الساحة الحمراء… ميدان الكادحين وقباب من ذهب!


فادي نصار

اذا ما كانت الساحة الحمراء تاج روسيا العظيمة، فلا بد ان يكون الكرميلن درة هذا التاج، فالروس يعتبرون الساحة الحمراء بمثابة “برج ايفل” بالنسبة لفرنسا و”بيغ بن” لانكلترا والاكروبوليس بالنسبة لليونان، الى جوارها بني القصر القلعة (الكرملين) عند مفترق الطرق الرئيسية في المنطقة الواقعة بين ضفاف نهري موسكو ونيجلينايا)، وفيها كاتدرائيات بقبب من ذهب.

الساحة الجميلة

عرفت باسم “تورغ” حتى نهايات القرن الخامس عشر، وفي أواخر القرن الـ 16 بدأت تأخذ شكلها المربع، فأطلق عليها اسم “ساحة الثالوث”، كانت عملياً المدخل لقلعة الكرملين، وعام 1650 أطلق عليها بالروسية اسم “كراسنيا بلوشاد” أي “الساحة الحمراء”، وبالروسية القديمة “الساحة الجميلة”.

ويعتقد ان هذا الاسم ربما مشتق من اللون القرميدي الاحمر لجدران الكرملين في الساحة، ويعتقد آخرون أن التسمية تعود إلى كون الكلمة الروسية “كراسنيا” يمكن أن يعني إما أحمر أو جميل (المعنى الثاني قديم). وكان وصف جميل كلمة تطلق على كاتدرائيّة القدّيس فاسيلي والتي نُقِلَت لاحقا إلى الميدان المجاور، أو لأنّ ايفان الرابع اقام فيها مذبحة عظيمة بسبب وفاة زوجتة ولذلك سُمِّيت الميدان الأحمر.

والساحة على شكل مربع يفصل الكرملين، (الذي امر ايفان الثالث في القرن الخامس عشر باستدعاء مهندسين معماريين من روسيا وإيطاليا لتجديد بنائه)، وهي عبارة عن مربع تجاري تاريخي معروف “بكيتاي-جورود”، بينما تتشعّب شوارع موسكو الرئيسية من هنا في جميع الاتجاهات وإلى الطرق السريعة الرّئيسيّة خارج المدينة.

تمتد الساحة الشهيرة على مساحة 46500 مترا مربعا، ويظللها من الغرب مجمع الكرملين، ومن الجنوب كاتدرائية القديس باسيليوس الرائعة، ويقع بجوار جدار الكرملين ضريح الزعيم الشيوعي فلاديمير ايليتش اوليانوف “لينين” مؤسس الاتحاد السوفياتي السابق، هذا وقد اعلنت اليونيسكو في عام 1990، الكرملين والساحة الحمراء ضمن قائمة التراث العالميّة.

 

الكرميلن

يقول الروس “لا شيء أعلى من موسكو إلا الكرملين، ولا شيء أعلى من الكرملين إلا السماء”. وترجع الكلمة كرملين (لم تطلق كلمة كرملين على المبنى حتى العام 1331) إلى اللغة الروسية، من الكلمة “حصن” أو “قلعة”. وكانت أول مستعمرة في هذا الموقع عبارة عن قلعة خشبية بناها مؤسس موسكو يوري دولغوروكي في 1147، ويلف القصر جدار ضخم طوله ميلان ونصف الميل وارتفاعه 65 قدما، وللكرملين ثمانية عشر برجا، اهمها نيكولسكايا وسباسكايا، ويضم الكرملين عدة قصور فاخرة كانت قديما ملكا للقيصر ورجاله قبل أن تتحول إلی متاحف. وفيه قاعة الأسلحة التي تعرض فيها أوسمة وشعارات الدولة، وعروش القياصرة، وملابسهم ومجوهراتهم، والأسلحة القديمة. ولا يمكنك ان تمر في الكرميلن دون مشاهدة ملك المدافع الذي يعتبر أكبر سلاح في العالم، والذي صمم في روسيا في القرن الثامن عشر ويتجاوز وزنه 200 طن. (صُب هذا المدفع العملاق “عيار 890 ملم” الذي يبلغ وزنه أكثر من 39 طنا في موسكو في القرن السادس عشر). ومن يزور الكرملين يدهش عند رؤية ما يسمى بـ “قيصر المدافع” أكبر مدافع العالم الذي يبلغ طول ماسورته خمسة أمتار ووزنه اكثر من خمسة أطنان، والى جانبه يوجد جرس الأجراس، الذي يبلغ وزنه اكثر من مئتي طن، وارتفاعه يفوق الستة أمتار، وتم بناء الكرملين الذي يقع في قلب موسكو على تل “بوروفيتسكي” الذي يبلغ ارتفاعه نحو 25 مترا، وذلك على الطرف الأيسر لنهر موسكوفا من قبل مهندسين ايطاليون وروس، على أساس الجمع بين تقاليد فن العمارة الروسي والهندسة المعمارية الإيطالية.

يُعدّ الكرملين من البقاع المقدسة، ففي الكرملين تحصل قوة القياصرة على مباركة الكنيسة أولاً، فقد الكرملين القليل من سمعته في عهد القيصر بطرس الأول الذي نقل السلطة إلى سان بطرسبورغ بعد بنائها في مطلع القرن الثامن عشر، الا ان لينين وبعد انتصار الثورة اعاد مجد الساحة الحمراء والكرملين.

 

كاتدرائية قازان

سميت كذلك نسبة الى ايقونة” كنيسة قازان” التي بقيت سليمة وسط رماد الحريق الذي التهم الكنيسة في منتصف القرن السادس عشر، في ذكرى تخلص موسكو من الغزاة البولنديين، وكان الحريق التاريخي في موسكو قد التهم هذه الكنيسة ليعاد بناؤها من الحجر في عام 1636، وبقيت كذلك حتى العقد الاخير من القرن العشرين.

 

بوتين يعيد مجد الساحة الحمراء

تحول الميدان مع مطلع القرن العشرين واندلاع الثورة الاشتراكية العظمى 1917 إلى لعب دور ايديولوجي بعد انتقال السلطة الى  البلاشفة، فكانت مظاهرات العمال والفلاحين التي تأتي الى الساحة للاستماع الى خطب لينين، كذلك كانت الإستعراضات العسكرية في الاعياد القومية السوفياتية وقبيل الانطلاق الى جبهة القتال إبان الحرب العالمية الثانية، وحتى العرض العسكري التاريخي الذي القيت خلاله رايات الفرق والألوية العسكرية الفاشية عند اقدام القادة السوفيات الذين اتخذوا ضريح لينين منصة لهم. وقد ظل الامر هكذا الى ان انهار الاتحاد السوفياتي وتبوأ الحكم  الرئيس بوريس يلتسين في اسوأ حقبة تمر على روسيا الحديثة، وامر يلتسن  بحظر اقامة المظاهرات الشعبية ذات الطابع السياسي في هذا المكان، وحاول جاهداً ازالة ضريح لينين لكنه فشل، وأعاد الرئيس فلاديمير بوتين المجد للميدان الاحمر بعد ان عادت الاستعراضات العسكرية في المناسبات القومية والتاريخية الى الساحة.

 

ضريح لينين

على الرغم من معارضة لينين الشديدة لفكرة ستالين بتحنيط جثمانه واقامة اي تماثيل له، وذلك في نقاش جرى بين لينين وستالين بوجود كروبسكايا زوجة لينين، الا ان ستالين وبعد وفاة الزعيم امر عام 1924 باقامة ضريح تاريخي يليق بزعيم الثورة البلشفية. وخلال ثلاثة ايام فقط صمم المعماري شوسيف ضريحا فخما، وفي عام 1930 أنهوا بناءه من أحجار الغرانيت والمرمر الفاخر الذي جيء به خصيصا من ارمينيا.

 

كاتدرائية فاسيلي بلاجيني

تم بناء الكنيسة ذات القباب العشر، أو كاتدرائية بوكروفسكي عام 1561، على يد المهندس المعماري بوستنيك ياكفلوف، كاعجوبة معمارية فريدة أذهلت ايفان الرهيب، ما دفعه الى استدعاء مصمميه وفقأ اعينهم كي لايصمموا مثيلا لها، وكان ايفان الرهيب ذاته قد امر ببناء الكاتدرائية في ذكرى انتصاره على التتار والاستيلاء على قازان، ولا تزال الى يومنا هذا تحفة بديعة تتصدر المعالم التاريخية لروسيا. فهي بقبابها العشر نموذج معماري متجانس لتسع كنائس تحوي بين جنباتها ما يزيد على اربعمئة من اقدم ايقونات التاريخ المسيحي في العالم، ويوجد بالقرب منها “متحف تاريخ الدولة” وتمثال البطلين الروسيين كوزما مينين ودميتري بوجارسكي اللذين حررا موسكو من المحتلين البولنديين.

يذكر انه يوجد في الساحة الحمراء العديد من الكاتدرائيات ذات القباب الذهبية المعروفة نذكر منها “كاتدرائية اوسبينسكي”، التي كان فيها يتم تنصيب القياصرة، و”كاتدرائية ارخانجلسك”، التي تضم قبور ورفات عدد من قياصرة روسيا منذ القرن السادس عشر.

ولا تزال الساحة الحمراء المكان الذي تتحد فيه كل ذكريات تاريخ موسكو، ويعتبرها الروس الجميلة الآسرة التي تجذب اكثر من مليوني سائح سنويا.

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!