معهد هدسن| لماذا تعتبر القوة البحرية مهمة في الاستراتيجية الأميركية الجديدة


تواجه الولايات المتحدة اليوم تحديًّا استراتيجيًّا غير مألوف، وهو إمكانية وجود ثلاث قوى مهيمنة مرتبطة تمتد عبر كتلة اليابسة الأوراسية. حيث توجد روسيا على أسوار أوكرانيا وجورجيا والشرق الأوسط. ولم تعد طموحات دولة البلطيق سرًّا. كما أن فشل حلف الناتو في مواجهة الأزمة الحقيقية يعني نهاية التحالف وهيمنة روسية مستحقة تمتد من آسيا الوسطى إلى المحيط الأطلنطي. فيما تسعى الصين بنشاط لتصبح قوة مهيمنة في آسيا. بينما يركز حكام إيران، مسلحين بصواريخ يزداد مداها باطراد، فضلا عن الموارد المالية المتنامية، واحتمال امتلاكهم الأسلحة النووية، ليتمكنوا من السيطرة على الفضاء الاستراتيجي بين نفوذ موسكو وبكين.

إن وجود قوة مهيمنة واحدة على كتلة اليابسة الأوراسية تهدد الأسواق الأمريكية، والقدرة على إبقاء الصراع بعيدًا، والاستقرار الإقليمي، والديمقراطية. كحد أدنى، فإن قوى الهيمنة الثلاثة ستقلب النظام الدولي الليبرالي الحالي. وإذا لم تتخذ الولايات المتحدة إجراءات فعالة لمنع هذا، فإن بقائها كقوة عالمية بارزة سينتهي. ومن ناحية أخرى يتيح القرب من المحيطات والبحار فرصة أمام الولايات المتحدة لسيطرة قوتها البحرية التي لا تزال مهيمنة كقوة رئيسية  في مواجهة – أو إذا لزم الأمر صد – القوى المهيمنة الثلاث المزمعة.

فمنذ عهد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، كان هدف السياسة الخارجية الأمريكية هو منع الهيمنة الإقليمية.

وبعد مرور عشرين عامًا ، قاد الرئيس روزفلت الولايات المتحدة في صراع عالمي آخر ضد ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية. كانت أوروبا وآسيا – وما زالا –  منطقتين حاسمتين لآمالنا في تحقيق مزيد من الازدهار والأمن وخلق عالم ديمقراطي بصورة متزايدة. لقد  دمرت الولايات المتحدة وحلفائها كلا القوتين الشموليتين المهيمنتين. وأخيرًا، احتوت الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي لمدة نصف قرن تقريبا، وقامت بالتصدي لتهديده نحو أوروبا ومواجهة تأثير التوسع السوفيتي في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.

وخرجت الولايات المتحدة من هذا القرن من الصراع العالمي الذي ما زال مستمرًا تقريبا، وهي القوة العالمية المطلقة. فلا توجد دولة يمكن أن تتحداها اقتصاديا أو سياسيا أو عسكريا. فقد دمرت الولايات المتحدة الجيش العراقي مرتين في غضون عشرة أعوام، كما وضعت حدًّا  للتطهير العرقي في البلقان.

إلا أن تهديدات جديدة أنهت هذه الفترة القصيرة من القيادة الأمريكية الخيرة للعالم. فقد ظهر ثلاثة منافسين على خلاف مع النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وتتمثل طموحاتهم المشتركة في تقويض القوة الأمريكية العالمية.

وتهدف عودة روسيا إلى استعادة مجدها التليد،  وتحاول الاستفادة من فكرة الإدارة الأمريكية الحالية بأن أمريكا صغيرة ستترجم إلى عالم أكثر أمنا.

ومن جهة أخرى، تقف أزمة اللاجئين الأوروبية وزعزعة الاستقرار المحتملة في الاتحاد الأوروبي، حجر عثرة أمام نظام التحالف الأمريكي في أوروبا –  والذي يمثل حجر الزاوية للسياسة الأمنية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فيما لا يبدي من تبقى من حلفاء أمريكا اية بوادر للإصرار. فيما تزيد ميزانيات الدفاع الأوروبية الهزيلة الأمور سوءًا.

وفي آسيا، تركز الصين الصاعدة على تنمية مواردها الاقتصادية وحشدها لتطوير قوتها العسكرية. كما أن الحملة الصينية لبناء جزر والتي تسعى من ورائها لتوسيع مطالبها الإقليمية في المياه الدولية تتعارض مباشرة مع النظام الدولي. كما صرح الأميرال هاري هاريس – قائد القوات الأمريكية في المحيط الهادئ –  أمام الكونجرس مؤخرًا بأن ” الصين قد تغير الوضع الراهن في  المنطقة  من جانب واحد” ذلك أن بكين تجمع بين حملة استرداد الأراضي مع عمليات وجود مرتفعة الوتيرة، قامت بتنفيذها بحرية جيش التحرير الشعبي وخفر السواحل في المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي. ويسرِّع الصينيون أيضًا إمكانياتهم لإبراز قوتهم البحرية والسيطرة على البحار ببناء وسائل ناقلات الجند، وسفن سطح ضخمة،  وحاملة طائرات ثانية.

ويحمل هذا الوضع وجه تشابه مع العالم الذي واجهته أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية، عندما اكتسحت ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية في البداية القوى الأوروبية التي رفضت إعادة التسلح بعد الحرب العالمية الأولى.

ولكن هذا التشابه  إلى زوال. فالآن لا تواجه أمريكا قوتين مهيمنتين طامحتين فقط، ولكنها تواجه ثلاث قوى. ويعد الشرق الأوسط الرابط الأساسي بين أوروبا وآسيا. وتمد الدول الغنية بالنفط كميات كبيرة من موارد الطاقة إلى العالم، وتسهِّل التبادل بين نصفي الكرة الأرضية. فموقعه بين البحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب في الجنوب، والبحر الأبيض المتوسط في الغرب، وبحر قزوين والبحر الأسود في الشمال، يبدو الشرق الأوسط أشبه بجزيرة أكثر منه يابسة متلاصقة.

وفي هذه الجزيرة تحاول ايران فرض هيمنتها. وتساعد روسيا إيران في نقل الأسلحة إلى الوكيل الإيراني بشار الأسد ودعمه. ومع رفع العقوبات المفروضة عليها، بدأت الجمهورية الإسلامية في استقبال تدفقات مالية ضخمة، وتوجه بنشاط بعضًا من أرباحها للحصول على تكنولوجيا عسكرية ذات استخدام مزدوج مثل المحركات النفاثة. فيما تجري القوات الخاصة الإيرانية – المعروفة باسم “فيلق القدس” –  عمليات شبه عسكرية في العراق وسوريا، بما يوسع نفوذ طهران على جيرانها.

وعلى الرغم من أن خصوم أمريكا تعاونوا مع بعضهم البعض في الماضي، إلا ان درجة التعاون الحالية بين الصين وروسيا وإيران مجهولة استراتيجيًّا. ويتم شحن النفط الإيراني إلى الموانئ الصينية فيعود موارد مالية تستخدمها الجمهورية الاسلامية في شراء أسلحة متطورة من روسيا. فيما تساعد روسيا إيران في خوض حروب بالوكالة، بينما تدعم إيران النفوذ الروسي المتزايد في شرق البحر المتوسط.

يعارض المنافسون الاستراتيجيون الثلاثة الولايات المتحدة بطرق مشابهة. لقد فهمت الصين وروسيا وإيران الدروس المستفادة من حرب الخليج الأولى. فمنذ نهاية الحرب الباردة، كان أسلوب أمريكا في الحرب يعتمد على بناء تحالفات، حيث تخلق جمعًا هائلاً من الرجال والموارد في دول الجوار، وتشن هجمات مشتركة تكتسح العدو تكنولوجيًّا وعمليًّا. ففي حرب الخليج الأولى دفع التحالف بقيادة الولايات المتحدة بما يقرب من مليون جندي، واكتسح الجيش العراقي القوي البالغ قوامه أكثر من 1.5 مليون جندي. ومع ذلك، فمن دون رغبة المملكة العربية السعودية المجاورة، ما تمكنت الولايات المتحدة من القيام بمثل هذه العملية. فيما كان الهجوم البحري أقل حجمًا، حيث كان الساحل الكويتي مزدحمًا وهو ما يعني خسائر كبيرة.

أفصحت حرب الخليج الأولى عن استراتيجية واضحة لمواجهة الولايات المتحدة ومنع القوات الأمريكية من الوصول إلى المنطقة، وإفقاد الولايات المتحدة سيطرتها. فقد ركزت الجهود الصينية والروسية والإيرانية جميعها على منع وصول أمريكا إلى مناطقها. ومع تصعيدها للتوتر في دول البلطيق، تمنع روسيا خيارات نشر صواريخ دفاع وهجوم جوي بعيدة المدى على حدود الحلف. وهذا يتفق مع البيان الذي أصدره القائد العام القيادة الأمريكية في أوروبا فيليب بريدلاف في فبراير الماضي إلى الكونجرس والذي ذكر فيه أن “الرئيس بوتين سعى إلى تقويض نظام الأمن الأوروبي القائم على القواعد ومحاولة تعظيم قوته على الساحة العالمية.”  فيما تهدف حملة استرداد الأراضي الصينية، وزيادة القوة البحرية، و الصواريخ المضادة للسفن، إلى إبقاء القوات الأمريكية بعيدة بمسافة لا يمكنها فيها تطبيق قوتها القتالية الفعالة بسهولة. فيما تسعى إيران من خلال نشرها زوارق إطلاق الصواريخ قليلة التكلفة، والغواصات الصغيرة، وأعدادًا كبيرة من الصواريخ البالستية وصواريخ كروز فضلا عن الألغام، وتعظيم نفوذها في مضيق هرمز،  إلى أن توازن التصعيد الأمريكي. فيما يقلل عدم الاستقرار في العراق، والعلاقات الأمريكية الباكستانية المتداعية، من فرص شن أي هجوم أمريكي.

ومن جهة أخرى، أدى خفض الميزانيات العسكرية الأمريكية وتقليص قواتها، إضافة إلى سوء معاملة حلفائها الرئيسين إلى تفاقم الأمور، وهو ما يشكك في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها. ومن الأمثلة على المعاملة المزرية التي تقوم بها الإدارة الأمريكية الحالية مع حلفائها :  إلغاء اتفاقيات الدفاع الصاروخي مع بولندا وجمهورية التشيك. انقطاع طويل لمبيعات الأسلحة الدفاعية إلى تايوان. الفشل في أبقاء السعوديين على إطلاع باتفاق العام الماضي مع إيران. ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة أقل قدرة على الاعتماد على حقوق كافية حين تكون هناك حاجة إليها سواء للردع أو – إذا لزم الأمر – للقتال.

تمتلك القوة البحرية بمميزات الجغرافيا وحرية التنقل وزيادة الأعداد – خاصة مع وجود الاستثمار الكافي –  وتنامي القدرات التكنولوجية. ولذلك فستكون قوة ضرورية في أي صراع مستقبلي لأنها اعتمادها على القواعد القريبة أقل. ومن الممكن أن تجعل سفن الخدمات اللوجستية – إذا ما توافرت بعدد كاف – المجموعات القتالية والقوات البرمائية على استعداد ومتواجدة، بل وجاهزة للقتال بصورة مستقلة إلى حد كبير عن اتفاقيات الإسناد. أما التحالفات البحرية فمن المرجح أن تقدم مزيدًا من الأمن مستقبليًّا. ولكن ليس هناك بديل عن القوة البحرية الأمريكية المهيمنة اليوم. حيث يفتقر حلفاء – مثل اليابان – إلى القدرة الصناعية لتعويض العجز بين البحرية الامريكية و بحرية جيش التحرير الشعبي المتمددة. لا كما أنه من المستبعد أن يصمد الشركاء الجدد – مثل فيتنام – ضد هجوم صيني دون دعم أمريكي. فالقوة البحرية هي الوسيلة المؤكدة لضمان تواجد مستمر ذي قدرات قتالية فعالة في غرب المحيط الهادئ.

وينطبق نفس التحول في التفكير على الشرق الأوسط الكبير. حيث تسمح خلجانه وبحاره  بالوصول إلى اتفاق دبلوماسي مستقل. ربما لا تكفي القوة البحرية القوية لتغطية مصالحنا الأمنية في الشرق الأوسط، ولكن تزداد فائدتها بما يتناسب مع يستولي عليه تنظيم داعش من الأراضي التي يزعم أنها أرض الخلافة. وبما أن الخليج العربي وخليج عمان تقع جنوب غرب إيران وحدودها الجنوبية، فإن المسيرة طويلة من هناك أو من شرق المتوسط إلى طهران ولكن يمكن تنفيذها مع إعادة التزود بالوقود جوًّا في القواعد المتمركزة في دول الخليج، أو طائرات بدون طيار تنطلق من حاملة الطائرات التي سيمكنها – في المستقبل المنظور – إمداد طائرات ضرب السفن بالوقود.

أصبحت خطة الحرب الباردة بالاعتماد على القوات البرية في الدفاع عن أوروبا ملغية، وذلك بسبب الآمال القارية بأن السلام الدائم قد حل. حتى أن شركاء أمريكا الأشد تأييدًا – مثل المملكة المتحدة – خفضت القدرات والإمكانات العسكرية. ولكن أوروبا هي شبه جزيرة. فهي محاطة بالمياه، ويمكن الوصول إليها من سان بطرسبرج إلى شبه جزيرة القرم. ولن تستطيع القوة البحرية وقف أي غزو بري روسي لدول البلطيق، ولكنها يمكن أن تقصف خطوط إمداد اي هجوم بما يعطي القوات البرية لحلف الناتو الفرصة للتغلب على هذا الهجوم. كذلك فإن قدرة السفن البحرية في إظهار قوتها على الأرض يمكن أن يردع روسيا أيضًا.

لقد برزت الولايات المتحدة في عالم جديد. حيث يرغب السياسيون الأمريكيون في تجنب حرب نووية  مع الصين خاصة بعد أن أضافت الحرب الباردة تهديدات من دول مسلحة نوويا مثل روسيا وكوريا الشمالية و – عاجلا أم آجلا – إيران. وربما لا يكون الاحتمال الفوري للهيمنة الثلاثية تهديدًا وجوديًّا. ولكن نتيجتها ستشل أسواقنا وتدمر تحالفاتنا وتعرضنا للخطر داخل بلادنا. وكل هذا يمكن تجنبه من خلال تغيير الاستراتيجية الكبرى التي لا تزال تبقي التهديدات بعيدًا؛ لأنها تعتمد على استقلال القوة البحرية وسهولة تحركها وتفوقها التكنولوجي.

ترجمة- بسام عباس

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!