العراق واللعنة الطائفية


تحوّل العراق من دولة سلطوية إلى اللادولة عبر آليات الاحتلال الأميركي التي أنتجت دستورا وعملية سياسية تؤبد الاقتتال الطائفي في البلاد ما لم تأت التغييرات الجذرية سريعا. فبعد أن اشتدّ الحديث اليوم عن تقسيمات جديدة على الأرض في المدن على أساس إثني وطائفي ومذهبي، فإن الدعوة أصبحت ملحة اليوم أكثر من ذي قبل لفرض تغيير حقيقي في النظام السياسي، وإلا لن يكون هناك كيان اسمه العراق في المستقبل.
يعرّف المختصون التطهير العرقي بأنه “محاولة خلق حيز جغرافي متجانس عرقيا بإخلائه من مجموعة عرقية معينة باستخدام القوة المسلحة، أو التخويف، أو الترحيل القسري، أو الاضطهاد، أو طمس الخصوصية الثقافية واللغوية والإثنية، عبر القضاء عليها نهائيا أو تذويبها في المحيط الإثني الذي يُراد له أن يسود”.
الأيديولوجيات الطُهرانية التي تؤمن بطهارة الذات الهوياتية وضرورة انسجام المنتمين إليها مع نقاوتها، تفسح المجال أمامهم لتطهير أنفسهم والذود عن الذات الإثنية. فيذهب الآخر ومعه التنوع الثقافي والمجتمع كله ضحية عملية تطهّرية ذاتية تمارسها الطوائف والجماعات في إطار ثالوث “الطُهر، التطهّر، التطهير”.
يكتب أحد كهنة الطائفية في العراق على فيسبوك فيقول إن “لكل مدينة هويتها الدينية والمذهبية والقومية التي يجب أن تعود” وهو كلام متهافت تُنكره وقائع التاريخ والجغرافيا، فالحديث عن هوية دينية أو مذهبية “محسومة” لأي مدينة عراقية هو مجرد هذيان وتلفيق سياسي، ويتناقض مع حقيقة التنوع السكاني في العراق، ففي كل محافظة عراقية هنالك سنة وشيعة، مع اختلاف النِسَب، ولا توجد محافظة واحدة خارج سياق التنوع هذا.
وإذا كانت السردية السائدة حاليا أن البصرة شيعية والموصل سنية، فهي نتيجة سياسة الإكراه الطائفي والقسر الهوياتي التي استهدفتالمجتمع العراقي، وممارسات الإرغام الداعشي والقهر الميليشياوي، وأيضا التضليل الإعلامي الذي يتعارض مع الحقائق الاجتماعية والسكانية والثقافية التاريخية أو القائمة على الأرض. كما أن الحديث عن استرجاع هوية عقائدية أو دينية “أصلية” مُدّعاة لأي مدينة هو أطروحة عَدَمية عدوانية، تتساوى أخلاقيا مع جريمة التهجير الطائفي التي تهدف إلى فرض هوية جديدة على المدن.
فالتهجير مدان لأنه انتهاك لحق وحرية الفرد في اختيار مكان سكنه بإرادته، دون تهديد لأمنه ولسلامته، أو أي شكل من التمييز ضده، كذلك الحديث عن هوية “أحادية” لمدينة هو إكراه سياسي ونمط من الفاشية الإثنية يستبطنان معنى الإلغاء والاستئصال.
وكما يشكّل منطق التهجير الطائفي نمطا من التطهير العرقي الهادف إلى فرض “هوية نقية” متخيّلة على المجتمعات، كذلك الحديث عن استعادة “هوية أصيلة” هو منطق تطهّري مقابل، يفترض أن للمدن هويات صافية تنبغي المحافظة عليها دون أن تشوبها شوائب “الهويات الدخيلة”، فالمنطق الأول ينتج تشوهات سكانية واجتماعية، والثاني يتسبب في تشوهات ثقافية وقيمية.
لا يحتاج العراقيون صراعا على هويات المدن، فالحديث عن “الهوية” في وقت موت وتشرّد البشر وخراب مدنهم هو خطاب خاوٍ أخلاقيا، وهشّ معرفيا ومتهاوٍ سياسيا، لأنه يقدم الهوية على الإنسان، والزيف على الحقيقة، والوهم على الواقع، والماضي على المستقبل. الهوية منتَج للوجود البشري، وليست سببا له. إن استعادة هوية سنية مفترضة للموصل لن تحمي سكانها من الإرهاب والظلم، كما أن المحافظة على هوية شيعية مزعومة للبصرة لن تحمي مواطنيها من الفقر والفساد.
الأحزاب الدينية التي تحمل أيديولوجيات تطهرية تصنع المناخ المساعد على تنفيذ الأجندات التصفوية على الأرض وإن فرض هوية معينة على هذه المدينة أو تلك لن يؤسس لشيء غير حروب الهويات، التي تهدد البشر “وجوديا” وتجعل عيشهم قاسيا وحياتهم مستحيلة؛ ما يجعل الهوية مهددة دائما لأن حياة الإنسان حامل الهوية والمدينة المحتضنة لها في خطر! وإن أولئك الذين انشغلوا بشعارات الحفاظ على الهوية على حساب حياة الإنسان وسلامة النسيج الاجتماعي كانوا أول من تسبب في تهديد وتقويض الهوية، فلم يُبقوا على بشر ولا مجتمع ولا هوية.
المحاصصة الطائفية نظام تطهير عرقي، والأحزاب الدينية والمذهبية التي تحمل أيديولوجيات تطهّرية تصنع المناخ السياسي المساعد على تنفيذ الأجندات التصفوية على الأرض، كما توفر السرديات الطائفية الفضاء الثقافي والرمزي الداعم لاقتلاع الآخر واجتثاث جذوره. ودائما كان التطهير السياسي والثقافي يسبق التطهير الميداني والديموغرافي. الأول يعتمد على خطاب الكراهية والثاني يستخدم السلاح والعنف الخشن.
والإلغاء المعنوي مقدمة للاستئصال الجغرافي. وليست المحاصصة، بما هي نفي سياسي للآخر وإلغاء متبادل بين الطوائف، إلا مأسسة سياسية وقانونية لمفهوم التطهير العرقي. التحاصص الطائفي، بما فيه من عزل فئوي وتنابذ مذهبي، يجعل التطهير منهجا للسياسة وللتشريع، وللدولة ومؤسساتها. عندما تقول إنه ثمة “مكوّن سني” و”مكوّن شيعي”، منفصلان معزولان عن بعضهما عزلا جوهريا هوياتيا، وإن لكل منهما ممثليه السياسيين ومصالحه الخاصة، وأنه لا فرصة لأي تقارب أو لقاء إلا على أساس التمايز الهوياتي الجوهري نفسه، فأنت بذلك تؤسس للتطهير العرقي البيني اللاحق في الميدان وللإزالة المتبادلة على الأرض.
ولن تتحقق مفاهيم حقوق الإنسان والليبرالية، بمعناها الضامن لحرية الفرد في التنقل والعمل والسكن في كل شبر عراقي، إلا من خلال مشروع سياسي علماني مواطني في جذره وتكوينه ومنظومته الفكرية والقيمية، يؤمن بأن العيش والعمل في كل مكان في العراق هما حق لكل العراقيين والعراقيات من دون أدنى تمييز، وأن مساءلة أي عراقي عن سبب تواجده في محافظة ما على أساس عنصري؛ هو فعل يرقى إلى الإرهاب لأنه انتهاك حقوقي صارخ وعدوان على حق الفرد، كإنسان ومواطن، في اختيار المكان الذي يتواجد أو يسكن فيه دون الاعتداء على حقوق وخصوصية الآخرين. كما يشكّل تهديدا للسلم الأهلي وسلامة النسيج الاجتماعي.
إن قيام أحزاب على أساس ديني هو انتهاك للسلم الاجتماعي، وتطهير سياسي وديني ضد المعتقدات الأخرى، فما معنى وجود حزب سياسي بأيديولوجيا إسلامية في مجتمع متنوع فيه المسيحي والإيزيدي والصابئي، الذين يحقّ لهم أن يشعروا بالرعب من وجود أحزاب منغلقة تنظيميا وأيديولوجيا على عقيدة محددة، وتسعى

بما تتسم به من أحادية وقسرية إلى تدمير التنوع الثقافي الذي يفترض أنه يحتضن الجميع ويمثّل الجميع، ويلوذ به الجميع.
الأحزاب الدينية تمزج الأيديولوجيا بالميثولوجيا، فتضفي على السياسة طابعا أسطوريا، سماويا غيبيا، و”نقيا” متساميا على “دناسة” الواقع الملوّن بالتنوع و”الملوث” بالآخر، وتخلط بين السرديات السياسية والروايات التراثية والتاريخية، وتحشر أعضاءها في “غيتوات” اجتماعية معزولة؛ فيكون الانفصال عن الواقع في الوعي والشعور والزمان والمكان، بما يتسبب في إنتاج مركبات عنصرية وعصابية تدميرية خطيرة على العقول والقلوب والضمائر، تشحن المجتمع بالتوترات العقائدية وروح العداء والتربّص وانعدام الثقة، فتستهلك طاقته لصالح احتقان ثقافي مزمن ونزاعات هوياتية مستدامة.
إن نصوص الدستور العراقي التي تعطي الأولوية والعلوية لما تسميه “الهوية أو الغالبية الإسلامية” هي نصوص تطهير عرقي بامتياز، لأنك بمجرد أن جعلت غير المسلم في “مرتبة أدنى” فأنت تفتح الباب لممارسة كل أشكال التمييز والتطهير ضده.
كما أن النظرية المكوناتية التي قامت عليها العملية السياسية، والتي ترى العراق بعين طوائفية تفكيكية لا مواطنية إدماجية، تعتمد الإقطاعية السياسية وتؤسس للتطهير العرقي؛ إذ وفقها يسعى كل مكون مذهبي إلى جعل مدنه أو إقطاعياته “خالصة” له، وحيزه الجغرافي “طاهرا” من المكون الآخر، وبالتالي يشترك أفراد المكون وسياسيوه ونخبه وناخبوه ومثقفوه جميعهم، بالأفعال أو الأقوال أو بالتواطؤ والتغاضي أو بالصمت والسلبية، في إلغاء الآخر والتمييز العنصري ضده واقتلاعه، حتى ليبدو القول إن داعش أو الميليشيات هم فقط من يقومون بتهجير السنة أو الشيعة اختزالا فجا، فالواقع يقول إن كل العراقيين يهجّرون كل العراقيين، بصيغة أو بأخرى.

هي حرب الجميع ضد الجميع؛ فعندما نرضى لأنفسنا جميعا الانخراط في اللعبة الطائفية الملوثة، تلك اللعبة التي مسخت المجتمع أخلاقيا وأباحت للجار تهجير جاره في غفلة من الضمير والحس السوي؛ عندئذ نكون جميعا مسؤولين وشركاء في الجريمة. أولئك الذين يتمسّكون بالمكوناتية السياسية في تقاسم السلطة والثروة والأرض والنفوذ إنما يتمسّكون بالتطهير الطائفي والإبادة الجماعية لمجتمعاتهم المحلية وللآخرين على حدّ سواء.

ولن تتوقف دوامة التطهير والتطهير المضاد حتى تأتي على ما تبقى من تعايش وبنى تحتية واجتماعية في العراق؛ لكن النخب السياسية ليسوا في معرض الاتعاظ أو التراجع أو المراجعة. إنهم يزدادون مكابرة وانفصالا عن الواقع.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!