المدن الذكية… حلم يتحقق


فادي نصار

تتميز “المدينة الذكية”، وتعرف أيضا باسم”مدينة الكفاءة”، باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل واسع في إنشاء البنى التحتية والنظم التي تقوم عليها الحياة في المدينة، ويجري في تلك المدن استخدام منتظم للطاقة المستدامة، بحيث تلبي كافة متطلبات الحياة اليومية والاحتياجات الاساسية لاستمرار عمل المؤسسات والشركات والسكان، من النواحي الاقتصادية، الاجتماعية والبيئية.

ويفرض مفهوم المدن الذكية نفسه على حكومات الدول المتطورة، كون الدينامييات الحالية للمدن تتطلب قدرا أكبر من الكفاءة في استخدام الموارد الإنتاجية من أجل تحسين نوعية الحياة للسكان، في مواجهة المخاطر الآتية من التغييرات المناخية. ويمكن اطلاق توصيف المدن الذكية على كل مدينة تتمكن من استثمار رأس المال في إقامة ما يسمى الوسط البيئي الحيوي السليم والنظيف، بحيث تخدم الانسان ولا تدمر الطبيعة، وتعمل على تحسين نوعية الحياة على الارض، وتقدم خدمات نوعية جديدة لهم، مثل استبدال كل وسائل النقل التي تعمل على البترول الملوث بأخرى تعمل على الطاقات البديلة المستدامة  كالكهرباء والطاقة الشمسية وطاقة الهواء، وتحسين ظروف الحياة العامة (نوعية المياه والغذاء) ، وغالباً ما تتضمن تلك الخطط اهدافا مستقبلية تساعد العلماء على الاستثمار التام والسليم للوقت.

في المدن الذكية تكون  البنى التحتية (كهرباء، مياه، وسائل النقل، المؤسسات، المصانع، خدمات الطوارئ، المرافق العامة، المباني الذكية، المكاتب ودور السكن) صديقة للبيئة، وهذا ما يدعى بخطط التنمية الاقتصادية والبيئية أو اقتصاد البيئة او الاقتصاد الاخضر، وفيها يتم استغلال موارد الطبيعة كلها بشكل حكيم، آمن وسليم مما يسمح باستمرارية الحياة على الأرض دون تهديد أياً من الانواع الحية بالانقراض.

تتميز العلاقات في المدن الذكية بالتفاعل الافقي بين كل المستخدمين، وغالياً ما تكون عميقة وواسعة، خصوصا في مجال المعلوماتية، حيث يتسع قطاع المستهلكين بشكل كبير ومخيف، ويعمل الجميع على التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وعليه  فالسلعة الاساسية تكون مجرد افكار يتسابقون من خلالها الى طرح المشاكل البيئية والصحية والاجتماعية وغيرها، وتقديم حلول ناجعة لتلك المشاكل (مثل مشكلة التخلص من النفايات عبر إعادة تدويرها، المشاكل الصحية، مشكلة تسريع وتفعيل خدمات الهاتف النقال، مشاكل استخدام الطاقة والنقل واعتماد وسائل اكثر استدامة للسفر والعمل والانتاج) .

 أربع أفكار رئيسية

يتمحور مفهوم “المدينة الذكية” على أفكار أساسية أربع، ألا وهي:

-القضايا البيئية ومشاكل الطاقة.

-اتاحة كم هائل من وسائل الاتصالات بين جهات المجتمع الفاعلة من مواطنين وشركات ومؤسسات.

-جعل الملكيات والخدمات ووسائل الانتاج في متناول الجميع (مجتمع تشاركي)، وذلك بإشراك المستهلكين بشكل فعال في تحديد نوع المنتج وطريقة صناعته والمواد الداخلة في الصناعة، وطرق استخدامها في وسط المدينة الذكية، وقد يصل الامر الى التخلي عن الملكية الخاصة للافراد في بعض الحالات.

-إدخال التكنولوجيات الجديدة (برمجيات المعلومات والاتصالات، والروبوتات، وأنظمة النقل الذكية)، وذلك بهدف جعل المدينة كلها مرتبطة بشكل تام بمركز يعمل عبر شبكة معلومات واحدة، تسمح بالتحكم في كل مشاكل الحياة وإيجاد حلول سريعة.

هل المدن الذكية عادلة؟

المدن الذكية بمفهومها النظري مدن عادلة، حيث تكون كل البنى التحتية الحديثة والمتفوقة عمليا في متناول عامة الشعب، ويساهم كل المواطنين في إدارة المدينة حيث تنتشر شبكات ذات تحكم مركزي، يمكن من خلالها للمواطن مراقبة درجة التلوث والاشعاع، ودرجات الحرارة وكثافة الضباب ونسبة الرطوبة، والازدحام السكاني والمروري حيث يعيش، واخبار الحكومة بذلك، كما تعمل السلطات في المدن الذكية على تحسين وسائل الري وترشيد استهلاكه في الحدائق والساحات، وارشاد استهلاك الطاقة في إنارة بعض المناطق من المدينة، ووضع انظمة مراقبة مرورية ذات تكنولوجيا متطورة، وتعمل على انشاء ساحات كبيرة لمواقف السيارات للحد من الإزدحام وحوادث السير، التي تقتل الكثير من البشر سنوياً في المدن العادية وتوزيع نقاط طوارىء في كل 100 متر مربع (اسعاف، اطفاء وأمن عام). وتسعى لنشر المراكز الصحية وبرامج التوعية الصحية ومكافحة كل ما يسبب الاوبئة والامراض، وتراقب اماكن رمي النفايات وطرق التخلص منها، وعمليات رش المبيدات الحشرية والاستخدام المفرط للمواد الكيميائية في اغذية الاطفال، ومنع تسرب مياه الصرف الصحي الى آبار مياه الشرب وينابيعها، اضافة الى وضع خطط لمنع التلوث الضوضائي، وتركز السلطات في المدن الذكية على الصناعات الإبداعية والتقنية العالية التي تلعب دوراً هاماً في النمو الحضاري على المدى الطويل. ويأخذ كل فرد نصيبه من العائدات الاقتصادية بقدر ما يشارك في عملية الانتاج وتطوير وسائل الانتاج، ويقتصر دور الدولة فيها على حماية الابتكارات وادارتها وتأمين مستلزمات تطبيقها بشكل سليم.

الهند نموذجاً

الهند تطلق برنامجا لإنشاء المدن الذكية في مدينة روزاريو في الارجنتين بدأ مصنع سيارات مشروع صناعة سيارة تعمل على الطاقة الكهربائية في عام 2007، وذلك في خطوة استباقية للنقص المحتمل في الطاقة، والهدف الآخر هو الحد من التلوث الناتج عن اطلاق غاز ثاني أوكسيد الكربون المنبعث من استهلاك الوقود السائل في وسائل النقل. وتعتزم الحكومة الهندية تطوير 100 مدينة ذكية تعتمد على تكنولوجيا المعلومات، من أجل تقليل التكلفة واستغلال موارد أكثر فاعلية. وقد خصصت الحكومة نحو 940 مليون دولار من الميزانية العامة، وتهدف هذه المشاريع في المناطق الصحراوية الى تشييد المباني الخضراء والاقتصاد في الطاقة، او توفير المياه باساليب اهمها جمع مياه الأمطار، بينما في سورة، وهي مدينة ساحلية، فإن الأولوية هي لمكافحة مخاطر الفيضانات. رغم الانتقادات الكثيرة التي لاقتها الفكرة (يقول البعض ان استخدام التكنولوجية سيؤدي الى ظهور سوق للبطالة كبيرة جدا، كما يحذر المنتقدون من استنزاف الطاقات الطبيعية وعدم القدرة على مواكبة المشاكل عبر الآلة وغيرها ) فإن الحديث عن المدن الذكية يشبه المدينة الافلاطونية المثالية، الا اننا اصبحنا على مقربة من تحقيق هذا الحلم البشري.

بالتعاون مع موقع www.greenarea.me

 

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!