هلال رمضان.. بين الرؤية والفلك والتوظيف السياسي


سيد عيسى

«صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» كانت هذه وصية الرسول لامته لترقب شهر رمضان وبداية الصوم وكان أول ما يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ثبوت هلال شهر رمضان أن يرفع يده بالدعاء ويقول «الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله».

وبالفعل ما أن يتسنى للقائمين على الأمر رؤية الهلال إلا وتنطلق الاحتفالات فى مصر  التي كان يحضرها على مدى التاريخ الإسلامى في مصر، كبار رجال الدولة في العاصمة والمدن الكبرى.

فى عام 155هـ خرج أول قاض لرؤية هلال رمضان، وهو القاضى أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذى ولي قضاء مصر، وتبعه بعد ذلك القضاة لرؤيته، حيث كانت تعد لهم «دكة» على سفح جبل المقطم عرفت بـ «دكة القضاة»، يخرج إليها لاستطلاع الأهلة، فلما كان العصر الفاطمى بنى قائدهم بدر الجمالى مسجدا له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدا لرؤية هلال رمضان.

ظلت مهمة استطلاع الأهلة وإعلان الصيام تسند إلى القضاة، إلى أن تم إنشاء دار الإفتاء المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، وأسندت إليها مهمة استطلاع هلال رمضان والاحتفال به، وتقوم الإفتاء بهذه المهمة كل عام بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، ويتم ذلك من خلال لجانها الشرعية والعلمية المنتشرة بجميع أنحاء مصر.

بين الرؤية والفلك

اعتبر الفقهاء الرؤية أمرا أساسيا في ثبوت الشهر ووجوب العبادة، لكونها أيسر الطرق لليقين، ولأن الأحكام الشرعية، والتعبدية منها على وجه الخصوص، ينبغي أن تكون مما يدركه جميع المكلفين، وليس مما هو مقصور على بعضهم، ولذلك كانت العبادات كلها تثبت بأشكال وظواهر بسيطة، لا تحتاج إلى مستوى علمي معين، فوقت الصلاة يدرك بحركة الشمس، والصوم بحركة القمر، ومقادير الكفارات بمقاييس شعبية، المُدّ والرطك والكيلو، والأذرع، والأثمان.

ثم مع تطور علم الفلك، رأى أهل الاختصاص من علماء الفلك، أنه يمكن اعتماد الفلك –الحساب- لإثبات الشهور القمرية، باعتبار أن الفلك اليوم تطور، بحيث يمكن أن يصل إلى اليقين في إثبات الشهور القمرية لعشرات السنين، واعتبروا أن الرؤية هي إما رؤية حسية، وهي التي تكون بالعين المجردة، أو رؤية حكمية وهي التي تثبت بعلم الفلك وإن لم ير الهلال بالعين المجردة..، فأخذ البعض بهذا الرأي، بينما تعلق البعض الآخر بظاهر النص، واعتبروا أن الرؤية المقصودة في النص، هي ما كان بالعين المجردة..، وهنا وقع الشرخ.

شروط الرؤية

وعلى الرغم من توفر كل القرائن التي يترتب عليها رؤية الهلال يختلف المسلمون كل سنة في تحديد بداية ونهاية شهري رمضان وشوال، وقد يصل الاختلاف إلى أربعة أيام أحيانًا، فتعلن دول بداية الشهر الهجري بناء على الحسابات الفلكية، وتعلن أخرى بداية الشهر في يوم ثانٍ بناء على رؤية الهلال، وفي نفس الوقت تعلن دول أخرى بداية الشهر الهجري في يوم ثالث بناء على رؤية الهلال أيضاً، فما سبب كل هذا الاختلاف؟ وما حقيقته؟

قال المتخصصون إنه لا بد من توفر شرطين أساسيين تستحيل رؤية الهلال بغياب أحدهما ، أن يكون القمر قد وصل مرحلة المحاق (الاقتران) قبل غروب الشمس؛ لأننا نبحث عن الهلال، و هو -أي الهلال- مرحلة تلي المحاق، فإن لم يكن القمر قد وصل مرحلة المحاق فلا جدوى إذن من البحث عن الهلال.

ثانياً: أن يغرب القمر بعد غروب الشمس؛ لأن تحري الهلال يبدأ فور بداية اليوم الهجري الجديد عند غروب الشمس، فإذا كان القمر سيغيب أصلاً قبل غروب الشمس أو معها؛ فهذا يعني أنه لا يوجد هلال في السماء نبحث عنه بعد الغروب.

اختلاف الدول الإسلامية

تختلف الدول الإسلامية في تحديد بدايات الأشهر الهجرية للأسباب التالية:

1 – تدعو بعض الدول الإسلامية المواطنين لتحري الهلال؛ فإذا جاء من يشهد برؤية الهلال قبلت شهادته حتى لو دلت الحسابات الفلكية على أن رؤية الهلال مستحيلة أو غير ممكنة؛ وهو ما يحصل حاليّاً في العديد من الدول الإسلامية.

2 – في دول إسلامية أخرى ترد شهادة الشاهد إذا كانت رؤية الهلال مستحيلة ولكنها تقبلها حتى لو كانت غير ممكنة، ومثال ذلك المملكة العربية السعودية (ابتداء من عام 1419 هـ).

3 – وهناك دول إسلامية لا تعتمد رؤية الهلال أصلاً؛ بل تعتمد شروطاً فلكية معينة، ومثال ذلك ليبيا التي تعلن رسمياً أنها لا تعتمد رؤية الهلال؛ بل يبدأ الشهر الهجري في ليبيا إذا حدث الاقتران قبل الفجر.

4 – معظم الدول الإسلامية لا تتحرى الهلال على مستوى رسمي؛ بل تكتفي بدعوة المواطنين للتحري! فالدولة العربية الوحيدة التي تتحرى الهلال كل شهر (وليس فقط رمضان وشوال) بشكل رسمي وتعلن نتائج التحري رسمياً وبشكل فوري عبر وسائل الإعلام هي المملكة المغربية؛ فهي تتحرى الهلال من حوالي 270 موقعاً موزّعاً على مختلف أنحاء المملكة المغربية، وتشارك القوات المسلحة بعملية التحري أيضاً، وحسب اعتقادنا فإن المملكة المغربية هي أفضل دولة عربية في تحديد بدايات الأشهر الهجرية، وكذلك فإن نظام التحري في سلطنة عمان مشابه لذلك، ولكن يبقى النظام المغربي هو الأفضل.

وفي المقابل فإن معظم الدول الإسلامية تدعو المواطنين لتحري الهلال، وتقبل شهادة أي مواطن برؤية الهلال، مع العلم أن هذا الشاهد قد لا يكون على علم بوقت ومكان الهلال ولا حتى بشكله، فإذا ما شاهد أي جرم في السماء اعتقده الهلال. فعلى سبيل المثال صام ملايين المسلمين في السعودية عام 1984م 28 يوما فقط؛ لأن أحد الشهود رأى كوكبي عطارد والزهرة فاعتقدهما الهلال!

إن تحري الهلال بشكل جماعي قد يكون ضرورة لا مفر منها؛ فهو الطريقة الأمثل لتأكد الشاهد بأن ما يراه هو الهلال وليس شيئا آخر.

5- تأخذ بعض الدول الإسلامية بمبدأ اتحاد المطالع؛ فإذا علمت أن إحدى الدول قد أعلنت ثبوت رؤية الهلال فإنها تتبعها فوراً حتى دون التأكد من صحة رؤية الهلال، ومثال ذلك الأردن.

توظيف رؤية الهلال سياسيا

وبسبب الخلافات والصراعات السياسية، التي كانت بين النظم العربية، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث كان العرب منقسمين إلى معسكرين اثنين، ليبرالي رأسمالي ويساري اشتراكي، انعكس هذا الخلاف والانقسام على كل جزئيات الحياة، ووظفت فيها جميع القضايا المؤثرة في هذا الصراع، ومنه الدين والقضايا الدينية التي هي لاصقة بالحياة اليومية للمواطن.. ومع التركيز على إقحام المسائل الدينية، في تصفية الحسابات بين الدول العربية، كانت مشكلة هلال رمضان هذه، بحيث بلغ الخلاف في سنة من سنوات منتصف الثمانينيات الفرق بين الصائمين ثلاثة أيام.. بلد أعلن عن الصيام في يوم، وبلد آخر بعده بيوم، وآخر بعده بيوم.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!