قطاع الاتصالات “المسيّب” مخروق أمنيا وماليا.. ومعلومات اللبنانيين في المزاد


فراس مقلّد

ناصر: الدولة توفّر الانترنت لمواطنيها بحسب مزاجية من بيدهم الأمر.. و أهلا بـ “أبطال المقاومة الجدد” !

 

 

انفجرت في منتصف شهر آذار قضية تعيد الى الأذهان مشكلة “التسيّب” في ادارات الدولة، هي فضيحة الانترنت غير الشرعي التي تبيّن بعد توضّح الرؤيا قليلا أنّ معظم ادارات الدولة الكبرى كانت تستخدمها. فضيحة فتحت أبوابا ظنّها البعض أغلقت بعد شبكة انترنت الباروك قبل سنوات قليلة، وبعد “الحرب الأهلية الصغرى” التي كادت تودي بالبلد عام 2008 بعد انكشاف شبكة اتصالات المقاومة.

كُشف الكثير من خفايا شبكة الانترنت غير الشرعي، لكن الأكيد أن الأكثر لم يُكشف بعد. وإذا كان لهيئة «أوجيرو» تبريرها لأسباب عدم اكتشاف هذه الشبكة غير الشرعية، فإن عديد المهندسين التقنيين يجزمون بأن الدولة اللبنانية تملك لواقط ترددات يتم تثبيتها على سيارات تقوم بالتنقل بين المناطق لالتقاط الترددات الموجودة في الهواء، ثم مقارنتها لاحقاً بالترددات المسجلة في بيانات وزارة الاتصالات.

قبل تاريخ الثامن من آذار (اجتماع لجنة الاتصالات النيابية)، لم يكن أحد قد سمع عن الشبكة، التي تبين لاحقاً أن أول من لفت النظر اليها هو الشركات الخاصة المتضررة من وجودها، من خلال شكوى أرسلت إلى وزارة الاتصالات في 21 كانون الثاني الماضي. وبرغم أن مصادر «أوجيرو» تؤكد أنها قامت بناءً على إشارة القضاء المختص ومواكبته، بتفكيك معدات الشبكات أيام 26 و29 شباط و3 آذار 2016، وبرغم أن وزير الاتصالات بطرس حرب قدّم دعوى إلى النيابتين المالية والاستئنافية في 4 آذار، إلا أن كل ذلك ظل خارج التداول !!

وكان وزير الاتصالات حرب قال، في مؤتمر صحافي، أنّ «المجرمين الذين قرروا أن يبنوا وزارة اتصالات موازية، استعانوا بمعدات إسرائيلية». في ظلّ هذا المؤشّر المقلق حتما، هل ستقوم السلطات اللبنانية، تحت ضغط بعض الفئات السياسية، بتكرار خطأ العام 2009، حيث كانت الأحكام مخففة، ولم تطل من يدعم أصحاب شبكة الانترنت غير الشرعية التي اكتشفت في الباروك؟

وفي حين وصف حرب الشبكة بأنها «واحدة من أخطر الاعتداءات على السيادة الوطنية وحقوق المواطنين وحق الدولة اللبنانية في ضبط حصرية مرافقها العامة، لأنها تمس الأمن الاقتصادي للدولة، والأمن القومي للبنان، وتمس أمن المعلومات الخاصة والشخصية للمواطنين»، أكد أنه «لن نقبل بأقل من تطبيق القانون في حق المرتكبين والمخالفين، وإنزال أشد العقوبات بهم، وبمن يحميهم».

وكان حرب أكد أن قدرة الشبكة تصل إلى 600 ألف خط دولي (40 جيغابيت في الثانية)، بما يعني ذلك من خسائر على الدولة تقدر بـ60 مليون دولار في السنة. غير أنّ الخسائر المادية كانت أخفّ الشرّين، حيث أعاد الوزير حرب التأكيد على وجود خرق أمني كبير من قبل إسرائيل، وإن لم يتحدد حجمه بعد.

المنشآت التي اكتشفت حتى الآن في جرود الضنية، النجاص، فقرا، عيون السيمان والزعرور ضخمة جداً. وهي تتضمن صحونا لاقطة ومحطات أرضية وأنظمة اتصالات لاسلكية، والعديد من أنظمة المسارات الدولية، ومحطات للطاقة، وتحويل الطاقة البديلة وبطاريات، ومولدات كهربائية، ومنشآت مدنية، وأبراج معدنية شاهقة.

وبالرغم من أهمية الوصول الى ايقاف الشبكة عن العمل، إلّا أنّه لا يجوز كذلك السكوت عن التقصير الفادح الذي جرى من قبل المعنيين جميعا، سواء من وزارة الاتصالات و هيئة اوجيرو، وصولا الى القوى الأمنيّة !

 

في محاولة للوصول الى مدى فداحة هذه الفضيحة، وأسباب التفلّت الحاصل في قطاع الاتصالات، وصولا الى محاولة تحديد بعض المسؤوليات في الملف، تحدّثت “الإعمار والاقتصاد” مع رئيس مصلحة تنفيذ الاتصالات في وزارة الاتصالات سابقا، و مدير الاستثمار التابع للمديرية العامّة للصيانة والاستثمار بالتكليف سابقا، المهندس المتقاعد من وزارة الاتصالات غسان ناصر.

 

وردّا على سؤال حول أسباب وجود هكذا شبكات غير شرعية، وكيفية توسّعها بعيدا عن مرأى الدولة، يقول ناصر:

  • “المنافسة في عالم الاتصالات “رهيبة”، حيث الجميع يبحث عن زبائن. لذلك، نعود الى السؤال الأوّل، لماذا كان هناك حاجة أصلا الى انترنت غير شرعي؟ لأنّ الانترنت الشرعي ليس متوفرا كما يجب، أو كما يطلبه المستهلكون. من هنا، فإنّه من النادر أن تقع بلاد أخرى في هذه المعضلة، فالقضية قضية عرض وطلب، فهل الدولة اللبنانية كانت غير قادرة على أن توفّر انترنت قادر على تلبية حجم الطلب؟ كلا، فالمشكلة كانت ولا زالت أنّ الدولة كانت توفّر الانترنت لمواطنيها بحسب مزاجية من بيدهم الأمر.. مزاجيتهم ومصالحهم وارتباطاتهم، فكما هنالك شبكة انترنت، كذلك هناك شبكة علاقات ومحسوبيات ومصالح تحكم القيّمين على هذا القطاع. بالتالي، من خبرتي العمليّة في وزارة الاتصالات، أدرك كم كانت الشركات تعاني للحصول على سعات، في حين كانت تقدّم طلبات بشكل شرعي ورسمي مع كلّ الوثائق المطلوبة، لترمى طلباتها في المكاتب أشهر وسنين، دون أن يأتيها الجواب، لا سلبا ولا ايجابا.

هنا، يجد المرء أنّ ثمّة  من يستغلّ هذا الوضع، وهنا أعطي مثلا أظنّه معبّرا عن الحالة اليوم: في مطلع العقد الأخير من الألفية الثانية، كان الخطّ الثابت في لبنان لعنة، فكنت نادرا ما تجد حرارة، وإن وجدت، كان التعبير الأكثر شيوعا وقتذاك “علّقت أو لم تعلّق”. حينها قامت بدعة ما يسمّى بالخطّ الالكتروني، حيث يدفع المشترك ألف دولار وما فوق، ليحصل على الخطّ الالكتروني الذي لم يلبّ حاجات الناس. وفجأة، دخل الهاتف الخليوي على الخطّ، وهنا حصل ما لم يحصل في العالم كلّه، حيث بات المواطن يقوم بـ”واسطة” ويدفع خمسمئة دولار ليحصل على خطّ خليوي، فتهافتت الناس لشراء هذه الهواتف. وإذا بحثنا عن أسباب إهمال الهاتف الثابت، وتخريبه عن سابق تصوّر وتصميم ليضحي غير فعّال، نأخذ مثلا سنترال بئر حسن الذي كان يحوي 24000 خطّ يعمل منها 3000 خطّ فقط، وهو كان بحاجة لأربع أجهزة تكييف تكلفتها 30000 دولار ليعمل بثمانين بالمئة من طاقته ! كذلك نجد المشكلة عينها في معظم السنترالات، كذلك مشكلة عدم صيانة الشبكة، وهي عملية غير مكلفة، (…) كلّها كانت مقدّمات لكي تبحث الناس عن خلاص مهما غلا ثمنه، وهنا يجي البحث عن جواب للسؤال التالي: أين تصبّ المصالح؟”.

 

كيف كشفت هذه الشبكة الآن.. او بالأحرى، لماذا؟

  • شبكة الانترنت غير الشرعية هذه ليست حائط برلين الذي بناه الجيش الأحمر السوفياتي ليلة 13 آب 1961. هذه الشبكة أضحى عمرها سنين، وأعتقد أنّ ما قيل في لجنة الاعلام والاتصالات عن عدم دخول الشبكة الى بعض المناطق، وتحديدا ضاحية بيروت الجنوبية، غير صحيح، فثمّة كابل يجري بقرب مسرح دوّار الشمس في الطيّونة مرورا بالشياح وصولا الى قلب الضاحية الجنوبية لبيروت. القضيّة أوسع بكثير مما يظنّه البعض، فهذه الشبكة لم تخلق من عدم، بل لها سنوات. عودة الى السؤال: لماذا اكتشفت (أو كشفت) الآن؟ أظنّ أنّ ثمّة من تضرّر من الوضع القائم، لأنّ ثمّة معاناة من الشركات التي وصل بها الأمر أن اشتكت الى الرئيس ميقاتي حين كان رئيسا للحكومة، ووعد وقتها بمعالجة الموضوع، ولم يستطع القيام بشيء، وكان طبعا يعزى الأمر الى الخلافات ما بين مدير عام هيئة اوجيرو التابع لخطّ سياسي ما، والوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الاتصالات، والذين كانوا من الخطّ السياسي المقابل، حتّى قدوم الوزير بطرس حرب. عمر الحكومة الحالية عامين، ووزير الاتصالات الحالي متجانس سياسيا مع مدير عام اوجيرو عبد المنعم يوسف، وعلى الرغم من التحسّن الملحوظ في نوعية الاتصالات، لماذا لا تزال الانترنت على هذه التعاسة وهذا التخلّف، فيدفع المرء أموالا طائلة مقابل خدمة سيّئة جدّا؟

أمّا فيما يخصّ الزعم بعرقلة الوزراء السابقين لعمل اوجيرو، فإنّ هذا الادّعاء خاطئ، حيث أنّ السيد عبدالمنعم يوسف هو من عرقل إعطاء كامل السعات الدولية المدفوع ثمنها، كذلك الكابل الاينوي العالي الثمن والذي لم يستخدم بطاقته المطلوبة، وشبكة الألياف الضوئية والمسدّد ثمنها والتي جلّ ما تحتاجه هو قرار بوصلها على الشبكة. أضحى للوزير بطرس حرب سنتين، وقد طالعنا بخطةّ العام 2020، فيما شبكة الألياف الضوئية موجودة وقد نفّذت أعمال الشبكة على كامل الأراضي اللبنانية !!

 

ماذا عن شبكة الباروك ودور المحكومين في تلك القضية بشبكة النترنت المكتشفة حديثا؟ وفي حين سمعنا في الإعلام عن محاولة بعض الجهات السياسية تمييع القضية، هل لديكم معطيات حول هذا الموضوع؟

  • لا أملك معطيات فعلية حول من يتدخّل ولست بصدد اتهام أحد، ولكنني أودّ أن أقول أنّ كلّ شيء وارد في هذه البلد، بمعنى أنّ التدخّلات السياسية في القضاء أضحت أمرا عاديا في لبنان.. حتّى في محاكمة عملاء اسرائيل حصلت تدخّلات، أفلن تحصل في موضوع شبكات الانترنت ؟!

طبعا خلف أصحاب شركات توزيع الانترنت غير الشرعي هذه، جهات سياسية فاعلة في الاقتصاد والأمن والقضاء وفي كافة المجالات،تماما كما هو البلد “مركّب”: تحالف مافيات على كافة الأصعدة. حين يكون هذا التحالف متينا، تكون الأمور “ماشية”، وحين تختلف بعض المكوّنات فيما بينها على قضية ما، “تقع الواقعة” وتحصل هزّة ما، لحين عودة الهدوء وحلّ الخلاف و”لفلفته”.

حين يختلف طرفين من هذه المافيات وتبدأ حفلات الشتائم بينهما، هما اثنيهما على حقّ، فالطرفين يعرفان واحدهما الآخر خير معرفة !!

 

يقول وزير الاتصالات أن المنشآت التي اكتشفت “تشكل معابر وبوابات دولية للإتصالات وللإنترنت ولنقل المعلومات”. ما هي خطورة هذا الموضوع، وأين يقع دور الوزارة واوجيرو في منع هكذا محاولات؟

تقنيّاً، ما قامت به شركات توزيع الانترنت غير الشرعي هي عملية سهلة. لكن، مثلا، ثمّة معلومات عن مدّ كابل بحري، وأنا بمعلوماتي المتواضعة، أعرف أنّ الكابل البحري يحتاج سفينة لمدّه، لا بضعة غوّاصين !! فحين وقّعنا اتفاقية الكابل البحري مع قبرص قبل أربع سنوات، كان ثمّة اتفاقيات مع بواخر متخصّصة بمدّ الكابلات !

وفي حال كان الحديث عن الخطّ البحري الذي يربط بيروت بجونية أو الضبية صحيحا، فكيف يمكن لباخرة أن تمدّ الكابل دون أن يراه أحد؟؟ وفي حال قام غطّاسون بالأمر، فكم غطّاسا نزلوا في الوقت عينه في البحر لمدّ هذا الكابل ؟! والمضحك أكثر هو ما يقال عن مدّ الشبكة على أعمدة الكهرباء !

الغريب والأكثر سوءا في القضية هو ما قاله أحدهم عن كون الشبكة متطوّرة لدرجة كبيرة، وليس للدولة القدرة على معرفة مصدرها ! هذا التبرير لعدم المسؤولية هو تبرير أقلّ ما يقال عنه أنّه خاطئ ويطرح أكثر من علامة استفهام !

اذا أردنا النظر للموضوع من الباب السياسي، فلماذا قامت الدنيا ولم تقعد، وكاد البلد يدخل حربا أهلية جديدة حين اكتشفت شبكة اتصالات المقاومة، بينما لم نسمع ضجيجا يساويه حيال هذه القضية ؟ هل الشبكة التي تخدم “اسرائيل” مسموح لها أن تعمل في لبنان، بينما الشبكة التي قامت لمواجهة العدو وحماية البلد منه هي المدانة؟ على كلّ، أهلا بـ “أبطال المقاومة الجدد” !

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!