محمود درويش… ألف ياسمينة لروحك الهادئة


فادي نصار

آب (أغسطس) اللهاب كما تسميه أمي، كانت نهايته حارقة للقلوب (سنة 2008)، فعاشق الياسمين، الفلسطيني اليساري، وفي مفارقة صعبة مات في عاصمة الحرب والدمار، نعم حيث لم يتخيل أو يتوقع هو ذاته ذلك.

محمود، الرفيق الذي ما ترك الخندق وإن لم يمر الليل، ملح الليمون الوطني والريح العاصفة التي كنست كل الغصون المستعارة، فارسٌ عربيٌ برائحة الحنظل والنبيذ الفرنسي، الفارس الذي ما كبت فرسه.

إن حبيبتك القدس يا محمود ما تزال جريحة، وشهداء بيروت (فراشة الرخام) ما لبثوا عائدين يغنّون ويبسملون باسم زيتون عكا، وبيارات حيفا جرح الوطن، محمود هذه الفجيعة العربية التي كلمتَنا عنها مراراً في سيرة العربي أحمد، ابن الأسوار والحصار، أصبحت أكبر من قلوبنا.

إن صديقك الهندي الأحمر يا محمود لا يزال راضخاً تحت أسواط العم سام الأخرق، نخيل العراق ينتظر قصيدة ليرتوي منها رمل العراق الحزين، وفي دمشق لا يزال الغريب نائماً على ظله!

زيتون جبل الكرمل وياسمين الشام، الفقراء كلهم شكلوا طابور القرن الحادي والعشرين لتكتب عنهم. أيها الرائع الذي رفض أن يمرّوا بين كلماتنا، أيها النبيل بفكرك الماركسي الوقاد، أيها الانسان المترفّع عن فضائل هذه الدنيا. أيها “النبي” الذي كتب ريتا والقديس الذي يغني لنا تصبحون على أوطان وأمم كي ننام، إن جواز سفرك موجود على الحدود الفلسطينية – الفلسطينية بين دول عباس وحماس، ولا تزال عباءتك العربية في ميدان الحرب بين العرب وفلسطين، القدس لم تعد الجرح النازف لأشرف الألوان، فقد أصبح لدينا قبيلة جراح في دمشق وبيروت، غارقة ما تزال في وحول الطائفية… وتركتنا.

سنشتاق لك، نحن طلاب جامعة دمشق، عمال القاهرة، نساء تونس والمغرب العربي، المثقفون اللبنانيون، وكل العشاق في العالم. سيشتاق لك فنانو شارع الحمراء وعمال التبغ، وستشاق لك كل ريتا. تركتَنا ونحن اليوم بحاجة الى بعض الجنون كما يقول صديقك الثائر حنا مينة.

لا، لن نترك الخندق حتى يمر الليل، هذا وعدنا لك، لن ننساك وأنت صاحب أجمل صورة شعرية في العالم كتبتها للمرحوم ابي (انت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة).

لن نترك هذا القذى أن يدخل مقلة الإبداع ويلوثها، ستبقى في ذاكرتنا، أيها النبيل سيذكرك الفرنسيون والأميركيون والهنود الحمر وشعوب أميركا الجنوبية الذين قرأوك، بلغاتهم وأحبوك بلغتك الشرقية الدافئة.

إذهب الى حيث حضن أمك الدافئ، ألم تحنَّ اليها وأبكيتنا مراراً على خبز تنورها وقهوتها!

إذهب الى الحرية المطلقة حيث لا حدود ولا سجون، حيث ثمة سماء زرقاء رائعة تبدع في وصف جمالها أنّى شئت. إذهب عميقاً في دمي، إذهب حيث الله الذي رسمت في عقلك، وداعاً محمود أيها النهر الخالد.

وداعا يا كرْمة الحب وعناقيدُه، يا أمواج بحر الجمال، يا من اعتنق حزن القدس، وذهب محمّلاً بفرح النصر الأخير لكل مقاومة ضد الظلم والحرمان والاضطهاد في العالم كله.

ألف ياسمينة لروحك الهادئة.

 

Author: Rayan M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!