روسيا – تركيا… اعتذار عن الخطايا


 فؤاد خشيش

 

 

سبعة اشهر وثلاثة ايام مرت منذ استهداف الطائرات التركية للمقاتلة الروسية “سو 24” فوق الاراضي السورية واستشهاد قائدها.

الرابع والعشرون من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي كان يوما مفصلياً في العلاقات بين روسيا وتركيا، على وقع الاختلاف في التقويم السياسي والعسكري للازمة السورية ومحاربة الارهاب.

يعرف القاصي والداني من ادخل الارهابيين ومن سلحهم ودربهم وفتح الحدود امامهم واشترى “نفطهم”، وقدم مختلف الوسائل اللوجستية لعلّ وعسى تسقط الدولة السورية، ويحلو لرجل الاحلام الواهية انشاء منطقة عازلة على الحدود، وضم المزيد من الاراضي السورية لامبراطورية المستقبل و”الصفر مشكلات”، وكما قال الرئيس الروسي جاءت “الطعنة من الظهر”، وحصل ما حصل.

يشكل التوجه السياسي الجديد في العلاقات السياسية الخارجية للدولة التركية مسعى من قبل صناع السياسة التركية لفك العزلة النسبية التي تعاني منها أنقرة في علاقاتها الخارجية، فما أحدثته أزمة العلاقات مع روسيا عقب إسقاط المقاتلة الروسية

سوخوي 24، تركت تداعيات سلبية على الدور التركي في سوريا والتي تخص بشكل مباشر الأمن القومي لتركيا، فالتهديدات القادمة من الأراضي السورية معقدة وشائكة، فمن جهة تواجه تركيا التجمعات الإرهابية التي تسيطر على جزء من الحدود مع سوريا، ومن جهة أخرى تواجه حزب العمال الكردستاني.

دخلت النار من كل الابواب، ضرب الارهاب داخل تركيا وفي عمق الاقتصاد: مطار اتاتورك معنوياً واقتصادياً، فخلاف تركيا مع روسيا حرم مقاتلاتها من التحليق فوق الأجواء السورية لضرب التجمعات الإرهابية التي تستهدف المدن والبلدات التركية الحدودية مع سوريا، ويجد الجيش التركي نفسه مرتبكا لعدم قدرته على استهداف هذه التجمعات بالمقاتلات الحربية، فتقتصر عمليات الاستهداف على سلاح المدفعية الذي يصل لمستويات محددة.

تأزمت العلاقات التركية – الروسية، وفقدت تركيا توازنها في علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية، وصارت بحاجة لقوتها في مواجهة روسيا، وبالتالي جنوح السياسة التركية للتوجهات الأميركية في الأزمة السورية، حيث ضعفت توجهات أنقرة في التعامل مع الصراع السوري وإشراك رؤيتها في حل الأزمة، كما وتسعى المنظومة الغربية لفك تركيا عن المشرق العربي بتأسيس كيان كردي في الشمال السوري يفقدها العمل الجغرافي مع بلدان المشرق، وهذا المخطط نسخة طبق الأصل عن المشروع الصهيوني الذي فصل مصر وشمال أفريقيا عن بلاد المشرق العربي بتأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي بينهما.

يشير المعلق السياسي الروسي الكسي كوبريانوف الى ان “الرئيس التركي كان في حالة اشتعال وغضب، وكان يدافع بشكل غريب عن حق اسقاط الطائرة الروسية التي اعتبر انها تخطت الاراضي التركية، وكان على تركيا ان تدافع عن سيادتها وحدودها،

ولكن غاب عن بال اردوغان ان الطائرة الروسية كانت تقصف مواقع الارهابيين، وقد نشرت وزارة الدفاع الروسية وبشكل دقيق خط سير الطائرة التي لم تكن تتوقع ان تقصف من الخلف، وصدق بوتين عندما قال انها طعنة في الظهر”.

عود على بدء

رسالة اعتذار ، بعد طول انتظار، سارعت القيادة الروسية الى الرد عليها بالايجاب، وأصدر الرئيس الروسي بوتين تعليماته ببدء “الموسم السياحي”، وباشر رئيس الحكومة ديمتري مدفيديف بتهيئة الاجواء السياحية والاقتصادية، وإعادة العمل بالاتفاقات الاقتصادية والعمالة التركية، وعلى ما يبدو ستعود المواد التركية الى سابق عهدها الى الاسواق الروسية.

وفي هذا الصدد، يقول رئيس مجلس العلاقات الخارجية والسياسة الدفاعية فيودور لوكيانوف ان “اعتذار الرئيس التركي اردوغان هو بمثابة دفعة ليست بالسهلة على الصعيد السياسي والاقتصادي لبلاد تعرضت لاهتزازات علاقاتها مع روسيا، وكذلك على الصعيد العالمي”. ويضيف ان “لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي ارتدادات فهمها اردوغان في ما يخص الاتحاد الاوروبي حيث لن يكون مرغوبا بتركيا عضوا داخل الاتحاد، واشار الرئيس الفرنسي السابق نيقولاي ساركوزي الى ان على “اردوغان ان ينتظر ثلاث آلاف سنة ليكون عضوا في الاتحاد”، مع العلم ان الاتحاد الاوروبي يعاني من اهتزازات داخلية وبنيوية، وليست العلاقات سوية كما يتخيل للبعض بسبب الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية من جهة، وضغوطات الولايات المتحدة الاميركية من جهة اخرى، وجاء الخروج البريطاني ليزيد حالة الارباك داخل

الاتحاد، ناهيك عن الازمات الخارجية والمالية، وحالياً ضغط اللاجئين وظهور الحركات العنصرية التي اعتقد البعض انها ولت الى غير رجعة.

بدوره، يعتبر نائب رئيس مجلس العلاقات الدولية الروسية فلاديمير دجاباروف انه “من السهل قطع العلاقات، ولكن لكي يعاد بناؤها وربطها تحتاج الى وقت طويل”.

هناك الكثير من الاسئلة: اما الاعتذار وقد حصل، وجرى التواصل بين الرئيسين، لكن من سيعوض عن الطائرة، ومن سيدفع ثمن الخسارات الكبرى، والاهم من اعطى الامر باسقاط الطائرة؟

روسيا بعد عودة العلاقات مع تركيا، ستحقق مكاسب سياسية مهمة على صعيد العلاقات مع الاكراد في حربهم ضد “داعش” والمجموعات الارهابية الاخرى، بمعنى ان تركيا ستدخل الحرب بشكل مباشر ضد التنظيمات الارهابية وستعمل بشكل اسرع على اقفال الحدود، وقد تعود الطائرات الحربية التركية لتحلق في الفضاء “السوري” لقصف الارهابيين وفق الاجندة الروسية، وبالطبع على تركيا ان تأخد موقفاً مغايراً من الحرب في سوريا، وبخاصة على الصعيد السياسي.

بكل الاحوال، لا يجب ان يغيب عن البال ان لروسيا مصلحة كبرى في عودة العلاقات مع تركيا، كون الاخيرة تملك تاثيراً على تتار القرم، بسبب العلاقات التاريخية، وايضاً لها علاقات ممتازة مع مسلمي آسيا الوسطى ما يساعد على استقرار تلك المناطق، وهذا مهم على الصعيد السياسي بالنسبة لروسيا، وتشكل تركيا عامل اطمئنان لروسيا من اي تحركات للمجموعات المتطرفة، وليس سرا ان تركيا لعبت دورا اساسياً في التأجيج ضد روسيا وبخاصة في حرب الشيشان في تسعينيات القرن الماضي، ناهيك عن العامل الاسرائيلي الذي يتوغل في آسيا الوسطى، مستفيداً من النعرات الطائفية ما

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وكذلك لعبت السعودية دوراً مهماً تكشفت خيوطه في ما بعد، والحديث يطول في هذا المجال.

أما ما يخص العلاقات الاقتصادية وبخاصة الغاز، فإن كلا الطرفين يراهن على هذا الصعيد حيث الارباح متبادلة، ولتركيا الحصة الكبرى على هذا المجال في ما يخص خط السيل الشمالي 2 وتفاصيله المعروفة.

قد تكون فرصة تاريخية لكلا الطرفين، سواء على الصعيد الاقتصادي والسياسي، او في ظل التحولات السياسية حيث روسيا اصبحت محور اللقاءات، والكل يراهن على الدور الروسي في استقرار المنطقة، وبخاصة المناطق الملتهبة من سوريا الى ليبيا والعراق واليمن، وتفح روائح صفقات الاسلحة، رغم هبوط اسعار النفط، حيث كانت اللعبة هنا “واهية” وانقلب السحر على الساحر.

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!