دارفور.. الاستفتاء في زمن الحرب


الموقف من عملية السلام المتعثّرة في إقليم دارفور السوداني، يعتبر النقطة الأهم التي تحدد اتجاهات التصويت أو الامتناع في الاستفتاء الإداري، الذي بدأ اليوم الإثنين في إقليم دارفور الذي تطحنه الحرب الأهلية منذ 13 عامًا.

يعود تاريخ الحرب في دارفور الواقعة غربي البلاد إلى 2003 عندما أعلنت حركتان مسلحتان تمردهما على السلطة المركزية في الخرطوم متهمين إياها بتهميش إقليمهم.

أربك التمرد الجديد خطط الحكومة التي كانت أحرزت آنذاك تقدمًا كبيرًا في مفاوضاتها مع حركة متمردة في جنوب البلاد وهي الحركة الشعبية لتحرير السودان ومهد الاتفاق معها لانفصال جنوب السودان في يوليو 2011 بموجب استفتاء شعبي منصوص عليه في الاتفاقية.

لكن اتفاق السلام الذي دعمته العواصم الغربية وفي طليعتها واشنطن فقد بعضًا من بريقه بفعل الحرب التي اشتد أوارها في دارفور مع المتمردين الجدد.

وفيما كانت الخرطوم تعول على أن يكسر اتفاق السلام العزلة الغربية التي تعاني منها ويمهد لرفع العقوبات الأمريكية عليها، إلا أن ذلك لم يحدث؛ حيث بدأت الدول الغربية تتهم الحكومة بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين ضمن حملتها العسكرية لدحر حركة التمرد الناشئة.

وكانت الخرطوم تتهم واشنطن بتضخيم الحرب وتزييف الوقائع على الأرض للتغطية على غزوها أفغانستان والعراق ما بين 2001 و2003 .

وفيما كانت الدول الغربية تطالب بنشر قوات حفظ سلام أممية لحماية المدنيين في دارفور كانت الخرطوم ترفض ذلك لكنها قبلت في 2004 بنشر قوات تابعة للاتحاد الأفريقي.

وفي 2005 بدأت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا حول الحرب في دارفور بتفويض من مجلس الأمن الدولي لكن الحكومة رفضت الاعتراف بسلطة المحكمة.

في العام 2006 تغيرت الأوضاع لصالح الحكومة، عندما حدث انشقاق في حركة تحرير السودان بزعامة عبد الواحد نور قاده القائد الميداني للحركة أركو مناوي.

في نفس العام نجح فريق وساطة أفريقي في إبرام اتفاق سلام بين الحكومة وحركة مناوي بعد مفاوضات شاقة في العاصمة النيجرية أبوجا، بينما رفض “نور” الاتفاق وكذلك حركة العدل والمساواة التي كان يتزعمها وقتها خليل إبراهيم.

لكن اتفاق السلام الجزئي لم يخفف الضغط الدولي على الحكومة؛ حيث تصاعدت وتيرة اتهام قواتها بارتكاب جرائم ضد المدنيين المؤيدين للمتمردين مع اتهام لبعثة حفظ السلام الأفريقية بالعجز عن حماية المدنيين.

ومع تزايد الضغط الدولي اضطرت الحكومة في 2008 لقبول نشر بعثة حفظ سلام مشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة عوضا عن البعثة الأفريقية.

وفي ذات العام نشرت الأمم المتحدة تقرير قدرت فيه عدد القتلى منذ اندلاع الحرب بنحو 300 ألف قتيل مع نزوح 2.5 مليون شخص عن قراهم، لكن الحكومة رفضت التقرير وقالت إن عدد القتلى “لم يتجاوز 10 آلاف شخص”.

وفي مارس/آذار 2009 شهد الملف الدارفوري تحولا محوريًا، عندما حررت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وأضافت لها تهمة الإبادة الجماعية في العام التالي.

وكانت هذه أول مرة تطلب فيها المحكمة اعتقال رئيس بلد أثناء ولايته، لكن البشير رفض الاعتراف بالمحكمة واعتبرها مجرد “أداة استعمارية موجهة ضد القادة الأفارقة”.

منحت مذكرة الاعتقال حركات التمرد دفعة معنوية، لكنها بالمقابل فقدت الدعم الذي كان يوفره لها الرئيس التشادي إدريس دبي، الذي تحسنت علاقته مع الحكومة بتوقيع اتفاق يمنع أي طرف من دعم المتمردين على الآخر.

ووقع البلدان الاتفاق الأمني، بعد عام من دخول حركة العدل والمساواة العاصمة الخرطوم في مايو آيار 2008 بدعم تشادي حسب ما أشارت تقارير حكومية وقتها، وذلك بعد شهور من دخول المتمردين التشاديين انجمينا ومحاصرتهم القصر الرئاسي في فبراير/شباط من ذات العام، “بدعم من الخرطوم” طبقا لما قالته انجمينا وقتها.

وفي 2010 تعرضت عملية السلام الجزئية لانتكاسة، عندما عاد أركو مناوي، للتمرد مرة أخرى متهما الحكومة بالتنصل عن تنفيذ الاتفاق الذي كان قد تقلد بموجبه منصب كبير مساعدي الرئيس.

وتزامن ذلك مع بدء محادثات كانت ترعاها الدوحة بين الحكومة وحركة العدل والمساواة بينما رفضت حركة نور المشاركة فيها.

لم تسفر المفاوضات عن اتفاق، لكن وقتها كانت مجموعات منشقة عن حركات التمرد الثلاث الرئيسية قد انتظمت في حركة واحدة باسم التحرير والعدالة بزعامة التجاني سيسي.

وقعت حركة التحرير والعدالة مع الحكومة في يوليو تموز 2011 على اتفاق سلام برعاية قطرية رفضت بقية الحركات الانضمام له رغم الدعم الدولي الذي حظي به.

بناء على اتفاق الدوحة شكلت سلطة إقليمية في دارفور آلت رئاستها إلى التجاني السيسي وتقلد عدد من معاونيه حقائب وزارية. ونص الاتفاق أيضا على إجراء استفتاء يحدد الوضع الإداري للإقليم.

وفي نوفمبر تشرين الثاني 2011 شكلت حركات دارفور الثلاث تحالفًا عسكريًا مع الحركة الشعبية قطاع الشمال التي تحارب الحكومة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق المتاخمتين لدولة جنوب السودان ترتب عليه تصعيد عسكري أوسع مع القوات الحكومية.

في ديسمبر كانون الأول 2011 تعرضت حركة العدل والمساواة التي ينظر لها كأقوى الحركات في دارفور لانتكاسة عندما لقي زعيمها خليل إبراهيم حتفه بغارة جوية لم تكشف الحكومة عن تفاصيلها.

وكان خليل يتمتع بكاريزما سياسية وعسكرية فقدتها حركته التي اختارت شقيقه جبريل خلفا له وتوعدت الحكومة بالثأر لمصرع مؤسسها.

في مطلع 2014 طرأ تغير محوري على المشهد عندما دعا الرئيس البشير خصومه إلى حوار شامل تبناه الاتحاد الأفريقي الذي فوض فريق وساطة بقيادة رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو أمبيكي لإنجاح الحوار.

لكن لم تحرز عدة جولات عقدها الوسيط بين الحكومة والحركات المسلحة أي تقدم، كان آخرها جولة استضافتها أديس أبابا في آذار الماضي.

رفعت الجولة بعدما وقعت الحكومة بشكل منفرد مع فريق الوساطة خارطة طريق تمهد لعملية سلام شامل، لكن الحركات رفضت التوقيع عليها واتهمت أمبيكي بالانحياز لرؤية الحكومة.

ولم تشارك في هذه المباحثات حركة نور التي تخوض معارك ضد الجيش منذ منتصف يناير كانون الثاني الماضي في معقلها بجبل مرة، تسببت في نزوح أكثر من 130 ألف نازح وفقا لبيانات أممية.

ووسط هذا الانقسام بدأ اليوم الإثنين، ولمدة ثلاثة أيام، استفتاء يختار فيه أهل دارفور ما بين تكوين إقليم واحد بحكومة تتمتع بصلاحيات واسعة أو الإبقاء على الوضع الإداري القائم الذي يُقسم بموجبه الإقليم لخمس ولايات.

ونظام الحكم في السودان فيدرالي؛ حيث تتشكل البلاد من 18 ولاية لكل منها حكومة محلية وفي حال اختار الدارفوريون نظام الإقليم، يتعين على الحكومة تضمين خيارهم في نص الدستور.

ويدعو حزب المؤتمر الوطني الحاكم، أنصاره للتصويت لخيار الولايات الخمس بينما تدعو حركة سيسي لنظام الإقليم الواحد، لكن مجموعة انشقت عنه العام الماضي أعلنت تأييدها لخيار الحزب الحاكم.

ودعت حركات التمرد أنصارها لمقاطعة الاستفتاء.

وبإجراء الاستفتاء المنصوص عليه في اتفاق الدوحة ينتهي أجل الاتفاقية، ما يطرح سؤالاً عن مستقبل عملية السلام لا سيما مع إصرار الحركات المسلحة على رفضها التوقيع على خارطة الطريق التي كانت آخر مبادرة في سلسلة مبادرات رعتها جهات إقليمية ودولية دون أن تضع حدا لتخثر الدماء.

الموقف من عملية السلام المتعثّرة في إقليم دارفور السوداني، يعتبر النقطة الأهم التي تحدد اتجاهات التصويت أو الامتناع في الاستفتاء الإداري، الذي بدأ اليوم الإثنين في إقليم دارفور الذي تطحنه الحرب الأهلية منذ 13 عامًا.
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
الموقف من عملية السلام المتعثّرة في إقليم دارفور السوداني، يعتبر النقطة الأهم التي تحدد اتجاهات التصويت أو الامتناع في الاستفتاء الإداري، الذي بدأ اليوم الإثنين في إقليم دارفور الذي تطحنه الحرب الأهلية منذ 13 عامًا.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!