“حزب الله” يدفع ثمن “الانتصارين”.. ماذا عن “الثالث”؟


كتب المحرر السياسي

تموز يحرّك المواجع: للمقاومة خطوطها الحمراء

 

كل المعطيات كانت تشي في نيسان 2000 بأن اسرائيل على عتبة اتخاذ قرار تاريخي بالانسحاب من الجنوب اللبناني. استوجب الأمر لقاء ما تزال تفاصيله طرية في ذاكرة الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله. حصل ذلك في مساء الثامن والعشرين من نيسان 2000. اتفقت قيادتا “حزب الله” و”امل” على أدق التفاصيل والترتيبات المتعلقة بالانسحاب الاسرائيلي وخصوصا موضوع العملاء اللحديين وعائلاتهم، وقبل أن يغادر نصرالله مقر الرئاسة الثانية، في عين التينة، وضع بري يده اليمنى على كتف “السيد” الأيسر وقال له:”يا سيد. إسرائيل ُهزمت لكن علينا ألاّ نفرح كثيراً أننا سددنا هزيمة لها ونغرق في نشوة الانتصار، هذا أمر أكبر من أن يتحمله العرب والمسلمون، وربما بعض اللبنانيين، أنا لست قلقاً، لكني أشعر أن المسؤولية ستصبح أكبر بكثير”… وكان أن ردّ “السيد” بابتسامة هادئة.. ومشى.

جاءت كل الوقائع الممتدة من أيار 2000 الى تموز 2006 لتؤكد صحة مخاوف بري، فكيف اذا خرجت المقاومة في لبنان منتصرة بفرضها أول انسحاب اسرائيلي من أرض عربية محتلة دون قيد أو شرط، ثم بجعل “الحرب الثانية” التي أرادتها تل ابيب مناسبة لتدمير لبنان والمقاومة و”تمخض شرق أوسط جديد”، ترتد عليها هزيمة ستبقى محفورة بوقائعها الدامية طوال 33 يوما، في ذاكرة الجيش الاسرائيلي، لعقود من الزمن؟

عندما كان “السيد” يستقبل للمرة الأولى بعد انتهاء حرب تموز صحافيين وسياسيين لبنانيين، أعاد تذكيرهم بما كان قد سمعه من بري قبل ست سنوات، وأكمل:”تصوروا كيف ستتصرف اسرائيل والولايات المتحدة والكثير من العرب بعد انتهاء هذه الحرب. ســــــيحاولون تدفيعنا أثمان انتصارنا. بكل الأحوال، انتصارنا عظيم ولكن الحفاظ على الانتــصار ومراكمة عناصر القوة في المرحلة المقبلة، أهم وأعظم بكثير”.

انه تموز يعود بعد عقد من الزمن، واجهت خلاله المقاومة في لبنان رزمة من الاستحقاقات والتحديات، قبل الحرب السورية وبعدها، جعلتها تردد أن الحرب العسكرية مع أعتى قوة اقليمية(اسرائيل) تكون أحيانا أسهل بكثير من الوقوف على خاطر هذا الحليف السياسي أو ذاك في الداخل اللبناني، كما أن الحرب مع اسرائيل تبدو بمثابة “نزهة ربيعية” بالمقارنة مع أكلاف المواجهة المفتوحة حاليا مع الارهاب بكل مسمياته.

انه تموز يعيد تحريك المواجع. هذا الشهر الذي جعل المقاومة في لبنان تتخذ قرار الانخراط الكبير في الأزمة السورية. حصل ذلك في الثامن عشر من تموز 2012، يوم أقدمت خلية دولية ـ عربية على تفجير خلية الأزمة السورية أثناء اجتماعها في مبنى الأمن القومي السوري في حي الروضة في دمشق. كان دوي الانفجار وحده كفيلا بأن يطلق “ساعة الصفر” لاقدام آلاف المقاتلين المدربين على اقتحام شوارع دمشق. دار القتال من شارع الى شارع ومن حي الى حي. في تلك اللحظة تحديدا، اتخذ القرار الاستراتيجي الكبير للقيادة الايرانية(الامام الخامنئي) و”حزب الله”: سقوط النظام السوري.. “خط أحمر”.

هذا “الخط الأحمر” لم يكن مجرد تعبير انفعالي عابر. كان التزاما له موجباته بدليل سقوط أكثر من ألف شهيد لـ”حزب الله” وآلاف الجرحى والمعوقين، وتكفي أية مقارنة بين الكلفة التي يدفعها المقاومون في سوريا اليوم، وبين تلك التي تكبدوها في حرب تموز 2006 لا بل في كل معركة تحرير الجنوب اللبناني طوال أكثر من عقدين من الزمن، حتى يتبين أن الكلفة السورية أكبر بكثير.

أنت أمام معركة لا تمتد 33 يوما كما حصل في تموز 2006 ولا أربعة أشهر كما حصل في صيف العام 1982. المسرح الجغرافي كبير وتكاد مساحة محافظة سورية واحدة كمحافظة حمص، وهي الأكبر، توازي مساحة لبنان بنحو أربع مرات. هي حرب لا تواجه فيها جيشا ولا دولة، بل جيوشا من كل حدب وصوب ودول جوار واقليم لا بل عالم يتحول بسرعة.

صارت سوريا، بنتائج الحرب عليها وفيها حاليا، عنصر اجتذاب للارهاب من شتى أنحاء العالم، قبل أن تعيد تصدير بعضه، ومعه خبرة الميدان، الى البلد الأصلي، وخصوصا الى أوروبا، ناهيك عن قضية اللاجئين السوريين التي لا مثيل لها بحجمها وتداعياتها منذ نشوب الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، الى حد أن بعض الدول راحت تتحدث مؤخرا عن وجوب انشاء وكالة غوث دولية خاصة بهم شبيهة بوكالة “الأونروا”.

الأخطر أنها حرب مفتوحة، لا يملك طرف من أطرافها ترف الادعاء بحتمية الانتصار فيها، الا في معرض التعبئة المشروعة، فاللاعبون كثر ومصالحهم متضاربة، وثمة تعقيدات متصلة بحدود قوة وقدرة ورغبة ومصلحة كل طرف ليس في تحقيق انتصار نهائي، بل باالجلوس من حول طاولة تسوية ستأتي حتما ولكن لا أحد يستطيع التنبؤ بأوانها منذ الآن.

ومن تفجيرات الأردن الحدودية الى تفجيرات مطار أتاتورك في تركيا مرورا بيوم الانتحاريين في بلدة القاع الحدودية اللبنانية، كل هذا الدخان المتصاعد في الجوار السوري الملتهب، يشي بأن القدرة على لجم النيران ومحاصرتها أو التحكم بها، لم تعد ممكنة، لكأن هناك “مايسترو” يضع دفتر شروط يحدد ما سيدفعه ويقبضه كل طرف اقليمي قبل جلوسه الى مائدة التسويات الكبرى في المنطقة.

واذا كانت الأثمان التي يدفعها “حزب الله” باهظة جدا، واذا كان قادة الحزب يتمنون أن تأتي التسوية اليوم قبل الغد، واذا كان جمهور المقاومة قد تعب من الانتظار، فان الحقيقة المؤلمة أن هذه الحرب مرشحة لأن تتوسع برقعتها وبكل الاحتمالات التي يمكن أن ترافق مآلاتها المتدحرجة، وبالتالي، سيكون “حزب الله” معنيا بدفع المزيد من القيادات والكوادر والمقاتلين الى أرض المعركة، ومستعدا لدفع كلفة هكذا انخراط، سيترافق حتما مع استمرار القدرة على الاستقطاب، وهي نقطة لا يجادل أحد بشأنها اليوم، بل على العكس، فان من يعرف بيئة المقاومة، يلمس عدم تراجع الاستعداد الشعبي للتطوع والقتال، وبالتالي، يصبح السؤال هو قدرة المقاومة على استيعاب هذه الأعداد سواء التي تلتحق تطوعا أو ضمن التشكيلات النظامية للحزب.

قبل “الاثنين الأسود” في القاع ومع بدء العد العكسي لمعركة حلب، يقود الواقع الحالي للقول أن “حزب الله” ليس في وارد التراجع خطوة واحدة الى الوراء. اما الهدف، فهو مزدوج ولا يحتمل الكثير من الاجتهادات:

أولا، ابرام تسوية سياسية في سوريا، يفترض أن تكون، بمعزل عن مسمياتها أو توازناتها أو الجهة الضامنة لها، تسوية مطمئنة ل”حزب الله” ومقاومته.

ثانيا، تسوية سياسية ضامنة للموقع الاقليمي لسوريا بوصفها جزءا لا يتجزأ من محور المقاومة.

واي اجتهاد من خارج هاتين النقطتين سوف يكون حمالا لتفسيرات كثيرة، لكن أيضا ينبغي قراءة الحدث السوري ومعه مجمل ما رافق ما يسمى “الربيع العربي”، من زاوية تأثيراته على مجموعة قضايا كانت في صلب كل التغييرات والتحولات والشعارات التي عاشها العالم العربي منذ مطلع القرن العشرين حتى يومنا هذا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  • الاسلام الذي تبرعت قوى وازنة في العالمين السني والشيعي للقول انه “الحل”، لم يعد هو الحل، وعلى قوى الاسلام السياسي(“الأخوان المسلمين” وايران) أن تعيد النظر في قدرة هذا النموذج على حكم أية دولة في العالم.
  • العروبة لغة وثقافة وانتماء ومنظومة مصالح من المحيط الى الخليج، لم تعد تربط بين مدينة ومدينة، وها هو العالم يتجه نحو المزيد من تلاشي الكيانات القومية الكبرى(نموذج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمحاذير التي تحيط بالوحدة الأوروبية مستقبلا) وذلك لمصلحة الكيانية وما دون(قوميات وأقليات تحمي نفسها بدويلات أو فيدراليات أو كونفيدراليات أو حكم ذاتي الخ..)
  • الديموقراطية التي لطالما كانت تشكل هدفا استراتيجيا تاريخيا، باتت تشكل “بعبعا” عند معظم شعوب المنطقة، وها هي مصر تدفع ثمن “ديموقراطية الميادين” وافتقادها للحريات، وهذا الواقع ينسحب على معظم الأقطار العربية.
  • التنمية التي كانت هدفا لكل شعوب المنطقة، تراجعت عقودا الى الوراء وها هي سوريا تعيش فصولا من الدمار، تزيد معها كلفة اعادة اعمارها، والأمر نفسه يحصل في اليمن والعراق.

في ظل هذه المشهدية السوداء، لا يجوز ـ ودائما على طريقة معظم الأنظمة والشعوب العربية ــ تكبير نظرية المؤامرة الى الحد الذي يجعلنا نفقد قدرتنا على التفاعل والفعل، بل على العكس، صار مطلوبا منا أن نجعل تموز 2016، مناسبة للتأمل، وخصوصا في كيفية الانخراط في معركة مواجهة الارهاب، كل من موقعه، لأن التردد قد يجعل كل واحد من اللبنانيين يدفع الثمن مستقبلا بطريقة مأساوية ومباشرة، فيما هم يكتفون اليوم بالتفرج على نشرات الأخبار وهي تروي حكاية جنازات عشرات المقاتلين من المقاومين يدفعون بدمائهم الزكية البلاء عن لبنان.. بأسره.

اليوم القاع وغدا اية منطقة لبنانية؟

لننتظر، ولا بأس في أن يقترن انتظارنا باجراءات وتدابير في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأمن، ولو بالحد الأدنى.

(ينشر بالتعاون مع صحيفة الإعمار والإقتصاد)

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!