مدريد… عاصمة التاريخ والمستقبل


ريان مقلد

 

تحتل مدريد موقعا مهما على الخارطة الأوروبية، بما تمثل من حضور حامل عبق التاريخ، يطل في الآن عينه على رحاب الحاضر والمستقبل، فهي نابضة بالحياة، بألق اللحظة وعراقة التاريخ، مدينة وعاصمة أعرق الامبراطوريات في العالم.

أطلق عليها العرب اسم مجريط، وهي عاصمة مملكة إسبانيا وأكبر مدنها، عدد سكانها 3.2 مليون نسمة، ويصل تعداد السكان مع الضواحي إلى 6.54 مليون نسمة.

تقع مدريد على ضفاف “نهر مانثاناريس” في وسط إسبانيا، وتعد رابع أكبر مدن الاتحاد الأوروبي بعد باريس ولندن وبرلين، تبلغ مساحتها 607 كيلومترا مربعا، فيها مقر الحكومة الإسبانية والعائلة المالكة، وأهم شركات البلاد، كما تضم 6 جامعات حكومية والعديد من المعاهد العليا.

تعتبر مدريد أيضا، إحدى أهم مدن أوروبا استراتيجياً وثقافياً واقتصادياً، وتضم “متحف ديل برادو” و”نادي ريـال مدريد” لكرة القدم الشهيرين، بالإضافة إلى مقر الحكومة، والبرلمان الإسباني، والوزارات، والمؤسسات والوكالات، وهي إلى ذلك المقر الرسمي لملوك إسبانيا.

وهي رابع أكبر مدينة من حيث عدد السياح في أوروبا، والأولى في إسبانيا. بلغ إجمالي عدد السياح الذين استضافتهم المدينة ما يقارب من سبع ملايين سائح في 2006، وهي مقر “المنظمة العالمية للسياحة الدولية” و”معرض السياحة”.

وتحتل مدريد موقعا مهما، فهي قائمة في قلب إسبانيا في منطقة قشتالة التاريخية، وتقع سلسلة “جبال سييرا دي غواداراما” في شمال غرب المدينة، ويصل ارتفاعها إلى 2.429 مترا فوق مستوى سطح البحر في “قمة بينيالارا”، ومن الشرق “وادى إيناريس” الذي تمر به طرق برية وسكك حديد تربط مدريد بسرقسطة وبرشلونة. وعلى بعد 50 كم تقريباً جنوب مدريد توجد العاصمة القديمة لمملكة قشتالة والمدينة الأم لمدريد، وهي مدينة طليطلة.

تشمل معالم مدريد الضخمة قصر مدريد الملكي وتياترو ريـال مدريد (المسرح الملكي) (1850)، ودار الأوبرا و”حديقة بوين ريتيرو” التي تأسست في عام 1631، والمكتبة الوطنية، التي تأسست في عام 1712، وفيها مجموعة من المحفوظات التاريخية، وثلاث متاحف للفنون: “متحف برادو”، وهو يحوي واحدة من أجمل المجموعات الفنية في العالم، والمتحف الوطني للتجارة مركز الملكة صوفيا، ومتحف الفن الحديث – مدريد، ومتحف تايسن – بورنميسزا.

 

قِبلة السياح

يعتبر الأمير محمد الأول بن عبد الرحمن الثاني هو مؤسس مدينة مدريد عام 855م، وكانت مدريد من أكبر الحاميات والقلاع العسكرية في المنطقة الوسطى، كما أسس العرب في هذه المنطقة حاميات فرعية أخرى تابعة إلى مدريد، كانت ظيفتها مراقبة المنطقة الوسطى حتى طليطلة خوفاً من تسلل الأعداء إليها، ولا زالت هذه القلاع والأبراج قائمة حتى الآن، وقامت بلدية مدريد بترميمها وإصلاحها وإعادة ما تهدم منها وأصبحت اليوم قبلة للسياح.

في المدينة مساحات خضراء وحدائق كثيرة، نذكر أهمها: أكبر حديقة في وسط مدريد هي “باركي ديل ريتييرو” تمتد للشمال الشرقي من محطة السكة الحديد أتوتشا.

محطة أتوتشا التي فيها أكثر من 500 نوع من الحياة النباتية والبرك، ومتاجر ومقاهٍ، فضلا عن “الحديقة النباتية الملكية” أو “ريـال غاردين بوتانيكو”، افتتحت في القرن التاسع عشر في عهد كارلوس الثالت ملك إسبانيا، كانت تستخدم كقاعدة لأنواع النباتات التي جمعت من كل أنحاء العالم.

محطة السكة الحديد أتوتشا المتميزة بحديقة بمساحة 4.000 متر مربع من النباتات الاستوائية.

“حدائق كاسا دي كامبو” في المناطق الريفية غرب المدينة، أكبر من كل المناطق الخضراء في مدريد. وفيها أرض المعارض، وحديقة الحيوانات في الهواء الطلق، وهناك تلفريك فوق قمم الأشجار ليتمتع السياح بنظرة عامة لحدائق “كاسا دي كامبو” وللمدينة.

وتعتبر الحديقة النباتية الملكية فيها، مركزا مهما للبحوث، وتطوير العلاجات العشبية وإيواء الأنواع التي جُمعت من كل أنحاء العالم.

 

أعلى معدلات النمو في إسبانيا

مدريد هي مركز رئيسي للأعمال التجارية والتجارة الدولية، وواحدة من أكبر المراكز المالية في أوروبا وأكبر المراكز المالية في إسبانيا، وخلال الفترة من 1992 إلى 2006، شهدت مدريد نموا كبيرا جداً في قطاع الخدمات، فضلا عن أهمية مطار باراخاس لاقتصاد المدينة، وبناء المساكن والأشغال العامة كشبكة الطرقات والطرق الدائرية، ما شكل دعامة رئيسية للاقتصاد حتى 2006.

حين أصبحت إسبانيا لا مركزية سياسية، أخدت مدريد صورة إدارية أصغر بالمقارنة مع بقية مناطق الدولة الإسبانية. ومع ذلك، منطقة مدريد (تركزت على مدينة مدريد) حققت أعلى معدلات النمو في إسبانيا مقارنةً مع باقي المناطق الإسبانية من 2004 إلى 2006. وكان معدل نمو منطقة مدريد أعلى من معدل نمو البلد ككل بحوالي 1.4 بالمئة خلال الفترة 2000-2006، وأعلى من معدل نمو منطقة اليورو بنسبة 13 بالمئة.

وتوجد في مدريد أكبر حلبة لمصارعة الثيران في إسبانيا وهي “لاس فينتاس” التي أقيمت عام 1929، وهي تعتبر في نظر الكثيرين مركزا دوليا لمصارعة الثيران وفيها 25000 كرسيّا، ويبدأ موسم مصارعة الثيران في شهر آذار (مارس) وينتهي في تشرين الأول (أكتوبر)، حيث تجري في كل يوم من أيام احتفالات سان إيسيدرو وأيام الأحد والأعياد المختلفة، ومن يهاب منظر قتل الثيران في نهاية المصارعة أو يعارض قتل الحيوانات، مدعو لزيارة المتاحف.

مدينة مدريد محاطة بأربعة شوارع طوقية تتداخل في ما بينها، وتهدف للتسهيل على حركة السير بين المناطق المختلفة في “المتروبولين”، والحيلولة دون الازدحامات المرورية في المدينة نفسها (الشوارع M-30 و M-40  و M-50وM-61 وM-45 وM-50)، كما ترتبط مدريد بعدة شوارع رئيسية تربطها بمدن ومناطق إسبانيا الأخرى. وتربط شركة القطارات الوطنية Renfe مدريد مع باقي مدن ومراكز إسبانيا عبر محطتين مركزيتين فيها: أتوتشا وتشمرتين، وهما جزء أيضا من جهاز القطار الأرضي في مدريد الذي يُعتبر من الأكبر في العالم، كما يوجد “قطار خفيف” وقطار ضواحٍ يعملان في مدريد ومنطقتها أيضا، وفي مدريد مطار دولي كبير (باراخاس) يقع شمال شرق المدينة، وهو من أكبر مطارات العالم.

 

أهم عواصم الأزياء الأوروبية

كما تكثير مناطق السهر والرقص والنوادي الكبيرة، خصوصا في “ساحة سانتا آنا” و”ساحة الثاني من أيار” و”حي لا لتينا” وغيرها. كما تتركز في الحي المركزي حركات فنية بوهيمية متميزة جدا، تنعكس في الأثاث والمقاهي والغاليريهات وغيرها من المعالم الثقافية.

تعتبر مدينة مدريد واحدة من أهم عواصم الأزياء الأوروبية، حتى أن متاجر التجزئة موجودة فی كل أنحاء المدينة، والعديد منها له مركز في المنطقة التجارية المشهورة بالقرب من “بويرتا ديل سول”.

 

عاصمة كرة القدم

عند التكلم عن مدينة مدريد لا يمكن ان نغض النظر عن دورها الفعال في لعبة كرة القدم، فهي واحدة من أربع مدن في أوروبا مع برشلونة، وجلاسجو ولشبونة، منح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم 5 نجوم لملعبين فيهم: ملعب ريـال مدريد (سانتياغو بيرنابيو)، وملعب اتليتيكو مدريد (فيسينتي كالديرون) لأن الملعبين طابقا المعايير. أفضل وأشهر لاعبي كرة القدم الإسبان المعروفين قدموا من مدريد، بما فيهم أسطورة ريـال مدريد الإسباني إيميليو بوتراغينيو ولاعب ليفربول خوسيه مانويل رينا وفرناندو توريس وقدامى اللاعبين في ريـال مدريد راؤول غونزاليس وإيكر كاسياس.

ويوجد في المدينة فريقان من فرق رابطة الاندية لكرة السلة، وحلبة لرياضة سباق السيارات التي استضافت قبل هذه المرة سباق إسبانيا في الفورمولا وان (Formula 1). وتاريخياً، تستضيف مدريد المرحلة الأخيرة من سباق الدراجات “فويلتا دي إسبانيا” كل سنة، كما أن باريس تستضيف المرحلة الأخيرة من سباق الدراجات” تور دو فرانس” كل سنة.

 

المعالم التاريخية

ونذكر بعضا من أهم معالم مدريد التاريخية والتي لا زالت قائمة، وأصبحت قبلة للزوار والسياح:

-ساحة بلاثا مايور: تقع خارج السور العربي القديم، وكانت تسمى في زمن العرب “ساحة الربض” حيث تباع فيها المنتجات الزراعية والمواشي، وأصبحت بعد ذلك مركزاً تجارياً، وتقام فيها الاحتفالات الوطنية والدينية، وتحيط بها المقاهي والمحلات التجارية التي تباع فيها أنواع من التحف الفنية ذات التقاليد المدريدية.

-متحف البرادو: وهو من الطراز المعماري الكلاسيكي الحديث، شيد سنة 1785، ويعتبر من المتاحف الكبيرة في العالم، ويضم مجموعة كبيرة من أعمال أشهر الفنانين في العالم حتى القرن التاسع عشر مثل: فيلاسكي، غويا، رميرانت، دافنشي، مايكل أنجلو وغيرهم.

-المتحف الوطني للآثار: يحتوي على مجاميع كبيرة من الآثار الأندلسية، معظمها يعود إلى القرن التاسع والعاشر الميلادي، وتتألف من أوانٍ فخارية متنوعة الأشكال والاستعمال ومزينة بزخارف وخطوط عربية، كما توجد مجموعة من الصناديق المصنوعة من العاج، ويبدو أنها كانت تستخدم لخزن وحفظ الحلي والأدوات النسائية، وتبدو عليها زخارف لأشكال آدمية وحيوانية.

-البلاط الملكي: وهو في الأصل كان قصراً عربياً عند تأسيس مدريد، وكان قلعة من الخارج وبلاط من الداخل، وبدأ بتوسيع هذا القصر سنة 1551، وفي سنة 1734 شب فيه حريق مفتعل وحوله إلى ركام، ثم أنشىء على أنقاضه بلاط جديد وبتصميم جديد من قبل المهندس خوان باوتيستا، وجعله على غرار قصور عصر النهضة، وهو اليوم من أجمل المعالم الأثرية المعمارية القديمة في مدريد وقبله للدارسين والباحثين والسواح.

 

(بالتعاون مع صحيفة الإعمار والاقتصاد)

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!