الحب في زمن الكوليرا…تحية الى ماركيز


فادي نصار

 

لم يلفت انتباهي اسم المخرج ولا أسماء الممثلين والفنيين، وكنت أظن أن الفيلم سيكون عادياً لأنني سبق أن قرأت الرواية، ولأنني أفهم غابرييل غارثيا ماركيز جيداً، فقد قرأته بالعربية وبلغته الأم الإسبانية، وأفهم إلى ماذا يرمي من وراء كل فكرة في رواياته الممتعة المليئة غالباً بأحداث نكاد نعيشها في حياتنا العادية..وكانت رواية الحب في زمن الكوليرا قد احتلت في قلبي بوصفي عاشقاً مغرماً، مكاناً أكبر بكثير مما تركته رواية مئة عام من العزلة، قصة موت معلن، ليس للجنرال من يراسله، خريف البطريرك وغيرها من إبداعات ماركيز الروائية الذي أثار مخيلتي ودفعني مراراً للكتابة عن الحب ومايزال في وصفه لدقائق الأمور وفي قدرته الخلاقة على الدخول في عمق الحضارات. ويحضرني هنا ما كتبه عن العرب في قصة موت معلن، إذ إن بطل تلك الرواية كان من أصل عربي اسمه سنتياغو نصار، فقد وصفهم ووصف عاداتهم وتقاليدهم في أمريكا اللاتينية، وهو أيضاً يتحدث عن اليونان وعن اليهود والألمان وغيرهم في أماكن مختلفة من روايات مختلفة .

نعم لقد حول المخرج الذكي رواية الحب في زمن الكوليرا إلى فيلم سينمائي يمتزج فيه حب أعمى عميق المفاهيم لشاب يدعى فلورنتينو يعمل في مركز التلغراف في مدينة كارتاخينا في إحدى جمهوريات الموز لفتاة جميلة تدعى فيرمينا والدها تاجر بغال مليونير ولديه من العبيد الكثير. يتعرف فلورنتينو على فرمينا عندما تصل مع والدها إلى تلك المدينة الصغيرة ، وتبدأ قصة حب صعبة مريرة طويلة تقتحم عذريتها مصالح الأب الذي يجبر ابنته على الزواج من الطبيب المتخرج من فرنسا والذي سيصبح فيما بعد الوريث الشرعي لأملاك تاجر البغال المليونير. ذلك الزواج الذي جعل فلورنتينو يبكي ليالي طوالاً في حضن أمه كطفل صغير ويصاب بالحمى بعد ذلك ويشفى وتستمر الحياة.

يرفض الشاب فلورنتينو الزواج بعد ذلك، منتظراً الفرصة المواتية ليطلب مرة أخرى من فتاة أحلامه العيش معاً.ينام في خمسين عاماً مع ما يقرب من ستمئة امرأة دون حب ويتحول للعمل في كتابة رسائل الغرام للفلاحين البسطاء الأميين. ثم إلى مساعدة عمه في التجارة البحرية ليصبح بذلك مليونيراً هو الآخر ولكن بجهوده، وتأتي الساعة التي يموت فيها زوج فيرمينا ويأتي فلورنتينو ليعترف مجددا لفرمينا بحبه، المرأة ذات السبعين عاماً ترفض بداية الأمر، إلا أنه يقنعها بعد أن أغرقها برسائل غرامه وهو على عتبة الثمانين من العمر، لتبدأ بعدئذ قصة حب جديدة معتقة. وتبدأ رحلة الملاحة النهرية وشهر عسل جميل على متن أحد القوارب التي يمتلكها المليونير فلورينتيو الذي أطلق عليه اسم قارب الإخلاص أو الوفاء…لست هنا بصدد سرد الرواية ، وإنما أريد أن أقول إن الإبداع الحر والنقي والملتصق بهموم الفقراء والشعوب المضطهدة يبقى إبداعاً حياً لايموت، تمر عليه السنون ولايفنى أبداً. وأن كل عمل يحكي قصص الحب التي تنشأ غالباً بين شبان من طبقات مختلفة اقتصادياً أو إجتماعياً أو دينياً. تلك القصص تخلد لأنها صادقة. لقد اختار المخرج كموسيقا تصويرية للكولومبية من أصل عربي المطربة شاكيرا أغنية تتكلم عن الحب النبيل. الفيلم يحمل في ثناياه هموم الفقراء في جمهوريات الموز والتمايز الطبقي الحاد بين الأغنياء وغيرهم ودور رجال الدين في خدمة الرأسمال وكيف يلعب الرأسمال دوراً كبيراً في تحديد مصير الشعوب والأجيال. فالقضية هنا ليست قضية شاب وفتاة، إنما قضية مجتمع بأكمله. لعل غابرييل غارثيا ماركيز كتب الرواية متحدثاً عن إحدى مدن الكاريبي، ولكن كل الأحداث تنطبق علينا نحن جيل الشباب العربي الحالم بالخلاص من سيطرة المادة على مجتمع يفتقد إلى المقومات الحقيقية للجمال والحب والحياة الكريمة لجميع أفراده، لدى مشاهدتي الفيلم تساءلت كم فلورنتينو يوجد في عالمنا الحالي تمنعهم الفوارق من إسقاط أحلامهم على أرض الواقع؟

 

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!