمة في بلاد ما بين النهرين. من هنا يصبح واضحاً أن قطع الرؤوس العلني والإعدامات والحرق وغيرها، ليس مجرد استعراض دعائي، بل هو أيضاً، رغبة عميقة بالعودة الى “الماضي المقدس”، وبأثناء تحقيقها، تتفعل اقدم غرائز الوعي الجماعي والفردي، حيث الوحشي والشهواني بمعايير اليوم، يصبح طبيعياً. وهذا ما يفسر سبب الإنضمام إلى صفوف “الدولة الإسلامية” من قبل أصحاب النفسيات المدمرة، ذوي النزعات السادية وغيرها، ممن لا يستطيعون العيش في المجتمعات الحديثة ذوات المنظومات الحقوقية الإنسانية.

إن أخذنا بالإعتبار تضارب كل ما يجري، وعلى الأخص العولمة والأصولية الدينية، يمكن لنا أن نفترض بحذر، أننا نشهد بداية أفول فكرة “الخلافة العالمية”، التي اكتملت تحديدا بالـ”دولة الإسلامية”، هذه الفرضية تعتمد على حدة ما يحدث في الشرقين الأقصى والأدنى. فالداعون لـ”نهضة الإسلامية”، كما نراها في المنطقة، يتغاضون عن قوة تأثير العولمة، فالتجربة في دول اسلامية كبيرة تشهد بعكس ذلك.

ففي مصر أخفق مشروع الإسلام السياسي للأخوان المسلمين، وتم عزل الرئيس محمد مرسي من قبل الجيش، بدون ان يستدعي ذلك أزمة، مع محاولة الإسلاميين لخلقها. وهذا يؤشر الى التحولات التي جرت في المجتمع المصري الذي خرج الى الشارع في العام 2011، للمطالبة بتحرير المجتمع وليس “أسلمته”.

لهذا السبب فإن انتصار الإسلاميين الرافعين شعار “القرآن هو الحل” لم يستمر طويلاً، بالرغم من الدعم المادي اللامحدود من قبل بعض المملكات الخليجية، بل أن الأزهر صدّق على حكم الإعدام الصادر بحق مرسي.

مثال آخر – تركيا. مشروع “أردوغان” (العثمانية الجديدة) من القائم على الإدخال الناعم لمفاهيم الإسلام السياسي، وإعادة إحياء “الباب العالي”، الذي تحول في الواقع الى تنكيل بالكماليين وبالجيش، اصطدم فجأة بمنافسة شديدة،  في الإنتخابات البرلمانية عام 2015، تم كسر احتكار حزب “العدالة والتنمية” وفوز “حزب الشعوب الديموقراطي” والقوى المدنية.

لقاح الفترة الأتاتوركية والعلمانية القومية العربية منذ أيام “جمال عبد الناصر” أثبتت فعالية أكثر مما كان متوقعاً. حتى في دول الخليج حيث الأصولية متجذرة، كالسعودية مثلاً، حيث لا يوجد اي شكل من الديموقراطية والحريات المدنية، والنظام الملكي الوهّابي يفرض بشدة اتّباع الشريعة، تبرز احياناً بعض المحاولات كالنقاش الدائر منذ سنوات حول السماح للمرأة بقيادة السيارة الذي تكلل بالنجاح مؤخراً!!!.

تستقطب “الدولة الإسلامية” اليوم آلاف المجندين من كل انحاء العالم، ويعلن دعاتها بالفم الملآن عن خططهم  للسيطرة عل العالم. الدعم المالي يأتي من المؤيدين عبر العالم، مما يجعل هذه التهديدات جدية، خصوصاً من ناحية خطر زيادة الهجمات الإرهابية، وإثارة الفوضى في الدول الضعيفة،  جمهوريات الإتحاد السوفياتي على سبيل المثال.

على الرغم من ذلك، فإن لـ “الدولة الإسلامية” نقاط ضعفها،التي تتمثل بالدرجة الأولى بمحدودية انتشار فكرة “الخلافة العالمية”. فإذا نظرنا الى خريطة المناطق تحت سيطرتها خلال السنوات الخمس لإنشائها، فلا نستطيع القول بعالميته.

انطلاقاً من ذلك، فالمقاومة الأساسية لـ “الدولة الإسلامية” سوف تأتي من مسلمي الطوائف والمذاهب الأخرى او من الأصوليين المشابهين لها ولكن مختلفين سياسياً. على سبيل المثال، ليس من المستبعد ان تحول “الدولة الإسلامية” سيفها باتجاه السعودية، أو تحالف القوى الأصولية في سوريا التي أعلنت مؤخرا الحرب ضد “الدولة الإسلامية”، مع استمرار الهجمات على المسيحيين وغيرهم من اصحاب الملل، وإن أخذت طابعاً استعراضياً تهديدياً ودعائياً. بالنتيجة عاجلاً أم آجلاً، سترتفع الأصوات عن “الحرب الداخلية الآثمة”، وخيانة اهداف “الخلافة العالمية”، مما يؤدي الى خيبة الأمل بالدولة الإسلامية والتشوش في أوساط المؤيدين. من ناحية أخرى، فإن استمرارية “الدولة الإسلامية” مرتبط بمهارة قادتها. فإن كانوا على المستوى المطلوب، واستطاعوا تأمين التوازن الداخلي من خلال العصبية والراديكالية، فإن عمرها سيمتد، ولكن وبحسب تمدد نفوذها فمن الواضح أن تحقيق التوازن يصبح أصعب فأصعب.

من هذا المنطلق، فإن موضوع القضاء على “الدولة الإسلامية” بفاعلية هو امر مهم، من خلال تعميق تناقضاتها الداخلية، ومن خلال القضاء على مفكريها وقادتها، ما يتطلب تنسيقاً بين الدول الأساسية في العالم، وهو ما ليس متوافراً الآن. يبقى الأمل على توسع التناقضات الداخلية، واستدراجها لحروب مع الدول المجاورة وأخذ اللإحتياطات لقطع محاولاتها للتمدد خارج حدودها.

إلى متى ستستمر؟ من الصعب الإجاب على هذا السؤال. ولكن المتغيرات في المجتمعات تتسارع، بمعنى انه في السابق احتاجت اي ظاهرة لتولد، تتطور ثم تنتهي، الى فترة زمنية طويلة، بينما اليوم، في القرن الواحد والعشرين، فإن هذا يحصل بسرعة كبيرة، لذا فإن سقوط فكرة “الدولة الإسلامية” على الأرجح، سنشهدها قريباً.

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!