جوزيف برودسكي


الشاعر والشعر 

 في خريف عام 1963 في لينينغراد وفي ما يسمى سابقا بالاتحاد السوفيتي سرق الشاعر الشاب ديمتري بوبشيف صديقة الشاعر الشاب جوزيف برودسكي . لم يكن ذلك الامر لطيفا فقد كان بوبشيف وبرودسكي صديقان حميمان ويظهران غالبا في الترتيب الهجائي في القراءات العامة حول مدينة لينينغراد .
كان بوبشيف في السابعة والعشرين من العمر وقد انفصل منذ وقت قصير عن زوجته بينما يبلغ برودسكي الثانية والعشرين من العمر ويعمل بشكل متقطع. وسوية مع شاعرين واعدين تم تلقيبهم ب ” الجوقة السحرية ” من قبل صديقتهم ومستشارتهم الشاعرة الكبيرة آنا اخماتوفا حيث يعتقد بانهم يمثلون جيل تجديد الشعر الروسي بعد سنوات الظلام التي امتدت خلال فترة حكم ستالين . وحينما كان يتم سؤال اخماتوفا عن اكثر هؤلاء الشعراء احتراما بالنسبة لها كانت تجيب بانهما اثنان بوبشيف وبرودسكي .
احس الشباب السوفيت بسنوات الستينات اكثر من معاصريهم من الشباب الامريكيين والفرنسيين فلفترة ما كانت الكآبة والاحتلال امرا سيئا لكن الستالينية كانت اسؤ وبعد موت ستالين بدا الاتحاد السوفيتي بالتحرك نحو العالم مرة أخرى فقد تم رفع المنع عن موسيقى الجاز ونشرت اعمال هيمنغواي واستضاف معرض بوشكين في موسكو عروضا لأعمال بيكاسو ومنحت موسكو عام 1959 مكانا لمعرض للسلع الاستهلاكية الامريكية وكان والدي كما يقول الشاعر جزأ من ذلك الجيل الذي تذوق البيبسي لاول مرة في حياته .
لقد تم تحرير الغريزة الجنسية لكن الى اين يفترض ان تمضي ؟ فقد كانت الناس تعيش مع عوائلهم وعوائلهم تعيش  ايضا مع عوائلهم فيما كان يعرف فيما مضى بالشقق العامة او كما كتب برودسكي من منفاه في الولايات المتحدة ” لم يكن لدينا غرف خاصة بنا لكي نغري بها  فتياتنا ولم تك لدى فتياتنا غرف ” فقد كانت لديه نصف غرفة  مفصولة عن غرفة والديه برفوف الكتب وبعض الستائر لقد كانت علاقات الحب بالنسبة لنا هي الكلام والسير والتي تبلغ محصلتها ارقاما فلكية لو عدت بالاميال ” لقد كانت المرأة التي تكلم وسار معها لعامين ، المرأة التي كسرت ” الجوقة السحرية ” هي ماريا باسمانوفا وهي رسامة شابة يصفها المعاصرون بالفتنة الصامتة  والجميلة .
وقد كرس برودسكي البعض من اقوى اشعاره باللغة الروسية لها قائلا :-

” لقد كنت انا الوحيد فقط
من مسته يدك
و فوق الغراب الاسود
الليل انحنى رأسك
لقد كنت اعمى تماما
وانت تظهرين وتختفين
وعلمتني كيف أرى “

لقد ادان الناس جميعا بوبتشيف ليس بسب قضية لم يكن لها داع لكن بسبب انه في الوقت الذي بدأ فيه بوبتشيف يطارد ماريا كان برودسكي يطارد من قبل السلطات ففي تشرين الثاني عام 1963 ظهر مقال  في صحيفة محلية يهين فيها برودسكي ويعيب بنطاله وشعره الاحمر وادعاءاته الادبية وقصائده على الرغم من ان سبع من الاقتباسات الادبية التي اختيرت كامثلة على شعر برودسكي كان ثلاث منها من اختيار بوبتشيف وقد لاحظ الجميع ان هذا النوع من المقالات هي مقدمة للاعتقال مما جعل اصدقائه يصرون على ذهابه الى موسكو في انتظار ما ستسفر عنه النتائج مؤكدين  على ان يقوم بعمل فحص في مستشفى الامراض العقلية لعمل تقرير طبي يساعده في حالة تعرضه للاعتقال   وقد امضى برودسكي السنة الجديدة في المستشفى ثم توسل لكي يخرج وبعد خروجه علم ان بوبتشيف وماريا قد امضيا السنة الجديدة في قصر احد الاصدقاء في الريف .
استدان برودسكي عشرة روبلات مستقلا القطار الى لينيغراد ليواجه بوبتشيف وماريا وقبل ان يتمادى اكثر و تم زجه في السجن حيث اطلقت محاكمته اللاحقة حركة حقوق الانسان في الاتحاد السوفيتي وحولت برودسكي الى شخصية عالمية شهيرة وادت الى نفيه خارج الاتحاد السوفيتي .
لقد مرت سنوات عديدة على نفيه لكنه ظل يتذكر حبه ل (باسمانوفا ) وقد ذكر ذلك في احدى قصائده قائلا :

لقد مرت سنوات عديدة منذ ذلك الحين
وغرق الشاطيء ياصديقي في ضحالته
لكن المرارة مازالت كامنة
وانا انطلق في التيه …
سنوات طويلة  من الحياة مرت
منذ ان كنا معا ذات مرة
لقد بدا الثلج يسقط بلا نهاية
خوفا من تهشم جفنيها
لقد كانت يدي درعا لهما
مع انهما يتظاهران بعدم  الايمان
بان ما  يتبقى في العيون
سيهزم امام كفي كالفراشات .

انقسمت حياة برودسكي إلى شطرين: الأول اتسم بالبؤس والفقر ، بالنظر إلىا انتمائه لعائلة من عامة الشعب ، إلا أن هذه الفترة هي التي شكلت الإطار العام لشخصية برودسكي الأدبية ، وصقلها بهذه الروح المتحررة ، والناقدة لكل القيود الاجتماعية المصطنعة والمصبوغة بالاشتراكية السوفياتية. نشأ برودسكي طفلاً لعائلة فقيرة ، فسنوات الحصار الذي ضربه جيش ألمانيا النازية على مدينته ليننغراد ، خلال الحرب العالمية الثانية ، والذي تجاوز 900 يوم ، طبع حياة الشاعر بخوف عميق ، متأثراً بقسوة الحصار ، وتبعاته التي كان منها قطع أشكال الاتصال ، كافة ، وعناصر الحياة ، عن المدينة على طول فترة الحصار. كان الحصار مريراً ، ومر ببطء شديد إلى درجة أن بعض السكان كان يقتات بعض الجثث ، ناهيك من الحيوانات الأليفة من كلاب وقطط ، دافعاً بالكثيرين إلى الهلاك على مرآى من ذويهم الذين ، بدَورهم ، لم يستطيعوا مساعدتهم. هذه الصورة البائسة والمؤلمة ساهمت في تشكيل شخصية برودسكي الأدبيه.

لم يبدع برودسكي في المدرسة ، وبصعوبة أنهى المرحلة المدرسية ، منهياً ـ بذلك ـ آماله بالالتحاق بكلية الملاحة البحرية ، حيث لم يتمكن من النجاح في امتحانات القبول في هذه الكلية. دفعته هذه الظروف إلى عدم الاستقرار الوظيفي ، حيث بدّل الكثير من الأعمال المختلفة. فقد عمل ـ في فترة معينة ـ في تشريح الجثث في أحد السجون المشهورة في الاتحاد السوفيياتي ، ولكنة بقي ـ في أغلب الأوقات ـ من دون عمل.

كان من الممكن أن تستمر حياة برودسكي على هذه الوتيرة لولا اكتشاف أجهزة المخابرات الروسية تفاصيل حادثة سابقة في حياته. وتتلخص هذه الحادثة في قيام برودسكي وبالتعاون مع صديق له ، طيارْ يدعى أوليغ شاخماتوف ، بالتخطيط لاختطاف طائرة ، والهروب بها من الاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة. ولكن ، في ما بعد ، ولسوء حظ برودسكي ، وفي ظروف غامضة ، أعترف هذا الصديق بالتفاصيل الكاملة ، لهذه الحادثة ، للأجهزة الأمنية ، ومن بين ذلك: تورط برودسكي بالتخطيط لهذه العملية. وعلى إثر ذلك ، أصبح برودسكي ذا صيت سيىء لدى السلطات والأجهزة الأمنية ، وأصبح في دائرة الضوء لدى الأجهزة نفسها. بعد ذلك ، وبسبب أو من دون سبب ، كثرت مشاكل برودسكي مع الأجهزة الأمنية ، ومنها ـ على سبيل المثال ، لا الحصر ـ وجهت له تهمة التهرب من العمل ، وهكذا أصبح السجل السيىء لبرودسكي يتفاقم ، يوماً بعد يوم. وبما أن قوانين الاتحاد السوفييتي كانت توجب العمل على جميع الذكور ، في البلاد ، في فترة عمرية معينة ، ووفقاً لهذه القوانين ، كانت السلطات تقوم ـ بين الفينة والأخرى ـ بالقاء القبض على المتهربين من العمل ، ونفيهم من المدن الكبرى ، وإجبارهم على العمل في قطاع الزراعة. واستناداً إلى ذلك ، تمت محاكمة برودسكي ، ونفيه من لينينغراد (العاصمة الثقافية والفنية للدولة) إلى مقاطعة أرخانغلسك النائية. إلا أن إجراءات هذه المحاكمة أثارت اهتمام الناس ، خاصة المعجبين بشعره وموهبته. كانت هذه المحاكمة مواجهة بين الفرد والنظام ، ومحاولة للمس بكل قيم المجتمع السوفييتي. بازاء ذلك انقسم الناس إلى معجبين بشعر برودسكي ، مقدرين ما يحمله من بطولة التحدي ، بينما وجد فية البعض الآخر مجرد تمرد غير مبرر على النظام. ولذلك حكم على شعره وإنجازة الأدبي بالمنع من النشر والتداول ، وبقي كذلك حتى فترة قربية. ولكن كان يمكن الحصول على النذر اليسير من أعماله ، على شكل نسخ مطبوعة في المنزل ، وفي ظروف صعبة.

خلال فترة وجوده في المنفى ، وتنفيذه الاحكامَ الصارمة ، الصادرة بحقة ، كانت المؤسسات الغربيه المعنية بحقوق الإنسان ، وحريه الرأي ، تمارس ضغوطاً على النظام السياسي السوفييتي السابق. هذه الضغوط أسفرت ـ في نهاية الأمر ـ عن السماح له بالهجرة إلى الغرب. ونتيجة لهذه الهجرة تغير كل شيء ، في حياته ، حيث أصبح نشر مقالاته وأشعاره يتكرر بشكل مستمر ، ومنح جائزة نوبل ، وأغرًق بالدعوات لإلقاء المحاضرات في أرقى الجامعات المعروفة ، عالمياً ، ناهيك من صحبة أشهر شخصيات البلاد.

العالم الجديد ، الذي فتح أبوابه لبرودسكي ، كان ، بالنسبة له ، في السابق ، عالماً خيالياً لامعاً وجميلاً ، ولكن موهبته كانت قد تشكلت في أجواء من الفقر والصراع ، حيث كانت بداياته الشعريه في ظل المواجهة المستمرة مع النظام ، وفي الرغبة المستمرة في الوصول إلى الحرية. وكذلك القوالب والحدود القاسية ، للاتحاد السوفييتي ، هي التي صنعت من برودسكي شاعراً عظيماً.

في خطابه الرسمي ، لتسلمه جائزة نوبل ، أستذكر برودسكي شبابه ، وكيف كان ينظر إلى بحر البلطيق ، حيث كان يدهشه ، ويملؤه أملاً ، الشعور الذي كان يعبر عنه بقوله: “إني أتنفس الهواء نفسه مع سكان الشاطئ الآخر ، وأتناول السمك نفسه معهم ، وأتعرض ، وإياهم ، إلى المطر ذاته ، الملوث بالإشعاعات الضارة ، كما أنني ـ بالتأكيد ـ كنت أرى تلك السحب التي مرت ، سابقاً ، فوق أراضي بلادكم. وإنني كنت أستطيع أن أسبح في البحر عينه ، الذي كنتم سبحتم فيه ، أنتم ، من قبل”.

أهم فكرة تناولها شعر برودسكي هي إيمانه المطلق بالتأثير القوي للأدب في الجماهير العامة ، وقد رأى أن الأدب الغربي مسؤول ـ إلى حد ما ـ عن كوارث إنسانية ، من مثل: الحرب العالمية الثانية ، والفاشية ، والشيوعية: حيث اقترح الشاعر فكرة لمنع تكرار كوارث مشابهة ، مستقبلاً ، من خلال توزيع نصوص من الشعر الإنجليزي على الجماهير ، في إطار برنامج حكومي منظم.

وقال ، في إحدى المقابلات ، في الولايات المتحدة الأميركية ، مجيباً عن سؤال حول كيفية قدومه إلى الولايات المتحدة: “كنت راكباً طائرة في اتجاه واحد ، فقط ، إلى الولايات المتحدة ، من دون تذكرة العودة ، وقام باستقبالي صديق لي: بروفيسور اللغة السلافية ، كارل بروفر”.


Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!