معهد واشنطن: لماذا تدنت الثقة في الدور الأمريكي بالمنطقة؟


تواصل أصداء خطة العمل الشاملة المشتركة التردد في أنحاء الشرق الأوسط الذي يُزعم إنه أقل أمناً مما كان عليه في يوليو الماضي, جزئياً بسبب الاتفاقية.

إن المشكلة لا تكمن إلى حد كبير في بنود الاتفاق, التي سوف تًعقّد أي جهد إيراني لامتلاك القدرة على صناعة أسلحة نووية لمدة عشرة سنوات على الأقل.

على العكس, ترى المنطقة أن آثاره السياسية شجعت, ومكنت مسعى إيران للهيمنة, ويوجد ما يكفي من الحقيقة في هذا الرأي بأن العبء مُلقى على عاتق واشنطن لكي توضح أن الوضع ليس كذلك. تدرك القوى الإقليمية هذا بشكل عام وردت بطرق مختلفة, بداية من المعارضة التامة للسعودية, إلى المسالك المختلطة لتركيا ودول الخليج الأخرى, إلى تكيف العراق وعمان. هذا التخضخض غير المنسق, مصحوباً بما يراه البعض قيادة أمريكية ضعيفة, يخاطر بالسقوط في فوضى أكبر.

في البداية, رحبت الدول في جميع أنحاء المنطقة (بإستثناء إسرائيل, رسمياً على الأقل) بخطة العمل الشاملة المشتركة, على الرغم من أن السعوديين فعلوا ذلك بلغة فاترة على أفضل تقدير.

انقسمت الشعوب العربية حول الإتفاقية, وفقاً لمؤشر الرأي العربي 2015, حيث أيدها 40 في المائة وعارضها 32 في المائة.

أولئك المعارضون ذكروا إحتمالية أن تسهل الإتفاقية الإفساد الإيراني.   وقعت كل دول الخليج التي حضرت القمة الأمريكية-الخليجية في السعودية في شهر أبريل الماضي على لغة مؤيدة لخطة العمل الشاملة المشتركة, لكن غياب الحماس للنهج الأمريكي الكامن تجاه إيران كان ملموساً – وهو إحساس كان واضحاً أيضاً في غياب الملك سلمان عن قمة الأمن النووي 2016 في واشنطن وأول قمة أمريكية-خليجية في 2015  

إنها تلك الآثار الكامنة –مع وجود الرياح في صالح إيران بسبب الاتفاقية – وليس أية تفصيلات في خطة العمل الشاملة المشتركة هي ما تقلق معظم الدول الإقليمية. تتدفق هذه الآثار من نتيجتين متوقعتين للإتفاقية. أولاً, الإتفاق منح إيران وسيلة لمضاعفة ثقلها الإقليمي من خلال الدبلوماسية, والمال, والوكلاء, والعنف, تحديداً عن طريق السماح للنظام بالتربح من الإفراج عن عشرات مليارات الدولارات من مكاسب النفط المحظور سابقاً وصادرات النفط المتجددة, ومغادرة طاولة المفاوضات بـ”إنتصارات” محل جدل (يعني, الإحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم وتجنب الإعتراف ببرنامج التسلح الخاص بها), وأن يصبح جذاباً بصفته شريك تجاري عالمي. ثانياً, الإدارة الأمريكية, الفاقدة لأي نجاح سياسي في مكان آخر, أصبحت مدينة لإيران لأجل الإتفاقية لدرجة إنها تجنبت تحدي إيران و, الأسوأ من هذا, تبدو وإنها ترى الإتفاقية لحظة تحول مع طهران, التي كانت بمثابة “هافانا في الرمال.”

بعد اتفاقية مجموعة 5+1 المؤقتة مع إيران عام 2013, عندما أصبح واضحاً أنه من المرجح التوصل لإتفاقية نهائية, ركز القادة الإقليميون والمحللون الأمريكيون على هذا الشاغل الثاني, مسلطين الضوء على الحاجة لإتمام خطة العمل الشاملة المشتركة بنشاط متجدد في مواجهة عدوانية إيران. كان هذا التركيز واضحاً في الخطاب المؤيد للإتفاقية الصادر منمشروع إيران في يوليو 2015 الذي وقع عليه أكثر من 100 سفير أمريكي سابق, وفي “البيان العام حول السياسة الأمريكية تجاه المفاوضات النووية الإيرانية” للحزبين في 24 يونيو, الصادر تحت إشراف معهد واشنطن. كانت الدول الإقليمية أكثر تحفظاً, لكن الإبلاغ عن هذا كان تقريباً بالإجماع لدرجة إنهم أكدوا على نفس هذه النقطة.

ردت الحكومة الأمريكية بإنها “تلقت الرسالة.” سُلط الضوء على معارضة “أفعال إيران المزعزعة للإستقرار” في البيانات الختامية في كلا من القمة الأمريكية-الخليجية, وخطاب وزير الخارجية جون كيري في 2 سبتمبر إلى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي, حيث كتب: “نحن نشارك القلق الذي أعرب عنه الكثيرون في الكونجرس بخصوص دعم إيران المتواصل للجماعات الإرهابية في أنحاء المنطقة, ودعمها لنظام الأسد في سوريا, وجهودها لتقويض إستقرار جيرانها الإقليميين, والتهديد الذي تشكله على إسرائيل. نحن ليس لدينا أية أوهام بأن هذا السلوك سيتغير عقب تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة.” علاوة على ذلك, استمر مسئولو الإدارة من الرئيس فأسفل في التأكيد على أن الإتفاق كان “تعاملياً” – باقة من “الترتيبات النووية فقط” لمرة واحدة فقط, وليس لحظة “تحولية” مثل ذهاب نيكسون إلى الصين.

مع الأسف, أفعال وتعليقات الإدارة منذ ذلك الحين تنفي هذه الإلتزامات. في شهر أبريل, في حديث مع جيفري جولدبيرج في حوار لمجلة ذي أتلانتك, ذكر الرئيس أوباما أن السعودية يجب أن تتعلم “مشاركة” الشرق الأوسط مع إيران. إن حقيقة إنه يضع العبء على الرياض – حليفة الولايات المتحدة و, أيا كانت أخطاءها, الداعمة للوضع العالمي الراهن بقيادة أمريكا – بدلاً من إيران, الخصم المعروف لذلك النظام, مدهشة.

في الوقت نفسه, كانت ردود الإدارة على الأزمات التي تسببت بها إيران منذ خطة العمل الشاملة المشتركة مختلطة, لكن ينقصها بالتأكيد ما يتطلبه الأمر لإقناع الدول الإقليمية المتشككة بأن واشنطن تواصل العمل بإلتزامات كيري. في العراق, طبقت الإدارة قوة كافية منذ منتصف 2015 لصد تنظيم الدولة الإسلامية بقوات حكومية, مقلصين بذلك دور الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. دعمت الولايات المتحدة أيضاً جهود مجلس التعاون الخليجي في اليمن, واعترضت شحنات الأسلحة الإيرانية, وفرضت عقوبات على طهران (بشكل معتدل) بسبب مخالفة بنود إختبار الصواريخ في آلية الأمم المتحدة لتنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة (قرار مجلس الأمن رقم 2231).

مع هذا فشلت واشنطن في ردع أسر إيران المهين لطاقم البحرية الأمريكية الضال في شهر يناير, وفي الواقع مدحت النظام على أفعاله أكثر مما أدانته. وعلى الرغم من إلتزاماتها أمام دول مجلس التعاون الخليجي, أوقفت الحكومة بيع الطائرات للكويت والبحرين وقطر, وهم حلفاء رئيسيين في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وردع إيران. الولايات المتحدة أيضاً لم تفعل الكثير لمعارضة إنتهاكات إيران في لبنان. والأكثر أهمية, واشنطن لم ترد على التحالف الإيراني-الروسي في سوريا, الذي عُقد بعد خطة العمل الشاملة المشتركة مباشرةً, والذي قلب حظ نظام الأسد, وأحدث توترات ثنائية مع تركيا والدول العربية, وأضعف الإلتزام الأمريكي أكثر أمام الثوار المعارضين للأسد. بإختصار, بالنسبة لأنقرة, والقدس, ومعظم الدول العربية, تبدو إيران متقدمة في مسارح متعددة, بدون صد أمريكي كبير.

بسبب غياب بيت أبيض يرغب في “القيادة من الأمام,” عمل اللاعبون الإقليميون بصورة منفردة. كانت السعودية هي الأقوى في معارضة إيران, وقيادة حملة اليمن, ودعم الإطاحة ببشار الأسد, وإبقاء نفسها على مسافة من حكومة حيدر العبادي الشيعي في العراق, وسحب أرصدتها البنكية من لبنان التي تراها واقعة تحت سطوة طهران. اتبعت الإمارات وقطر في بعض النواحي إستراتيجيات مشابهة. عمان والكويت تقفان على الحياد. الأردن قلقة من إيران لكن لديها تهديدات أكثر إلحاحاً. مصر تبقى غائبة بشكل كبير عن الساحة الإقليمية. تركيا دعمت إتفاقية نووية إيرانية سابقة (“إتفاقية طهران” 2010), لكنها الآن ترى إيران خصماً إقليمياً وشريكاً تجارياً, وتعارض بشدة محور الأسد-طهران في سوريا. بالنسبة لإسرائيل, تدرك الكثير من الشخصيات رفيعة المستوى, من بينها مسئولين عسكريين كبار, أن خطة العمل الشاملة المشتركة قيدت مؤقتاً مسعى إيران النووي, على الرغم من أن رئيس الوزراء بنيامين نيتنياهو نفسه لم يعترف بهذه النقطة. توددت إسرائيل في نفس الوقت إلى موسكو, وبقت محايدة بشكل عام تجاه الأسد, وردت على تحالف إيران-حزب الله بضربات عسكرية متكررة إلى حد ما في سوريا.

إن نتيجة كل هذا ليست جيدة. تبدو الإدارة الامريكية بشكل رئيسي مهتمة بالحفاظ على الاتفاق وقنواتها الجديدة مع طهران مع إدارة حملتها التي مازالت محدودة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ترد الدول الإقليمية, المتروكة بمفردها والتي تواجه إيران الماضية قدماً, بطريقة غير مترابطة وخطيرة, من ضمنها إسقاط تركيا لطائرة روسية, وصراع اليمن المستعصي, والضربات الإسرائيلية في سوريا بالدرجة التي مكنت خطة العمل الشاملة المشتركة حدوث هذا, أدت إلى تدهور أمن الشرق الأوسط.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!