جنوب شرق آسيا.. الموطن البديل للخلافة


بعد العراق وسوريا وليبيا، يبدو أن تنظيم “داعش” الإرهابي يسعى لنقل قواعده وإنشاء ذراع آسيوية لبسط خلافته المزعومة في جنوب شرق أسيا، متمسكا بذلك بشعاره “الدولة باقية وتتمدد”.

فمنذ بداية تسعينات القرن الماضي، تحولت الجماعات الإسلامية المتشددة في منطقة جنوب شرق آسيا إلى جماعات مسلحة تطالب بالانفصال عن دول المنطقة وتكوين مقاطعات خاصة بها تسميها “خلافة إسلامية”. وقد أرقت هذه الجماعات سلطات تلك الدول خاصة إندونيسيا والفلبين. وما يزيد الأمر تعقيدا هو مبايعة الحركات الإسلامية المسلحة لتنظيم داعش تباعا، وفق ما ذكره موقع بوابة الحركات الإسلامية الذي رصد تلك الجماعات.

          حيث تتخذ العديد من الجماعات الإسلامية المتشددة منطقة جنوب شرق آسيا كملاذ لها لتتمكن من تدريب وتكوين عناصرها المتشددة وبالتالي التوسيع في قواعدها وعملياتها لأغراض متعددة. ويعد تركيز تلك الجماعات المسلحة لعناصرها في المناطق الممتدة بين إندونيسيا وماليزيا والفلبين مصدرا لخطر يتجاوز البعد الإرهابي في عملياتها، ليشمل تدمير الاقتصاد والسياحة والتماسك الاجتماعي الذي يعتبر هشا بطبيعته.

الفلبين

منذ أن أعلنت جماعة أبوسياف الإرهابية في الفلبين دعمها لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، في بيان يتضمن شبه بيعة للتنظيم، تعيش الفلبين على وقع هجمات وعمليات خطف متعددة هدفها الحصول على أقصى ما يمكن من المبالغ المالية كفدية. ولعل آخر ما قامت به الجماعة هو قتل الرهينة الكندي جون ريدسيل الذي وجدت جثته دون رأس في إحدى غابات جنوب الفلبين الإثنين الماضي، الأمر الذي سبب إحراجا كبيرا للسلطات الفلبينية التي أدانت العملية ونبهت إلى ضرورة القضاء بسرعة على هذه الجماعة المتشددة، خاصة وأن تحذير الخارجية البريطانيا لرعاياها من السفر إلى الفلبين، كان يحمل نبرة شديدة نوعا ما.

وأسس عبدالرزاق أبوبكر جنجلاني حركة أبوسياف التي تتبنى المنهج الجهادي، حيث انشقت سنة 1991 عن جبهة التحرير الوطنية “جبهة مورو” بهدف إنشاء دولة إسلامية غربي جزيرة مندناو جنوبي الفلبين، حيث تقطن هذه الجزيرة أغلبية من السكان المسلمين حسب قول الجماعة. ونشأت علاقة بين هذه الجماعة والمجاهدين العرب عبر الطلاب الدارسين والعمال من المنتمين إلى الجماعة في الشرق الأوسط خاصة في مصر التي تأثرت فيها عناصر أبوسياف بالفكر الإخواني المتشدد، ثم كونوا علاقات مع المجاهدين العرب أثناء التدريب والقتال في أفغانستان.

تضم الفلبين أيضا إحدى أخطر الجماعات الجهادية الناشطة في جنوب شرق آسيا، وهي حركة العدالة بانجسامورو (أنصار الخلافة كما يسمون أنفسهم). وقد بايعت بانجسامورو بدورها تنظيم داعش سنة 2014. وتقول المعلومات إن محمد علي تامباكو الجهادي الفلبيني المعروف هو الذي أسس الجماعة، بمساعدة عثمان باسط عثمان الذي كان أحد أهداف عملية أمنية في مقاطعة ماجويندنا بالجنوب في يناير 2014، أدت إلى مقتل 44 من قوات الشرطة الخاصة.

إندونيسيا

أما في إندونيسيا، فتؤكد التقارير الأمنية أن الأجهزة الخاصة تضع أمامها الآن جماعة أنصار التوحيد، وهي جماعة جهادية في إندونيسيا قامت بمبايعة كاملة لداعش في أغسطس 2014. أنصار التوحيد في الأساس هم جماعة صغيرة أسسها الإمام الإندونيسي المعتقل أبوبكر باعشير، وتدعو إلى قيام دولة إسلامية في جنوب شرق آسيا.

وقال باعشير البالغ من العمر 75 سنة في تصريح صحافي أثناء خروجه من قاعة المحاكمة بالعاصمة جاكرتا، إنه بايع مع معتقلين آخرين الخلافة “بعد إعلان قيامها بقليل”، وأنه قد دعا كل أنصاره أيضا إلى المبايعة التي تم إعلانها حسب قوله في قاعة الصلاة في سجن يخضع إلى تدابير أمنية مشددة في جزيرة سومطرة، يقضي فيه باعشير حكما بالسجن 15 سنة، بعد إدانته في 2011 بتقديم مساعدة مالية لتنظيم “القاعدة في اتشيه” الذي كان يدرب عناصره في أدغال الإقليم شمال جزيرة سومطرة.

وهناك مجموعة أخرى لها أدوار متعددة في ما يخص التهريب والابتزاز والقتل المأجور وأعمال إجرامية أخرى تقوم بها باسم الجهاد في سبيل الخلافة الإسلامية، هي شبكة مجاهدي شرق إندونيسيا التي أسسها أبووردة سانتوسو في جبال جزيرة سولويزي شرق إندونيسيا، وقامت أيضا بمبايعة داعش مؤخرا وتلقى عليها مسؤولية موجة جرائم قتل لرجال الشرطة في المنطقة.

وتعتبر هذه الجماعات جزءا من انتشار كامل لمجموعات أخرى أصغر تشبه الخلايا، تتحرك في كل الاتجاهات وفق حاجياتها من المال والسلاح والتدريب، الأمر الذي يشكل خطرا على استقرار منطقة جنوب شرق آسيا ككل.

الموطن البديل لـ’الخلافة’

وحسب تقرير صحيفة العرب: تفيد مؤشرات ظهور التنظيمات الإرهابية في جنوب شرق آسيا بارتباطها أولا بتنظيم القاعدة، وذلك من خلال الجماعة الإسلامية الجهادية التي كان يتزعمها أبوبكر بشير، ورغم القضاء عليه، إلا أنه لم يتم اجتثاث التنظيم بأكمله، ومن شأن محاولة استقطاب شبكات الجماعة الإسلامية من طرف تنظيم داعش أن تزيد من هذه الهجمات، والتأثير سلبا في الاستقرار الإقليمي، خاصة إذا أثبتت هذه الجماعات القدرة على الفعل الواقعي والسيطرة على الأرض.

وتتضافر كل العناصر في المنطقة لكي يتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، حيث يعرف مجال جنوب شرق آسيا ازديادا مطردا في عدد ضحايا العمليات الإرهابية، فالجغرافيا الطبيعية صعبة المسالك، وتسهل انتشار المخابئ والأوكار، وإقامة مناطق تدريب نائية ومنزوية عن الأنظار والمراقبة في غابات صعبة المسالك، وفي جبال وعرة في كل من الفلبين وإندونيسيا على وجه الخصوص، فضلا عن كون الجغرافية السكانية تساعد على إصابة عدد كبير من الضحايا بسبب حالة الكثافة السكانية والازدحام والتعمير الهائل، فيما تساعد الجغرافية الاجتماعية بسبب حالة التراجع والانكماش الاقتصادي على انتشار أحزمة الفقر والتهميش.

 شبكات عنقودية

ومع حالة الحراك الذي تشهده المنطقة، امتد أخطبوط تنظيم داعش إلى جنوب شرق آسيا من خلال جماعة أنصار التوحيد، وحركة مجاهدي تيمور بإندونيسيا أحد أبرز التنظيمات العنيفة الموالية له. إذ برز في هذا السياق بث أفلام مصورة تخص كتيبة الناطقين بلغة الملايو، والتي أطلق عليها اسم كتيبة نصرة الدولة الإسلامية المولوية، والتي لها مدرسة دينية في الرقة بغية نشر فكرة الخلافة الإسلامية.

 وما يزيد من تعقيد الوضع، أن الإرهاب الآسيوي بدأ ينتقل من ظاهرة نخبوية هرمية لكي يتحول إلى ظاهرة اجتماعية تحاول أن تجد حاضنة شعبية لها في بؤر التوتر، تمكن الجماعات المتشددة من الوقوف في وجه محاولات اجتثاثها، بحيث برزت ظاهرتان في الحركات الجهادية الأسيوية؛ الأولى تعبر عن اندفاع للالتحاق بتنظيم داعش وتعزيز الحركة الأم في كل من سوريا والعراق، حيث تشير التقارير إلى أن هناك حوالي 1000 مقاتل من أصول إندونيسية اختاروا الذهاب إلى سوريا، حسب إعلان مركز الدراسات الدولية الاستراتيجية في واشنطن.

 أساليب الرد والمواجهة

تشكل ماليزيا وسنغافورة نموذجين في اتخاذ تدابير صارمة لمواجهة شبكات الجماعة الإسلامية بموجب قانون الأمن الداخلي الذي تم اعتماده منذ الستينات، والذي يسمح بالاعتقال الاحترازي دون الرجوع إلى القضاء، لكنه يجعل سقف التحدي عاليا أمام عدم الوقوع في الشطط في استعمال السلطة، وفسح المجال أمام الترويج لخطاب الضحية، كما أنه في سنغافورة تم الإعلان عن حالة استنفار داخلي وعلى مجمل الحدود. أما على المستوى الدولي، فسارعت ماليزيا بالتنسيق مع واشنطن للانخراط في الحرب الشاملة على الإرهاب وتأسيس مركز لمكافحة التطرف في الفضاء الرقمي، كما تصاعدت حدة اللهجة مع تركيا من حيث سهولة تنقل هؤلاء المقاتلين عبر أراضيها والالتحاق بداعش.

 وإجمالا، تحتم مجابهة الإرهاب الإسلامي عدم سقوط الحكومات في وحل المواجهة الإثنية والسياسية للأقليات المسلمة والتضييق عليها تحت طائلة محاربة الإرهاب، مما يخلط الأوراق ويضعف اللحمة الوطنية، بل يجب فتح باب الحوار واسعا مع التنظيمات السياسية التي تطالب بحق إرادتها الذاتية وتوسيع الحريات، كما حدث مؤخرا بين جبهة مورو الإسلامية التي دخلت في حوار سياسي مع الحكومة الفلبينية لوقف حالة العصيان والاقتتال في الجنوب، وهو ما يقتضي التمييز بين الحركات التي تجنح إلى السلم والحوار والحركات التي اتخذت من العنف ديدنها ووسيلتها الخاصة كما يحدث مع جماعة أبوسياف وجبهة مورو للتحرير الوطني.

ومن هذا المنطلق، ساهمت منظمة المؤتمر الإسلامي في التقريب بينهما في نوفمبر 2015، حيث تم الاتفاق على منح الاستقلال الذاتي لولاية بانجسمارو، مما أضعف قدرات جماعة أبوسياف ومقاتلي الحركة الإسلامية لتحرير بانجسمارو التي أعلنت ولاءها لداعش.

 

وفي بورما، تم توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار مع ثماني حركات إثنية مسلحة، خاصة مع جيش تحرير أراكان واتحاد كارين الوطني، فيما تستمر خمس حركات في القتال، وتشمل جيش استقلال كاشين الذي عاد إلى حمل السلاح بعد وقف لإطلاق النار دام 17 عاما. كما أن اختلاط الصراع السياسي بالصراع الإثني والديني، يفسح المجال واسعا للاقتتال بين المسلمين من إثنية المالوي وإثنية التاو من البوذيين على حدود بورما، وذلك في خضم الجدل العاصف حول الهويات غير المحسوم في تلك الدول

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!