بروكنغز | هل الكونفيدرالية هى الحل فى ليبيا


إن كان هناك بعض التقدم في تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا، فإن كلمة “الوحدة” غير قابلة للتطبيق في هذا البلد. في الواقع، لا يزال الاحتكاك بين مختلف الفاعلين السياسيين مرتفعا. في النهاية، ربما يكون أحد أشكال الكونفدرالية، بدلا من الإدارة المركزية هو أفضل نموذج يمكن تطبيقه في ليبيا.

السياسة الليبية: تمهيد

خلال صيف عام 2014، انقسمت القيادة الليبية، بعد تلميح أوَّلي عن التعاون، إلى حكومتين:

    إحداهما، وتتخذ من طبرق مقرًا لها ، وتقوم أساسًا على العلمانية، ومعترف بها دوليا. وتلقت الدعم من مجلس النواب ومن الجنرال خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي بقيادته. وخارجيا، دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة وروسيا هذه الحكومة . وفي مايو 2014، أطلق  حفتر  “عملية الكرامة” ضد الميليشيات الاسلامية، بدعم من لواء الزنتان (التي تتألف من الكتائب القبلية السوايق والقعقاع)، والميليشيات القادمة من الأقليات العرقية من تبو وفزان.

    والحكومة الأخرى، وتتخذ من طرابلس مقرًا لها، وكانت ذات طابع إسلامي. وأيدها المؤتمر الوطني العام الجديد، وكان جزءا من جماعة فجر ليبيا الموالية للميليشيات الإسلامية (والتي تضمنت جماعات من مصراتة والأمازيغ والطوارق). دعمت قطر والسودان وتركيا هذه الحكومة لأسباب مختلفة، بما في ذلك حصولها على مكانة بارزة على الساحة العالمية أو لدعم جماعة الإخوان المسلمين.

ولكن تعقدت الأمور أكثر وأكثر، حيث لم تكن حكومتا طرابلس وطبرق وحدهما اللتان تتنافسان لملء فراغ السلطة في مرحلة ما بعد القذافي. وتتغير تركيبة الميليشيات والجماعات باستمرار. فهناك جماعات سلفية مثل:

–         أنصار الشريعة في ليبيا (وتقع بين بنغازي ودرنة )

–         جماعة  محمد جمال (بين بنغازي ودرنة)

–         المرابطون (في جنوب شرقي البلاد، وحول غات وأوباري وتساوه ومرزق)

–         تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (في جنوب غرب وشمال شرق ليبيا)

–         أنصار الشريعة في تونس (وتقع بين درنة وإجدابيا).

وفي عام 2015، استحوذت خلية مكونة من حوالي ثلاثة آلاف من التونسيين واليمنيين والجزائريين والليبيين، خاصة أنصار نظام القذافي السابقين وأفراد من جماعة أنصار الشريعة، على مدينة سرت، مسقط رأس القذافي. وسرت هي مدينة تقع في منطقة صحراوية بين طرابلس وبرقة وغنية بالنفط وذات قيمة استراتيجية هائلة. وتعاملت ميليشيات مصراتة مع سرت بقسوة بعد سقوط القذافي، مما حدا بالعديد من السكان المحليين إلى الترحيب بقدوم داعش. لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يختار داعش تلك المنطقة، أو صعوده إلى فراغ السلطة في ليبيا بشكل أوسع؛ فالسيطرة على ليبيا مرحلة مهمة للتوسيع نحو شمال أفريقيا من الناحية الاستراتيجية. كما أنها نقطة انطلاق لتهريب المجرمين عبر البحر المتوسط؛ وهناك إمكانية لاستغلال موارد الطاقة الضخمة، كما فعل داعش في العراق.

وفي ديسمبر عام 2015، وقعت حكومة الوحدة الوطنية في المغرب اتفاقا أصبح بموجبه فايز السراج رئيسًا للوزراء. ولكن لم يدعم الجنرال حفتر وحكومة طبرق هذه الخطوة، فيما لا تزال البيئة الأمنية في جميع أنحاء البلاد في غاية السوء. وعلى الرغم من تأكيدات مارتن كوبلر المبعوث الخاص لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) بأن ليبيا سوف تحقق الاستقرار، فما زالت ليبيا منقسمة بصورة خطيرة.

واليوم، ليست المعركة الحقيقية بين برقة وطرابلس، لأن المنطقتين بالإضافة إلى مع فزان، منقسمتان داخليًّا. وبالكاد وصل سراج إلى طرابلس في مارس هذا العام، بفضل تدخل المجتمع الدولي. وعلى الفور وصفت حكومة الوحدة الوطنية (حيث رئيس الوزراء خليفة الغويل والرئيس نوري أبو سهمين) مجلس وزراء السراج بأنه “غير قانوني”، ولكن بعد شهر قررا حل حكومتهما لصالح حكومة الوحدة الوطنية بقيادة السراج. فيما لم تعطه حكومة طبرق،  برئاسة عقيلة صالح عيسى، التأييد الكامل.

نقاط مهمة؟

وعلى الرغم من هذه الخلافات السياسية، كانت هناك علامات صغيرة من التقدم. فقد وصل وزراء خارجية من دول أخرى، حتى رئيس وزراء مالطا إلى طرابلس على كعلامة على أن الوضع السياسي الجديد أصبح رسميًّا. وبينما تظل السفارات مغلقة، فهناك شعور بأن الأمور تسير في اتجاه إيجابي. وفي أواخر أبريل الماضي طلب السراج من المجتمع الدولي التدخل من أجل تأمين آبار النفط، والتي من المفترض من الناحية النظرية أن تكون في حماية إبراهيم الجضرانالذي يقود قوات حرس المنشآت النفطية الليبية. وبينما بدا المجتمع الدولي جاهزًا – بما في ذلك الحكومة الإيطالية، التي تولت دور القيادة – ظهرت اتهامات بالضعف المحلي والتدخل الغربي لتعقد الساحة السياسية الليبية.

وفي الوقت نفسه، يعاني تنظيم داعش من النكسات، بعد أن تعرض لهجمات في سرت من الجنوب والغرب، والشرق شنتها قوات حكومة الوحدة الوطنية وكتائب ميليشيا مصراتة، و قوات حرس المنشآت النفطية. وتشتبك قوات حكومة الوحدة الوطنية حاليا في وسط سرت مع ISIS وتستعيد مزيدًا من الأرض كل يوم. ويبدو أن داعش أضعف بكثير مما كان يعتقد، حيث يفر الآن جنوبًا الى فزان، حيث يمكن أن تكون استراتيجيتها أكثر مرونة وأقل اعتمادًا على السيطرة الإقليمية.

إعادة النظر في مشكلة الانقسام

أكثر ما يثير القلق في ليبيا هو الانقسام المستمر. فالانقسامات الداخلية نتاج عقود من الحكم المتهور في عهد القذافي، حيث أبعد مواطنيه من بعضهم البعض وعن بقية العالم، وحرمهم من أي هيكل حكومي أو إداري صلب يمكن أن يبقي البلاد مستقرة في حال لحظة “مرحلة ما بعد النظام “. وإذا بحثنا أبعد من ذلك، فعلينا أن نتذكر أن طرابلس وبرقة لم تتفقا أبدًا، حتى خلال سني الثورة ضد إيطاليا. حيث استخدم الإيطاليون استراتيجية (فرق تسد) القديمة، وحفروا “أخاديد حقيقية من الدم” – بحسب الباحث البريطاني إدوارد إيفان إيفانز بريتشارد عام 1949 – بين القبائل الليبية.

واليوم؟ يبدو أن الاتفاق الجدي بين الفصائل السياسة الرئيسية – حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب – بعيد المنال. وفي هذه الأثناء، هناك عدد قليل من المؤسسات الأساسية اللازمة لتطوير وإدارة دولة حديثة تعمل في مكانها الصحيح. وقد استثمرت ليبيا القليل في التعليم، فيما يظل الفساد والبطالة بعيدًا أي مخططات. وعلى الرغم من مواردها الهائلة من الطاقة، فهناك تقلص في النشاط الاقتصادي. وقد انخفض إنتاج النفط من 500 ألف برميل يوميا في عام 2013 إلى 300 ألف في يناير عام 2016، وهذا ليس بسبب استنزاف الودائع. وحدث ولا حرج عن السياحة التي لم تراوح مكانها.

هناك نهج واحد يمكن أن يساعد الليبيين على بناء دولة كونفيدرالية تنقسم إلى ثلاث مناطق كبرى: طرابلس، وبرقة، وفزان (أو ربما أكثر إذا رأى الشعب الليبي ذلك مناسبا). ربما حان الوقت أن تصبح هذه المحافظات أكثر استقلالا في مساراتها المختلفة التي تختارها، على أساس الأصول العرقية والاجتماعية والدينية والسياسية الفريدة. هذا هو الحل الأمثل بالطبع. ولكن من الواضح أن المجتمع الدولي، الذي كان جزء لا يتجزأ من الثورة الليبية، لا يمكن أن يسمح الآن بفشل ليبيا كدولة.

جدلية التفكيك من أجل البناء، في هذه الحالة، يمكن أن تعمل. بينما الحل الوطني الذي يدعو منذ فترة طويلة إلى الوحدة السياسية والذي لم يجد نفعًا، يبدو في الواقع ممكنا. وبدلا من ذلك، إنشاء كونفيدرالية بين المناطق الثلاث قائمة على الميول القبلية والحدود الطبيعية، ربما يمكن عندها ضمان استقرار أعمق. يمكن للحكومات الإقليمية توفير حماية أفضل للمصالح المحلية في مجال الأمن وإعادة الإعمار الاقتصادي والحكم. وبالتالي يتعين على المجتمع الدولي أن يبدأ من القاع، مؤكدًا الحلول المحلية، وداعمًا الجهات الفاعلة المحلية، ويساعد على تمكين الليبيين في اختيار قادتهم على المستوى المحلي. وهذا لا يستبعد وجود حكومة مركزية في يوم من الأيام، ولكن يعني أن مثل هذه الحكومة ستكون نوعا ما أقل تأثيرا. إنها خطة صعبة وطويلة بشكل لا يصدق، ولكن ربما تكون الخطة الوحيدة التي يمكن أن تجدي نفعًا.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!