ظاهرة الغسل الأخضر… تلميع أسماء الشركات


فادي نصار

 

ظاهرة الغسل الأخضر greenwashing هي عملية يتم من خلالها تضليل المستهلكين حول الممارسات البيئية لشركة أو الفوائد البيئية لمنتج أو خدمة ما، كما أن ممارسة الغسل الأخضر تعتبر عملا من أعمال نقل المعلومات إلى الجمهور، وتتضمن تحريفا للوقائع من أجل أن تظهر الشركة صديقة للمجتمع والانسان، ومسؤولة بيئياً في أعين الجمهور المستهدف.

يتميز الغسل الأخضر، في كثير من الأحيان، بتغيير اسم العلامة التجارية أو المنتج، لإعطاء انطباع عن “الطبيعة”، كوضع صورة للغابات على زجاجة من المواد الكيميائية. وعموما، أصبح مصطلح الغسل الأخضر يستخدم الآن للإشارة إلى مجموعة واسعة من الشركات، بما في ذلك حالات معينة من التقارير البيئية، ورعاية الأحداث، وتوزيع المواد التعليمية، وغيرها.

في بلدان العالم الثالث تعتبر الكارثة أكبر بسبب فساد الحكومات وسيطرة العصابات ورجال الاعمال والتجار اصحاب النفوس الضعيفة.

ففي ماليزيا قامت احدى الشركات المنتجة للمبيدات الزراعية بنشر إعلان ملون على صفحة كاملة في الجرائد يجسد قمة الغش، إذ ادعت أن منتج “الباركوات والطبيعة يعملان بتناغم كامل”، ووصف الإعلان مُنتج الباركوات، على أنه منتج “صديق للبيئة”، ومن المعروف أن الباركوات هو مبيد أعشاب عالي السُمّية، إذ أنه تسبب في ماليزيا ذاتها بتسمم آلاف العمال.

نشرت مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” إعلانا لشركة “شل” المنتجة للنفط يتضمن سؤالاً يقول: “ما هو الشيء الذي نحتاجه حقاً في عالم اليوم العطشان للطاقة؟”، ويليه الجواب التالي: “حدائق أكثر”، ويشرح الإعلان بالتفصيل كيف أن شركة “شل” تهتم جداً بحدائق الورود في خليج المكسيك، والمتابع الجيد للشركة يعلم أن شعارها يُشبه الوردة، وقد تصل كلفة الإعلان في مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” إلى ملايين الدولارات، مما يعني أن  شركة “شل” تنفق  الأموال الطائلة لتلميع صورتها، مع العلم ان مساهمتها المادية المباشرة لحدائق الورود لا تتجاوز الخمسة آلاف دولار أميركي، أي انها تصرف أموالا على الإعلانات أكثر بكثير مما تُنفقه على تلك الحدائق.

السؤال هنا: هل يُعقل أن تُنفق شركات أموالا طائلة فقط لكي تُظهر نفسها كشركات مهتمة بالبيئة؟ يأتي الجواب مفاجئاً، فالخبراء في مجلة “الأعمال والبيئية”Business Journal and Environmental، يؤكدون أن الجواب هو نعم، والسبب أن هناك أرباحاً طائلة ستجنيها الشركات من أجل تلميع صورتها امام المجتمع.

ويضيف هؤلاء ان الشركات تطمع أن يكون لها حصة في ذلك سوق البضائع والخدمات البيئية الذي وصل عام 2003 إلى 440 مليار دولار أميركي، أو ما يوازي 4.3 بالمئة من الإقتصاد الأميركي وأن هذا السوق في تعاظم مستمر، وان الأبحاث تشير إلى أن 82 بالمئة من الشركات العملاقة الأميركية ستصل إلى تفاعل مع المواضيع البيئية مستقبلا، في حين أن الشركات الباقية ستلحق بها في المستقبل، ذلك لان هذه الشركات تجري العديد من الدراسات، وتعلم بمدى ازدياد وعي المستهلكين بمخاطر الشركات العملاقة على البيئة وعلى المجتمعات، بل وحتى خطر عدم القدرة على ضبط الإستثمارات، خصوصا في الدول المتطورة، سيجعلهم يبتعدون عن منتجات تلك الشركات.

 

هل للغسل الاخضر مخاطر؟

 

اضافة الى ان عمليات تبييض صورة الشركات عدوة البيئة التي تُعطي المستهلك صورة مغلوطة عن الشركة، وتعتبر بحد ذاتها تضليلاً للمستهلك، فإن هناك أسباباً اخرى أكثر خطورة ومنها:

تملك الشركات الملوثة، وسائل لإخفاء صورتها البشعة، وتستفيد من الأموال العامة التي تُقدمها بعض البرامج الحكومية كمساعدة من أجل تطوير الصناعات النظيفة، الامر الذي يؤدي الى حرمان الشركات النظيفة فعلاً من تلك المساعدات، كما أن الشركات الكبرى تملك قدرات تسويقية ودعائية أكبر بما لا يُقاس من الشركات الأصغر والأنظف بيئيا، كما أن الشركات العملاقة أكثر قدرة على تبييض صورتها الامر الذي تعجز عنه الشركات التي هي أقل ضررا بالبيئة، وقد اثبتت الدراسات ان الشركة التي تستطيع إقناع المستثمر بأنها شركة معنية بالمشاكل البيئية والإجتماعية تكون أكثر جذبا  للإستثمارات، ما يجعلها أكثر قدرة على تدمير الشركات الصغرى عبر حرمانها من الإستثمارات الخاصة.

 

فورد و”بريتش بتروليوم”

نشرت وكالة حماية البيئة الأميركية في تقرير لها للعام الخامس على التوالي، وللمرة العشرين في غضون الأعوام الثلاثين المنصرمة، أن شركة “فورد” تملك أسوأ سجل لأسطولها من السيارات من ناحية اقتصادها في الوقود بين كل مصنعي السيارت الأساسيين، وفي خلال الإثني عشر شهراً التي تلت إطلاق سيارت “فورد” العاملة على الغاز والكهرباء، فإن الشركة قررت تصنيع عشرين ألف سيارة تعتبر الأسوأ لجهة استهلاك الوقود، الا ان الشركة لم تقف مكتوفة الايدي بل بذل المدير التسويقي فيها عام 2004 كل جهد لانقاذ سمعة الشركة من خلال اطلاق حملة دعائية ضخمة للترويج لسياراتها الرياضية الجديدة التي تعمل على الغاز والكهرباء، وللترويج لمصنعها الجديد لإنتاج السيارات الذي يشكل “نموذجاً للتصنيع المستدام في القرن الواحد والعشرين”.

ونجحت إعلانات شركة “فورد” بالوصول إلى عدد من المجلات البيئية العالمية، وذلك لتوحي بصورتها البيئية الجديدة. الحملة التي قامت بها شركة “فورد” نجحت نجاحاً كبيرا، إذ استطاعت من خلال تلك الحملة أن تبيع أعداداً كبيرة من هذه السيارة البيئية، بحيث كان المشترون ينتظرون شهوراً طويلة من أجل الحصول عليها.

وفي إعلان آخر نجد أن شركة “ب. ب” أو  “بريتش بتروليوم” تحاول أن تجعل المشاهد يعتقد أن الغاز الطبيعي هو بديل نظيف عن النفط، ويقارب بنقاوته الطاقة الشمسية. هذا الكلام يكاد يكون صحيحا، إلا أن اعتبار الغاز الطبيعي مصدرا “نظيفا” من مصادر الطاقة مناف للحقيقة. غير ان الشركة مصرة أن تسوق نفسها كصديقة للبيئة، خصوصا بعد شرائها شركة للطاقة الشمسية، فإن الألواح الشمسية التي باعتها شركة الطاقة الشمسية العائدة لشركة “ب. ب” توفر نصف مليون طن من انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون، وهو يعتبر مسببا رئيسيا للتغير المناخي، وعليه فان  شركة “ب.ب” تهتم بمصادر الطاقة النظيفة كالشمس في حين أن تلويثها للبيئة لا يكاد يقاس بما تقدمه من طاقة نظيفة.

 

مواجهة مخاطر الغسل الأخضر

تعمل منظمة السلام الاخضر “غرين بيس” مع منظمات وجمعيات اخرى غير حكومية على امتداد الكوكب وتدعو دون كلل او ملل إلى مقاطعة كل شركة لديها سجلا أسود في مجال البيئة، مما يدفع تلك الشركات لان تهتم بتلميع صورتها، عن طريق استثمارات متنوعة بيئية واجتماعية، ولا تقتصر عملية تبييض صورة الشركات على مجرد الإعلانات فحسب، فقد تصل إلى إطلاق برامج بيئية وإجتماعية (أطلقت الشركات الأميركية وحدها أكثر من 200 برنامج بيئي تطوعي).

وتراقب هذه الجمعيات والمؤسسات الحملات التي تقوم بها الشركات الكبرى وتصدر تقارير دورية بهذا الخصوص، بل وفي تقليد يشبة تقليد حفل توزيع جوائز الأوسكار لأفضل الأفلام، أطلقت بعض الجمعيات حفل توزيع الجوائز لأنجح الشركات في عمليات “الغسل الأخضر”، وفازت بالجائزة الأولى شركة “بريتش بتروليوم” عن حملتها لتغيير إسمها من “بريتش بترلوليوم” إلى شركة “بيوند بتروليوم”، وفازت بجائزة “أكثر حكومة مساعدة” حكومة الولايات المتحدة لتمثيلها مصالح الشركات العملاقة في محادثات الإتفاقات البيئية.

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!