صلفٌ أمريكي يضرب مصداقية منظمة التجارة العالمية


على الرغم من تسويق نفسها بوصفها راعية النظام الرأسمالي الراهن والداعية إلى تحرير التجارة العالمية والديمقراطية واحترام القانون وإلخ من العبارات الرنانة، لا تفوت الولايات المتحدة فرصة للتدخل على نحو سافر في جميع المؤسسات الدولية فقط من أجل الحفاظ على مصالحها الخاصة. وبالأمس قامت الولايات المتحدة الأمريكية تحت إدارة اوباما “راعي الحريات” باستعمال حق الفيتو للاعتراض على إعادة تعيين القاضي الكوري الجنوبي «تشانغ هوا كون» في الهيئة القضائية الخاصة بمنظمة التجارة العالمية (WTO).
وهذا يعني ببساطة أن إدارة أوباما التي تطنطن ليل نهار منادية الدول الأخرى باحترام سيادة القانون الدولي والقضاء لا تجد حرجًا في ضرب هذالقانون الدولي في مقتل متى أصدر أحكامًا لا تتفق مع مصالح الولايات المتحدة. والأغرب من هذا السلوك العدائي للولايات المتحدة ورفضها التمديد للقاضي الكوري الجنوبي، وكأن منظمة التجارة العالمية مجرد ضيعة تمتلك التصرف فيها كما يحلو لها، التبرير الذي قدمته والذي عزا قرارها إلى أن الهيئة القضائية لمنظمة التجارة العالمية ليست مؤسسة أكاديمية، لذلك لا ينبغي عليها المشاركة في “المناقشات المجردة”. والواقع أننا لا نعرف شيئًا عما تقصده أمريكا من المناقشات المجردة وهل بات دخول قاضٍ من الهيئة القضائية لمنظمة التجارة العالمية في مناقشة مجردة يعد سببًا لإقالته أو عزله!

والحال أن التبرير الأمريكي لا ينطلي على ساذج. غير أن التبرير الذي ساقته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية يبدو أكثر منطقية، حيث قالت بأن السبب الحقيقي وراء القرار الأمريكي المثير للجدل يتمثل في استياء واشنطن من قرارات القاضي الكوري الجنوبي «تشانغ هوا كون» على الأقل في ثلاث قضايا تمس مصالح الولايات المتحدة التجارية والاقتصادية. وترى الصحيفة أن تدخل الولايات المتحدة في عمل الهيئة القضائية لمنظمة التجارة العالمية جاء في وقت حساس وهام، إذ من المفترض أن تنظر الهيئة القضائية  للمنظمة قريبًا في مسألة تصنيف الاقتصاد الصيني كاقتصاد حر أو ما يعرف باقتصاد السوق، أي اقتصاد يقوم على عدم تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية وترك السوق تضبط نفسها بنفسه. وفي حال صدور قرار إيجابي بشأن الصين فسوف يعزز ذلك من موقف بكين فيما يتعلق بقضايا إغراق السوق، والتي تُرفع بشكل منتظم من قبل الولايات المتخدة ضد الكيانات التجارية الصينية.

ومن جانبها تعتقد الصين أن هذا التصنيف لاقتصادها كان يجب أن يُمنح بشكل تلقائي، بينما ترى الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض أنصارها في أوروبا، أن وثيقة قبول الصين في عضوية منظمة التجارة العالمية غير واضحة بهذا الشأن، لذلك ينبغي على هيئة التحكيم النظر في هذه المسألة. ووفقا للخبراء فإن قرار منظمة التجارة العالمية بشأن القضية الصينية ستكون له تداعيات على التجارة العالمية ككل.

وقد أغضب الفيتو الأمريكي الاتحاد الأوروبي، وأعضاء آخرين في منظمة التجارة العالمية مثل البرازيل واليابان، والذي يعتقد أن القرار الأمريكي من شأنه أن يهدد استقلالية التحكيم في منظمة التجارة العالمية الذي يعد أحد أبرز دعائم المنظمة وأركانها. وقال ممثل الاتحاد الأوروبي خلال إحدى اجتماعات منظمة التجارة العالمية التي تضم 160 دولة عضو و24 دولة مراقبة: إن هذا القرار الأمريكي يعد خطوة غير مسبوقة وخطيرة، وتشكل تهديدًا خطيرا لاستقلال القضاء وحيادية القضاة في الوقت الراهن وفي المستقبل.
والواقع أن موقف الولايات المتحدة الأمريكية وصلفها المعتاد، من استعمال حق الفيتو من أجل رفض استمرار بقاء القاضي الكوري الجنوبي «تشانغ هوا كون» في الهيئة القضائية التابعة لمنظمة التجارة العالمية، من شأنه أن تكون له تداعيات كبرى وخطيرة على مصداقية المنظمة. وهو الأمر الذي يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحت إدارة أوباما أو غيرها من الإدارات المتعاقبة، لا تريد العدالة من أجل العدالة وإنما تريد العدالة من أجل نتائجها، وأنها لا تألوا جهدًا في تقويض استقلالية القضاء الدولي وحيادية هيئة التحكيم التابعة لمنظمة التجارة العالمية إذا تعرضت مصالحها الاقتصادية الضيقة للتهديد أو الخسارة. ولا شك أن هذا القرار سوف يؤثر بالسلب على نظام تسوية النزاعات التجارية في جميع أنحاء العالم. كما سوف يضرب أيضًا مصداقية القرارات والأحكام التي تصدرها الهيئات القضائية التابعة للمنظمات الدولية. ولكن هل تهتم الولايات المتحدة الأمريكية بمصداقية المنظمات الدولية حقًا؟!

أيمن فؤاد

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!