عراقة احواض صناعة السفن في روسيا


فادي نصار

قبل حوالي ستين عاما، وتحديدا في شهر أيلول (أيلول) من العام 1959، دخلت كاسحة الجليد النووية “لينين” الخدمة، أحدثت وقتها ثورة في مجال توسيع مجال الملاحة في القطب الشمالي، وزيادة حجم حركة الشحن على طريق بحر الشمال.

 

لمحة تاريخية

 

شكلت حملة آزوف الثانية ضد الدولة العثمانية، حافزاً لإنشاء البحرية الروسية النظامية في عهد القيصر بطرس الأكبر عام 1696، حيث استخدم الروس للمرة الأولى سفينتين حربيتين، واربع سفن نارية، و23 سفينة و1300 زورق، بنيت على نهر فورونيج. وفي شهر تشرين الأول (اكتوبر) من العام ذاته أصدر القيصر قرارا بشأن البدء في بناء القوات البحرية 1696، بعدها قام الروس ببناء أسطول البلطيق إبان الحرب الشمالية العظمى من 1700-1721، وفي أوائل القرن التاسع عشر، تألفت البحرية الروسية من أساطيل بحر البلطيق (ابرز قواعده العسكرية كانت في سانت بطرسبورغ ثم في كرونشتادت)، والبحر الأسود وأسطول بحر قزوين وأسطول البحر الأبيض وأسطول أوخوتسك.

 

اول وزارة للبحرية

 

صاغ بطرس الأول عام 1720 ما سمي ميثاق البحرية، وضم المبادئ التنظيمية للقوات البحرية الروسية، والتعليمية وطرق التدريب لإعداد الموظفين في المستقبل، بالاضافة الى الخطط العسكرية البحرية.

وبعد إنشاء وزارة للقوات البحرية العسكرية سنة 1802، أمر القيصر نيقولا الثاني بإنشاء هيئة الأركان البحرية العامة، وقتها تم توجيه الاهتمام إلى صناعة وزرع الألغام، وأسطول الغواصات. ويذكر أن ضباط القوات البحرية في الأسطول تم ضمهم من طبقة النبلاء الذين تخرجوا من كلية الرياضيات والعلوم الملاحية (تأسست في عام 1701 في موسكو ببرج شوخاريف)، وكان الضباط في الكلية  كثيرا ما يرسلون إلى الخارج للتدريب في الأساطيل الأجنبية.

وكان الروس قد بنوا عام 1826 أول باخرة مسلحة “ازهورا” مجهزة بثمانية مدافع. وشيدوا أول فرقاطة مجدافة بخارية سموها “بوغاتير”، بعدها قامت الاساطيل الروسية بآلاف الرحلات لاستكشاف الشرق الأقصى والمحيطات المختلفة، وساهمت في البحث العلمي والاكتشافات في المحيط الهادئ ومسارح عمليات القطب الجنوبي والقطب الشمالي، وتأمين متطلبات استثمار مكامن النفط والغاز في الجرف البحري القطبي.

 

بنّاء السفن “ناشوكين”

 

في عام 1656 احتلت روسيا خلال حربها مع السويد قلعة “تسارفيتش-ديميترييف”، فأسس فيها افاناسي ناشوكين أول حوض لبناء السفن، وبدأ ببناء السفن للابحار في بحر البلطيق. الا ان جميع السفن التي بنيت في المدينة المحتلة قد تم تدميرها قصدا بعد ان فرضت “معاهدة كارديز” عام 1661 على روسيا إعادة المدينة الى المملكة السويدية.

بعدها حول ناشوكين انظاره إلى نهر الفولغا وبحر قزوين، فبعد موافقة القيصر ميخايل رومانوف، جلب خبراء بناء السفن الهولنديين إلى بلدة ديدينوفو بالقرب من التقاء نهري الفولغا ونهر أوكا. في غضون سنتين، اكتمل بناء أربع سفن: واحدة بـ 22 مدفع، سميت Орёл (“أوريول” = “النسر”)، وثلاث سفن أصغر حجما.

وفي 1745، كان لدى البحرية الروسية 130 من السفن الشراعية، كان بناء السفن يجري في أحواض بناء السفن الاربعة والعشرون، بما في ذلك تلك الموجودة في فورونيج وقازان وبيرسلافل-زالسكي وأرخانجيلسك وأولونتس وبطرسبرج وأستراخان، واليوم تملك روسيا أحد أهم مراكز بناء السفن على مقربة من مدينة فلاديفوستوك على ساحل المحيط الهادئ، حيث يقع اكبر مجمع حديث ومتكامل لهذه الصناعة، ويعمل على تلبية احتياجات الشركات الروسية المتعاظمة للمنصات البحرية للتنقيب عن النفط وسفن الإمداد والناقلات وغيرها، ولا سيما “روس نفط” كبرى شركات النفط الروسية، وشركة الغاز “غازبروم” اللتان أطلقتا مشروعاتهما لاستثمار الجرف البحري القطبي الروسي.

 

مندلييف يرسم الطريق البحري

 

طرح عالم الكيمياء الروسي ديميتري مندلييف فكرة بناء حوض تجريبي لاختبار السفن، بعد أن كرس بحوثاً كثيرة لصناعة السفن وارتياد البحر في المناطق القطبية، كما التحق منديلييف ببعثة في محطمة جليد توجهت الى المحيط المتجمد الشمالي. ووجد في هذه المبادرة السبيل الواقعي لحل الكثير من المشاكل الاقتصادية الهامة، مثل ان ربط مضيق برنك بالبحار الروسية الاخرى من شأنه أن يكون بداية استخدام الطريق البحري الشمالي، ما يجعل من اليسير بلوغ مناطق سيبيريا واقصى الشمال.

بعدها أعد منديلييف مشروع ارسال بعثة قطبية بواسطة كاسرة جليد، ورسم العالم الطريق البحري “الصناعي” في المناطق الشمالية، لكي تمر فيه السفن بالقرب من القطب الشمالي.

 

سفن من موائع السيلكون

 

إن صناعة السفن الحديثة تتطلب تكنولوجيا متقدمة، وتحتاج بشكل خاص إلى مواد قادرة على العمل في نطاق واسع من درجات الحرارة وأوساط التآكل، وقد جهد العلماء على إختراع مادة تدعى موائع السيليكون، لها خصائص فريدة، فهي تبقى محافظة على حالتها السائلة في درجات حرارة تتراوح من 90 درجة مئوية تحت الصفر وحتى 300 درجة مئوية فوق الصفر، وهي مواد شفافة، مضادة للإلتصاق، مانعة للتسرب، مقاومة للحرارة، تساعد على التوصيل الحراري وذات مقاومة عالية ضد نمو الفطريات، هذه الخصائص تسمح لها ان تكون ضمن قائمة  منتجات معقدة التشكيل (تعمل شركات ومراكز علمية متخصصة على إنتاج مواد جديدة، وبكميات كبيرة من منتجات التكنولوجيا العالية المصنوعة من مركبات البوليمر والسيراميك ومواد زجاجية مستخدمة قي صناعة السفن)، تدخل في صناعة وانتاج أجيال من السفن الحديثة.

 

الغواصات الذرية

 

وهناك الغواصات الذرية المزودة بالصواريخ البالستية النووية العابرة للقارات، والصواريخ المجنحة القوة الضاربة الرئيسية لسلاح البحرية الروسي، وفي حوزة سلاح البحرية حاملة الطائرات “الاميرال كوزنيتسوف”، والطراد الصاروخي الثقيل “بطرس الاكبر”، ويعتبر سفينة رائدة لسلاح البحرية إلى جانب المدمرات والفرقاطات، وحاملات المروحيات، وسفن الانزال الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وسفن مكافحة الغواصات وكاسحات الالغام، وغواصات الديزل الكهربائية وزوارق الطوربيد وزوارق الصواريخ والسفن المساعدة.

وتعتبر الفرقاطات من مشروع 20380 سلاحا حديثا لا يقل من حيث القدرات عن مثيلاتها الاجنبية، وحتى تتفوق عليها في بعض المواصفات، ويقضي برنامج التسليح الروسي ببناء 20 فرقاطة من هذا المشروع حتى عام 2020. وهناك أيضا زوارق الصواريخ وبعض سفن الانزال، يمكن وصفها بانها سفن حديثة تتفق مع شروط اسطول القرن الحادي والعشرين. واشترت وزارة الدفاع الروسية عام 2011 حاملتي مروحيات من طراز “ميسترال” في فرنسا. ويخطط لان تبنى في المصانع الروسية سفينتان اخريان من هذا النوع، كما من المقرر ان يزود كل اسطول روسي بحاملة مروحيات واحدة. اما بقية السفن الحربية التابعة للسلاح البحري الروسي والتي يبلغ عددها 196 سفينة فقد زاد متوسط عمرها عن 25 سنة، وفات اوان استخدامها منذ زمن، وخصوصا المدمرات، ولم يطرأ على تلك السفن اي تحديث وتطوير لشحة الامكانات المالية في التسعينيات ومطلع الالفية. ويقضي برنامج التسليح الروسي أيضا ببناء 4 غواصات استراتيجية حديثة من مشروع “بوريه”، تزود بصواريخ “بولافا” الحديثة العاملة بالوقود الجاف. وقد انتهت عام 2011 التجربة البحرية لاول غواصة من هذا المشروع، وهي غواصة “يوري دولغوروكي”، اما بقية الغواصات الثلاث فلا تزال قيد التجربة والبناء والتصنيع، وقد اطلقت عليها تسميات “فلاديمير مونوماخ” و”الكسندر نيفسكي” و”سفياتيتيل نيقولاي”.

 

الطراد الذري الثقيل “بيوتر فيليكي”

 

يعتبر الطراد الذري الثقيل “بطرس الأكبر” من اضخم واحدث السفن الحربية في القوات البحرية الروسية، واقوى السفن الحربية غير الحاملة الطائرات في العالم، وتستخدم السفينة لتدمير السفن السطحية الكبرى وحاملات الطائرات، وحماية التشكيلات البحرية من الهجوم الجوي والغواصات المعادية. ويعد مدى ابحارها غير محدود، وهي مزودة بصواريح مجنحة قادرة على تدمير الاهداف على مسافة حتى 550 كيلومتر. بدأ بناء الطراد في عام 1986ـ ودخل حيز الاستخدام في القوات البحرية الروسية عام 1998، يبلغ طول الطراد حوالي 252 مترا، وعرضه 29 متراً تقريباً، فيما يبلغ ارتفاعه حوالي 60 متراً، ويتألف طاقم السفينة من 655 فردا بمن فيهم 105 ضباط.

أخيراً باشر مصنع روسي يقع في مدينة سانت بطرسبورغ ويعرف باسم “أدميرالتيسكييه فيرفي”، العمل لصنع سفينة جديدة من فئة كاسحات الجليد، أطلق عليها اسم “إيليا موروميتس”، وستنضم هذه السفينة إلى الأسطول الحربي الروسي في المحيط المتجمد الشمالي، ويُفترض أن يتسلمها الأسطول في نهاية عام 2017، وتنتظر البحرية الروسية ضم 8 غواصات من طراز “بوراي” بحلول عام 2020، بحيث تكون “العمود الفقري” للقوات النووية البحرية الروسية.

 

 

.

 

 

 

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!