فورين بوليسي| على السعودية أن تعترف بوجود مشكلة نفطية.. والسبب؟


أعلن ولي ولي العرش السعودي حزمة جريئة من الإصلاحات الرامية إلى تحرير المملكة من “إدمان النفط” بحلول عام 2030. وفيما يلي أسباب أنها قد تأتي بنتائج عكسية بشكل خطير.

راهنت العائلة المالكة السعودية بهيبتها على خطة جريئة للإصلاح الاقتصادي، تهدف إلى انعاش الاقتصاد الذي تضرر بسبب انخفاض إيرادات النفط بشكل حاد. ولكن الوصفات الواردة “بالرؤية السعودية لعام 2030”  محفوفة بالمخاطر إذ أنها تهدد بحل العقد الاجتماعي بين آل سعود والشعب السعودي.

وصدق مجلس الوزراء السعودي رسميًّا على “رؤية 2030″، باسم برنامج التحول الوطني، والذي يزود المملكة بخطة أقل خيرية وأكثر تقشفًا. كما أنها تدعو السعودية لتقليل اعتمادها على قطاع الطاقة، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وقطع دعم الدولة. والهدف على المدى الطويل هو إعداد المجتمع السعودي لتقبل الحياة بعد أفول عصر النفط.

واعترف نائب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود المعسكر المؤيد للإصلاح داخل العائلة المالكة السعودية بأن السعودية أصبحن تعاني من “حالة إدمان نفطية”. مشيرًا إلى أن “هذا أمر خطير. وهو ما يؤخر تطوير القطاعات الأخرى” . وأعرب عن أمله بأنه في  غضون عشرين عامًا  ستستمد أكبر دولة نفطية في العالم معظم عائداتها من الاستثمارات العالمية ومجموعة متنوعة من الصناعات بدلاً من الطاقة.

وتتبني السعودية “رؤية 2030” لسبب بسيط جدا وهو عدم إمكانية استمرار النموذج الاقتصادي الحالي. ففي العامين الماضيين منذ أن هبطت أسعار النفط، وعاثت فسادًا في اقتصادات الدول الكبرى المصدرة للطاقة، تجد المملكة نفسها محاصرة بسبب ارتفاع أزمة السيولة. وفي العام الماضي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 13 % وانخفض صافي الأصول الأجنبية بحو 115 مليار دولار، مع مرور الحكومة في أزمة نقدية لسد العجز في الميزانية والذي بلغ  100 مليار دولار. رغم أن أسعار النفط قد تراجعت إلى حوالي 50 دولار للبرميل، فيما دعت الميزانية الوطنية إلى سعر التعادل 66.70 دولار هذا العام – بانخفاض حاد عن العام الماضي 94 والذي كان 80 دولار مما يشير إلى  الحاجة الملحة للسيطرة على الإنفاق.

وفي محاولة لوقف النزيف، أشارت الحكومة السعودية في مارس إلى استعدادها لإخراج مليارات القروض المصرفية. وحتى مع ذلك، فقد أصدر صندوق النقد الدولي تنبؤًا مخيفًا حول الإفلاس الوطني في غضون أربع سنوات إذا ما استمرت أنماط الإنفاق الحالية.

تعود المشاكل المالية في السعودية إلى قرارها المشئوم في خريف عام 2014 بضخ الفائض من الخام في سوق المشتري. وعلى الرغم من بلوغ أسعار النفط نقطة متعثرة على أي حال – كانت هناك وفرة في المعروض بينما تباطأ الطلب على السلع الاستهلاكية – وتسارع التدخل السعودي وتكثف الانهيار، ما أدى إلى هبوط الأسعار إلى مستويات لم تشهدها منذ السنوات الأولى لهذا القرن. وأصر السعوديون على أن الدافع وراء هذا العمل كان بسبب الحاجة إلى الدفاع عن حصتها في السوق، ولكن لم تخفي فرحتها من أن انخفاض الأسعار أضر اقتصادات خصومها الجيوسياسيين وهم إيران وروسيا (ناهيك عن منافسيها في الإنتاج، وخصوصا الولايات المتحدة). ولكن الأسعار تراجعت أقل من ذلك بكثير ولفترة أطول بكثير مما كان متوقعا، محدثة فجوة في تمويل الدولة.

وازداد الوضع سوءًا بسبب استنزاف الخزائن السعودية من خلال حزمة كبيرة من النفقات الاجتماعية وميزانية الدفاع الجديدة. فقبل ثلاث سنوات، وخوفا من انتشار ثورات الربيع العربي ضد الحكم الاستبدادي، أعلنت العائلة المالكة السعودية إعانات جديدة وبرامج الرعاية تقدر تكلفته بنحو 130 مليار دولار. ومن ناحية أخرى، دفع قرار الولايات المتحدة بعدم إنقاذ حلفائها التقليديين، مثل الرئيس المصري حسني مبارك، الرياض لإطلاق ثورة مضادة محافظة – حيث صبت عشرات المليارات من الدولارات في صورة مساعدات وأسلحة لحلفائها المهددين باضطرابات اجتماعية وسياسية ودينية.

كذلك التزمت المملكة بإنفاق مليارات أخرى على ميزانية الدفاع التي تهدف إلى مواجهة عدوتها اللدود إيران. وهذا العام، حلت السعودية محل روسيا كثالث أكبر دولة في الإنفاق العسكري عالميًّا، بنحو 56 مليار دولار مخصصة لتجهيز قواتها المسلحة.

وتزامن الإنفاق السعودي العفوي مع ظهور نجل الملك سلمان، نائب ولي العهد الأمير محمد، صاحب سياسة الإملاء البارزة في المملكة. وفي أقل من عام، ومصحوبًا بنفور واضح من أفراد العائلة المالكة كبار السن، اندفع الأمير الشاب، الطموح  طلق اللسان، في إجراء تغييرات على قضايا تتراوح بين الاقتصاد والدفاع وحقوق المرأة والإصلاح السياسي. فيما حذرت الاستخبارات الألمانية في تقرير تم تسريبه من “الخطر الكامن الذي في السعي لوضع نفسه في خط الخلافة في حياة والده، وربما يكون [محمد] قد تجاوز الحدود”.

ويقول البعض إنه كذلك بالفعل. بالإضافة إلى دوره في المرتبة الثانية في ترتيب ولاية العرش ورئيس الديوان الملكي، فتدخلات الأمير محمد حاسمة في الشئون العسكرية والاقتصادية أكسبته لقب “أمير الحرب والنفط” ومع عدم وجود خبرة واضحة في الشئون العسكرية أو السياسة الخارجية أو الاستراتيجية، فإن قراره بتولي حقيبة الدفاع وضعت هيبة عائلته وسمعتها بشكل مباشر رهن نتائج حربين مفتوحتين في سوريا واليمن. وكان ذلك بمثابة مقامرة ملحوظة: لقد قام بهذا مع العلم أن المملكة في أسفل الترتيب العالمي من حيث الفعالية العسكرية.

ففي اليمن، اكتسب القوات الجوية السعودية –  والتي تعتبر نادي طيران للأمراء – سمعة لعدم كفاءتها ووحشيتها في استهداف المناطق السكنية والأهداف المدنية. ومن ضمن الحوادث الأكثر شهرة غارتين جويتين قام بهما التحالف الذي تقوده السعودية في 15 مارس استهدفتا سوقًا مزدحمة في قرية المصطبة، مُخلِّفةً 97 قتيلا. وإضافة إلى الحرج الشديد الذي تسببت به للحكومة والدول الغربية التي تورد لها الأسلحة، اتهمت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش السعوديون بارتكاب جرائم حرب مما أسفر عن سقوط آلاف القتلى وتشريد 2.5 مليون شخص.

أما في المجال الاقتصادي حيث كان تأثير الأمير محمد أشد وطأة. فمع درجة البكالوريوس في القانون التي حصل عليها، قرر الأمير أنه ينبغي أن يشرع في المهمة الهائلة المتمثلة في تحويل المملكة العربية السعودية من دولة ريعية إلى اقتصاد صناعي متحرر من قيود السوق. وهدفه لا يمكن أن يكون أكثر طموحًا، فالمملكة العربية السعودية، التي يتوقعها، ستُحرم من عائدات النفط خلال جيل واحد.

يعكس المشروع السعودي للإصلاح والذي يحمل عنوان “رؤية 2030” تمامًا تقريرًا كان قد صدر على موقع شركة (ماكينزي وشركاه) في شهر ديسمبر الماضي، وهي شركة استشارات عالمية تقدم حلولاً نيوليبرالية لمشاكل عالم الواقع”. وقد اعترف سلمان أن الحكومة السعودية تعمل بشكل وثيق مع هذه الشركة. مما جعل النقاد السعوديين يسخرون بأن وزارة التخطيط يجب أن يعاد تسميتها لتصبح “وزارة ماكينزي”.

وفي السنوات الأخيرة، أنشأت ماكينزي جيلاً من الأمراء العرب الشباب العاشقين للإصلاحات الاقتصادية على النمط الغربي، ولكنه حدثت نتائج متباينة تمامًا. وكما قال أحد منتقدي الشركة بأن الكثير من الدول التي استعانت بشركة ماكينزي  أصبحت فيما بعد ساحات لثورات الربيع العربي، وهي دول مثل البحرين ومصر وليبيا واليمن، حيث  اندلعت فيها المظاهرات مدفوعة في أغلبها بالمظالم الاقتصادية.

ولكن مقاربة ماكينزي لإصلاح الحكومات الأجنبية معيبة على نحو خطير. لأن هذه المقاربة التي أطلقتها الشركة للإصلاح الاقتصادي ذات حجم واحد يناسب الجميع ولا تأخذ في الاعتبار خصوصيات الدول من تاريخ أو خلفية اجتماعية. كذلك  فهذه المقاربة لا تنظر بما إذا كانت الهياكل السياسية في البلد المعين متينة بالقدر الذي يسمح لهذا البلد تجنب الاضطراب الذي عادة ما ينشأ نتيجة فقدان الوظائف وخصخصة الشركات التي تملكها الدولة والخدمات الاجتماعية وخفض الدعم وزيادة في تكاليف المعيشة.

تبدو الأنظمة الاستبدادية – والملكيات المطلقة على وجه الخصوص –  أضخم مما هي عليه في الواقع. مع تركز السلطة في يد واحدة أو عدد قليل من الأيدي، ومع قلة عدد المنافذ المستقلة المتاحة للتعبير الشعبي، إن وجدت، فإن تراكم الضغط من الأسفل تكمن فيه القدرة على الانفجار. والعقود الاجتماعية التي تتبادل سخاء الدولة مقابل الولاء الشعبي هشة وليست أساسية للحفاظ على الاستقرار.

 

في مقابلة مع مجلة الإيكونوميست، أعرب الأمير محمد بن سلمان عن إعجابه برئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر. ولكن على عكس بريطانيا في الثمانينات، فالسعودية اليوم لا يوجد بها صحافة حرة، ولا برلمان منتخب، وليس هناك حق في التجمع. إنها تفتقر إلى البنى السياسية المرنة التي يمكنها استيعاب وتوجيه الطاقات الاجتماعية المتفجرة بعيدًا عن المركز. فهل كان الأمير على علم بأنه حتى مع هذه النظم المعمول بها، فقد خُلعت تاتشر في نهاية المطاف؟

ولم يقدم الأمير إجابة مقنعة عندما سئل عما اذا كان الشعب السعودي سيستمر في تقبل فرض ضرائب بدون تمثيل. إلا أنه قال: “هذا ليس قرارا من الحكومة ضد الشعب، ولكنه قرار سعودي، من الحكومة التي تمثل الشعب”

وإيجازًا إلى جوهرها، فهذا يرقى إلى إجابة المستبد الكلاسيكية: “أنا الدولة“. 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!