اوكرانيا  تترنح بين الفاشيين والقوميين والتدخلات الخارجية


 

تستمر للسنة الثالثة على التوالي، الحرب الأهلية في “أوكرانيا”. وبحسب الإحصاءات الرسمية، فإن عدد الضحايا قد تجاوز الـ10000 الف شخص، مع العلم أن لا احد يعرف الرقم الصحيح. ملايين المواطنين إضطروا للنزوح الى خارج حدود بلدهم. الإنتاج الصناعي تقلّص الى مستويات كارثية، فالحرب تستنزف موارد الدولة وكلفتها تزداد بإضطراد.

المؤسسات تغلق وعشرات آلاف العاملين أصبحوا عاطلين، التمويل الخارجي توقف، فلا احد يريد الإستثمار في مؤسسات قد تُدّمر بسبب الحرب… ولائحة السلبيات تطول، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول من يقود “اوكرانيا” نحو الهاوية.”

قد نستطيع فهم مصلحة الولايات المتحدة الأميركية بجرّ روسيا الى الحرب في اوكرانيا، لذا تحاول تسعير الصراع في الـ”دونباس”، ولكن من المستفيد من هذه الحرب؟

بالدرجة الأولى الطغمة الحاكمة: الحرب التجارة الأكثر ربحاً، من كل انواع الأعمال التي ترافق الحرب بما فيها تجارة المخدرات، رابحة ولكن ليست دائمة، فمصالح الناس الذين يعانون من الحرب، لا بد أن تتضارب مع مصالح الطغمة الحاكمة، عاجلاً ام آجلاً، ولا بد أن تتقوض سلطتهم بتمرد آخر او بغيره. أي رجل أعمال عاقل لن يقوم بإشعال النار في منطقة سيطرته، ولكن يبدو أن للطغمة الأوكرانية حسابات أخرى.

يعتبر الخبير السياسي الأوكراني بافل كارنازيتسكي أن “الإقتصاد العالمي يتعاطى مع الحرب كأداة وليس كحل للأزمة.، فكل العالم يطالب أوكرانيا بتنفيذ مقررات “إتفاقية مينسك”، ولكن وللأسف، فإن رجال الأعمال الأوكران توقفوا عند تجميع الثروة بشكل طفيليّ، ولا يريدون قبول قواعد اللعبة الجديدة والتخفيف من شهيتهم لتجميع الثروة”.

وتشير النائبة في البرلمان المحلي لمدينة “خرسون” آنا سيريدا  الى أن “السلطة لا تريد تنفيذ “إتفاقية مينسك”. فهذه السلطة نفسها، إقترحت إعطاء وضع خاص  في الدستور للـ”دونباس ، ونقل السلطات الى الإدارة المحلية، والآن لا تريد اقرار اقتراحها. الكل يعلم اليوم، أن السلام لا يسود في البلد لأنه غير مفيد للسلطة.

عدا عن هذه الطغمة، فاستمرار قتال الأخوة يصب في مصلحة القوميين الأوكران، لأن هدفهم ببناء “قومية لا(روسية) جديدة” لم يكن مقبولاً في جنوب شرق أوكرانيا وبالأخص في حوض الـ”دونباس”.

آخر مرة حاول القوميون ترسيخ أيديولوجيتهم كانت في الإعتصامات ضد الرئيس فيكتور يوشّنكو، وقبل ذلك أثناء الإحتلال الألماني. وقد كُتب في (أخبار كونسانتينوفسك) بتاريخ 3 حزيران 1942: ”

“إستمر نضال الأوكرانيين طويلاً، ضد الإستبداد الروسي، ولكن هذا النضال لم يحقق نجاحات لأنه وبالدرجة الأولى، لم يكن لدى الأوكرانيون وعياً قومياً كافياً. ولكن أخيراً، أشرقت شمس الحقيقة فوق “أوكرانيا”، ووُجدت القوة الوحيدة في العالم، التي حررتنا، نحن الأوكرانيين، من استبداد “موسكو”، وساعدتنا على السير بطريق بناء حياتنا القومية السعيدة، وهذه القوة تُدعى”أدولف هتلر” وشعبه الألماني العظيم. بعد هذه الفترة من المعاناة من جور الأممية اليهودية البلشفية المدمرة للروح البشرية، يعلم الأوكرانيون أن السبيل الوحيد لتحسين مصيرهم هو سبيل النهضة القومية. ولكي نسير بثبات على هذا الدرب، يجب ان نكون أكثر وعيا لقوميتنا”.

إن تعميم هذا “الوعي القومي” يظهر واضحاً في ما يجري في حوض الـ”دونباس”. بالنسبة للقوميين الأوكران، فإن الحرب هي الطريقة الوحيدة لزيادة عدد “الواعين قومياً”، من خلال تقليل عدد المواطنين في جنوب شرق “أوكرانيا” .

أليس هذا فاشية جديدة؟

وأخيراً، فإن هناك فئة مستفيدة من الحرب، ألا وهي المجرمون والمدمنون الذين لا يريدون العمل، فأصبحوا  نهابين وساديين وقتلة، يملؤون الجيش الأوكراني.

يجدر القول، أن “المستفيدين” من الحرب ليسوا كثيرين بالمقارنة مع “المؤيدين” لها حالياً، فتأييد الحرب شيء والإستفادة منها شيء آخر. حين يعي من تبقى من مواطني “أوكرانيا” بأنه كان ضحية للخداع، وأن الحرب لم تكن ضرورية، ستبدأ الأوضاع بالتغيّر جذرياً. وكلما حدث هذا الوعي أسرع، كلما كانت النتائج أقل مأساوية. ولكن لا داعي للتوهم كثيراً، فلن يخرج الملايين بأيد فارغة لمواجهة الدبابات، لأنه وببساطة، فإن التجربة أثبتت أن أي سلطة تستطيع الأستمرار بلا تأييد جماهيري لها، طالما تتلقى الدعم المالي والأيديولوجي والعسكري من الخارج.

حين تنتفي المصالح الخارجية، تبدأ السلطة بالأنهيار بسرعة، نتيجة للتناقضات الداخلية والصراع على مصادر الثروة المستنفذة كما يلاحظ اليوم.

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!