فورين بوليسي | كيف ستكون علاقة حلف الناتو بتركيا بعد محاولة الانقلاب


مع وجود قوات أمريكية (وأسلحة نووية*) في قاعدة أنجرليك الجوية, العلاقة بين أنقرة وواشنطن حرجة – وشائكة.

لعل الشيء الصادم حول محاولة الإنقلاب في تركيا هو إنه لم يحدث. إن التوترات الواضحة بين السلطات المدنية والعسكرية كانت تثور ببطء منذ فترة طويلة في تركيا, ويعود تاريخها إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية منذ قرن مضى وتواصلت من خلال محاولات متعددة للإنقلاب على مدار العقود الأربعة الماضية.

تم إتهام المئات من القادة والجنرالات وسجنهم على خلفية إتهامات فيما يُعرف بفضيحة المطرقة في الألفينيات, وبذور الإنقلاب الحالي زُرعت عندما شاهد القادة العسكريون الذين يشعرون بالمرارة قادتهم ومعلميهم وهو يؤخذون إلى السجن مكبلي الأيدي.

خلال أعوام عملي الأربعة كقائد أعلى لقوات التحالف في الناتو, زرت تركيا كثيراً وطورت علاقات وطيدة مع الكثير من ضباط الجيش التركي الكبار – بعضهم خدم لاحقاً في سجون تركية سيئة السمعة, من بينهم الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة, الجنرال إلكر باشبوغ. أنا أعرف أيضاً رئيس هيئة الأركان الحالي, خلوصي آكار.كان كلاهما يدهشاني دائماً بولائهما التام للقيادة المدنية, ويبدو في هذه المرحلة أن ذنب بدء الإنقلاب سيقع على من هم أقل رتبة في سلسلة القيادة.

سوف تمنح الأزمة الرئيس رجب طيب أردوغان كل الذخيرة التي يحتاجها لكي يشن حملة أمنية مشددة على الجيش والمحاكم. لقد قال إنه سيستخدم هذا لكي يطهر الجيش والمحاكم. مع وفاة ما يقرب من 300 شخص نتيجة للإنقلاب, سوف تكون الرغبة في الإنتقام قوية. تم إلقاء القبض على مئات القضاة بالفعل– الكثير منهم كانوا مؤثرين في منع مبادرات عديدة قادمة من قصر أردوغان. تم إعتقال أكثر من 6 آلاف مسئول وموظف, وحوالي 8 آلاف ضابط شرطة تم سحبهم من الشوارع.

أحد العناصر المُقلقة هي وضع قاعدة أنجرليك الجوية في جنوب تركيا, حيث يُقال أن الناتو وضع أسلحة نووية تكتيكية, على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تؤكد أو تنفي وجودها. إذا كان هذا حقيقي, فإنه يثير مشكلة في منتهى الخطورة, وسوف تحتاج واشنطن لتعاون أنقرة الكامل لكي تضمن أن جميع معدات وقوات الجيش الأمريكي محمية بالكامل – وهو ما يبدو إنه يحدث, عقب بعض المحاولات التي هدفت لعزل القاعدة يوم السبت.

لكن يبقى السؤال المهم: كيف سيؤثر الإنقلاب الفاشل على تركيا من ناحية دورها كحليف عسكري في هيكل الناتو, وماذا ينبغي أن تفعل الولايات المتحدة؟

من الواضح, سيكون هناك تأثير سلبي قوي على قدرة الجيش التركي على أداء مهامه في سلسلة أنشطة التحالف.لقد أرسلت تركيا قوات, وطائرات, وسفن لكل مهمة تابعة للناتو: إلى أفغانستان, ودول البلقان, وسوريا, وليبيا, ومهام مكافحة القرصنة. مع الأسف, من المرجح أن الجيش في أعقاب الإنقلاب سوف يكون مركزاً بشدة على الجدل الداخلي, والتحقيقات التي لا تنتهي, والتحقق من الولاء – والبقاء كمؤسسة. هذا سيكون له تأثير شديد على جاهزية وأداء الجيش. في حين إنه تم إستئناف بعض العمليات في قاعدة أنجرليك الجوية, إلا إنه تم تجميد التعاون في كثير من قنوات الولايات المتحدة والناتو.

في الوقت نفسه, سوف تكون السلطات المدنية التركية متشككة بشدة في جيشها وقوات الشرطة عقب الإنقلاب, على الرغم من إنه في هذه المرحلة يبدو الأمر إنقلاباً أكثر من كونه زلزالاً جيوسياسياً. هذا سوف يجعل القادة المدنيين الأتراك, من أردوغان فأسفل, غير مرجحين لأن يكونوا شركاء مستعدين وقادرين في العمليات العسكرية المتواصلة خارج تركيا (مثلاً, مهام الناتو ضد تنظيم الدولة الإسلامية).

بالنسبة للولايات المتحدة, يوجد أربعة إجراءات رئيسية ينبغي أن تتخذهم واشنطن لكي تحاول المضي قدماً.

أولاً, نحن نحتاج للوقوف بحزم إلى جانب الحكومة المدنية التركية. بالرغم من الدوافع الإستبدادية للنظام الحالي, إلا إنه تم إنتخابه بطريقة ديموقراطية غير قابلة للشك ويستحق الدعم في مواجهة محاولة الإنقلاب. هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ينبغي عليها أن تتردد في إنتقاد سياسات حقوق الإنسان المعيبة والمحاولات الجديدة لقمع وسائل الإعلام. نحن نحتاج لتشجيع شركائنا الأتراك لكي يصبحوا معتدلين وقانونيين ومتوازنين في تحقيقاتهم. هناك خطر واضح في أن تصبح تحقيقات ما بعد الإنقلاب وسيلة لتطهير القضاة وأفراد الجيش الذين لم يتورطوا في الإنقلاب لكن يُنظر لهم على إنهم يشكلون مصاعب سياسية للنظام. هذا سيتطلب توازناً دقيقاً.

ثانياً, ينبغي أن نرسل كبار مسئولينا العسكريين إلى أنقرة لكي يسمعوا من نظرائهم عن الوضع بينما يهنئون القيادة التركية على فعل الشيء الصحيح والمساعدة في وقف الإنقلاب. إضافة لهذا, ينبغي بالمثل أن يقوم قادتنا المدنيين – من وزير الخارجية فأسفل – بزيارة وطمأنة حكومة أردوغان حول دعمنا. من السابق لأوانه أن نحكم على الأدلة المؤيدة لطلب أردوغان بتسليم فتح الله غولن, رجل الدين التركي المقيم في بنسلفانيا, لكن الولايات المتحدة تحتاج لأن تكون منفتحة على الطلبات – بروح القانون الدولي – كما ستفعل في أي قضية أخرى.

الخطوة الثالثة التي ينبغي أن تقوم بها الولايات المتحدة هي زيادة التعاون في مشاركة المعلومات الإستخباراتية وإستهداف الجماعات الإرهابية الكردية المتطرفة. لقد تعاونا في الماضي مع الجيش التركي بصورة وثيقة, لكن تلك العلاقات أصبحت ضبابية بالنظر إلى الأفعال الجديرة بالثناء للميليشيات الكردية في سوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية. تحتاج تركيا إلى إشارة من الولايات المتحدة بإنها تقف مع أنقرة ضد الإرهاب داخل حدودها. هذا قد يشمل, على سبيل المثال, المزيد من المعلومات الإستخباراتية, والمراقبة, وطائرات الإستطلاع وصور أقمار صناعية أفضل.

رابعاً, وأخيراً, ينبغي على الولايات المتحدة أن تستخدم الناتو كآلية لدعم المواقف التركية. نحن في مرحلة شائكة وحرجة جداً في المفاوضات حول كيفية التعامل مع المشكلات في سوريا, وكيفية التعامل مع تركيا في سياق قيادة الناتو أمر مهم. في كثير من الأحيان, يشعر الأتراك وكأن مخاوفهم وجغرافيتهمالفريدة من نوعها لا تُحترم داخل مجلس شمال الأطلنطي, الهيئة الحاكمة للتحالف. بالنظر إلى الإلتقاء المؤسف للهجمة الإرهابية الأخيرة في مطار إسطنبول مع الإنقلاب, نحتاج لأن نكون مدركين وداعمين للمواقف التركية حول كيفية التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية ونظام بشار الأسد. ينبغي أن يتضمن هذا موارد متزايدة للقيادة البرية لقوات التحالف في إزمير, أكبر منشأة للناتو في تركيا.

إن الجيوسياسة المضطربة بشدة لمنطقة الشام والإحتياجات الأمنية المتوسعة للناتو تلتقي في مفترق طرق في تركيا. إنها ليست دولة فحسب, وإنما حضارة أيضاً, واحدة لديها إحساس حاد بأهميتها وتاريخها في المنطقة. في مجموعة من القضايا – من تنظيم الدولة الإسلامية إلى سوريا, ومن إسرائيل إلى النفط والغاز في شرق المتوسط, ومن الرد على الإسلام المتطرف إلى الإستقرار في مصر – تمتلك تركيا قدرة هائلة على التأثير على الأحداث. تحتاج واشنطن أن تكون صديق جيد – داعم بطرق حقيقية مع تقديم النصيحة والحوافز (مثل العضوية في الإتحاد الأوروبي), وهو ما قد يساعد في إحباط أية ميول للمبالغة في رد الفعل الذي يدوس على حقوق الإنسان في السعي للإنتقام. إنه توازن يصعب الحفاظ عليه, لكنه يتطلب الإنتباه الكامل للولايات المتحدة في الأيام المقبلة.

*ملاحظة المحرر: الولايات المتحدة لن تؤكد أو تنفي وجود أسلحة نووية في تركيا.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!