حرب القرم وبداية اللعبة الكبرى


ألكسندر دوغين

حقبة الإسكندر الأول، أو بالأحرى، ما أطلق عليه في عام 1813، “بداية اللعبة الكبرى في تاريخ العلاقات الدولية”. هكذا، وصف الجاسوس الإنجليزي آرثر كونولي التنافس بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية من أجل التفوق في آسيا الوسطى في الفترة (1813-1907). وفي وقت لاحق ارتبطت هذه الظاهرة مع التاريخ الاستعماري البريطاني في الهند، ونشرت من خلال الكاتب البريطاني “روديارد كيبلينغ”.
وإلى جانب المعنى الضيق، فإن هذا المفهوم يمكن أن يفسر على نطاق أوسع. ويمكن استخدام هذا المصطلح لوصف المواجهة العالمية بين بريطانيا الأرستقراطية وروسيا الكبرى. في هذه الحالة، علينا أن نتناول ليس فقط الأحداث في الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى، ولكن أيضا كل الأحداث المهمة في السياسة الدولية في القرن ال19 التي أثرت على المصالح الحيوية لروسيا وانجلترا. في الواقع، فإن اللعبة الكبرى هي الحرب العظمى بين القارات، بين حضارة الأرض وحضارة البحر، وهذا هو المحتوى الرئيسي من تاريخ الجيوسياسة في العالم. ومع ذلك، تعتبر هذه المواجهة بين “الأرض والبحر” خلال اللعبة الكبرى في فترة تاريخية معينة (القرن الـ 19)، بين اثنين من الفاعلين السياسيين الرئيسيين: الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الروسية.
كان دافع الإمبراطورية الروسية لتوسعها في الشرق رسميا، الرغبة في “تمدين الشعب المتخلف في آسيا الوسطى”، للوصول إلى السلع في آسيا الوسطى، وخاصة القطن، ولوقف هجمات السكان الأصليين على أراضيها. بريطانيا، المستعمر الأكبر، تخشى احتمال خسارة الهند وتعزيز الإمبراطورية الروسية موقعها على الساحة العالمية، عن طريق وصولها إلى المحيط الهندي عبر بلاد فارس وأفغانستان، والاستيلاء على أراض جديدة. كان الاستعمار الروسي منذ قرون تأكيدا عمليا لهذه الحقيقة.
منذ عام 1813،  كان السياسيون البريطانيون يراقبون بقلق النجاحات العسكرية للجيش الروسي ضد بلاد فارس، والانتهاء من التوقيع على معاهدة “كلستان” ومعاهدة “تركمانجاي”. ضمت روسيا أراضي أرمينيا الحديثة وأذربيجان. كان الجيش البريطاني يعمل على تدريب وإعادة تجهيز الجيش الفارسي، وتزويد المتمردين الشركس بالأسلحة. وكان “العصب” الرئيسي للتصادم بين روسيا وإنجلترا على الحدود الجنوبية لروسيا، التي تقع على مقربة من المستعمرات الإنجليزية أو الأراضي التي كان فيها النفوذ البريطاني القوي.
توسع الإمبراطورية الروسية في آسيا الوسطى والقوقاز في بداية القرن الـ 19 والوجود العسكري والسياسي للمصالح الروسية اصطدم مع القوة البريطانية في المنطقة. بريطانيا، في المقام الأول، تهدف إلى الاحتفاظ والتوسع في أراضي الهند البريطانية. جاء البريطانيون إلى الهند في أوائل القرن الـ 17 وأسسوا شراكة الهند الشرقية. وبحلول نهاية القرن الـ 18، تحولت كل الهند فعلا إلى مستعمرة البريطانية.
كان هناك قوة واحدة فقط في وجه الهيمنة البريطانية على العالم،  وهي روسيا. وقعت المواجهة المباشرة بين البلدين في ظل القيصر الروسي الثاني نيكولا الأول، وكان الأخ الأصغر لالكسندر الأول، وكانت أكثر الفترات المثيرة في اللعبة العظيمة هي حرب القرم.
السياسة الخارجية لنيكولا الأول:
كان الجانب المهم من جوانب السياسة الخارجية لنيكولا الأول هو العودة الى مبادئ التحالف المقدس. في ذلك الوقت، كان دور روسيا يتزايد في معارضة الإصلاحات البرجوازية في الحياة الأوروبية.
بعد اعتلائه العرش، واجه انتفاضة نيكولا الأول ديسمبر، التي حاولت الإطاحة بالنظام الملكي وإقامة شكل جديد من النظام السياسي تحت تأثير الثورية والديمقراطية والأفكار الجمهورية (الأفكار التي تم الحصول عليها من المحافل الماسونية السرية) . وكانت مجموعات مختلفة من الثوريين لديهم مشاريع متنوعة تحمل نفس الهدف النهائي. عرض مشروع مجتمع الشمال أفكار الملكية الدستورية مع توسيع صلاحيات النبلاء، ودعت إلى استبدال استبداد الأرستقراطيين بالحكومة مع الحفاظ على ملكية الأرض. وقدم “بيستل”، وهو أحد الناشطين في جمعية الجنوب، نموذجا أكثر تطرفا،  وكان يسمى (الحقيقة الروسية). يطالب بالقضاء التام على التقسيم الطبقي، وإدخال نظام انتخابي وطني للحكم، وإلغاء العبودية، وتحرير الفلاحين. أفكار “بيستل” أعادت إنتاج نموذج الديمقراطية البرجوازية من الدول الأوروبية.
قمع الانتفاضة أعطى عهد من نيكولا الأول مناخ “المحافظة” وشكل رفضه الحاد لأي إصلاحات ثورية وبرجوازية. لذلك، واصل نيكولا دعم فكرة التحالف المقدس، التي أعلنت من قبل أخيه الكبير.
بناء على طلب من الإمبراطورية النمساوية، أخذت روسيا على عاتقها المشاركة في قمع الثورة المجرية عن طريق إرسال 140 ألف جندي الى هنغاريا، التي كانت تحاول تحرير نفسها من الظلم النمساوي. وكانت النتيجة الحفاظ على عرش فرانز جوزيف. إلا أن ذلك لم يوقف الإمبراطور النمساوي، الذي كان قلقا بشأن تعزيز موقف روسيا في منطقة البلقان، في أن يصطف ضد نيكولا أثناء حرب القرم، وحتى هدد بالانضمام إلى الحرب إلى جانب التحالف المعادي لروسيا. نيكولا اعتبر هذا “خيانة ونكرانا للجميل”. وتم إنهاء العلاقات الروسية النمساوية حتى نهاية كل الملكيات.
وأولى نيكولا الأول اهتماما خاصا بمسألة السياسة الخارجية “الشرقية”. روسيا، في ظل نيكولا الأول، تخلت روسيا عن خطة لإجراء تقسيم الإمبراطورية العثمانية، التي تمت مناقشتها في عهد (كاترين الثانية وبولس الأول)، وبدأت في تنفيذ سياسة مختلفة تماما في البلقان لحماية السكان الأرثوذكس وضمان حقوقهم الدينية والمدنية، مما يجعلهم كتلة مستقلة سياسيا. وقد طبقت هذه السياسة للمرة الأولى من خلال اتفاقية “اكيرمان” مع تركيا في 1826. وبموجب هذه الوثيقة، فإن مولدافيا والتشيك، تبقيان جزءا من الإمبراطورية العثمانية، ولكن لهما الحق في الحكم الذاتي السياسي مع الحق في انتخاب حكومتهما.  بعد نصف قرن من هذا الحكم الذاتي، تأسست دولة رومانيا وفقا لمعاهدة سان ستيفانو في عام 1878، فضلا عن إمارة صربيا وفقا لمعاهدة أدرنة في عام 1829، والمملكة اليونانية تحت نفس الوثيقة وبروتوكول لندن في عام 1830.
وبالإضافة إلى ذلك، سعت روسيا لضمان نفوذها في البلقان واستخدام البوسفور والدردنيل بحرية. خلال الحروب الروسية التركية في فترة مابين 1806-1812 (في ظل الكسندر الأول) وفترة 1828-1829 (في عهد نيكولا الأول) نجحت روسيا في تنفيذ استراتيجية الانسحاب التدريجي من مناطق معينة من النفوذ العثماني. وأعلنت روسيا نفسها راعية لجميع المسيحيين في أراضي السلطان، مما اضطره للاعتراف بحرية واستقلال اليونان واستقلال صربيا (1830)؛ ويرجع ذلك إلى معاهدة “هنكار إسكله سي” (1833)، التي شهدت أوج النفوذ الروسي في القسطنطينية، وكانت لروسيا الحق في منع مرور السفن الأجنبية في البحر الأسود (الذي خسرته في عام 1841). وهذه هي الأسباب، فضلا عن دعم المسيحيين الأرثوذكس في الإمبراطورية العثمانية، أدت إلى تدهور علاقات روسيا مع تركيا في عام 1853. وكانت النتيجة بداية الحرب. وشهدت بداية الحرب مع تركيا النصر المؤزر للأسطول الروسي تحت قيادة الأدميرال “ناخيموف”، الذي هزم الأتراك في “سينوب”.
تم حل النزاع بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا في لعبة دبلوماسية معقدة مع فرنسا وإنجلترا والنمسا. وكان رئيس دولة النمسا “مترنيخ” يشعر بقلق من حركة تحرير الدول التي كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية بسبب العداء العام للتحول البرجوازي الديمقراطي والوطني. وكان معارضا للإصلاحات البرجوازية في فرنسا والهيمنة البريطانية. لذلك كان ضد نشاط كل من الفرنسيين والبريطانيين والروس في دول الإمبراطورية العثمانية (اليونان وصربيا وبلغاريا، الخ).
دعم الفرنسيين والبريطانيين حركات التحرر الوطني لشعب البلقان، ولكنها كانت قلقة أن تصبح هذه الدول أرثوذكسية وبالتالي جزءا من منطقة النفوذ الروسي، حيث أن الغالبية العظمى منها اعترف بهذا الدين. لذلك، وبالترافق مع المواجهة بين البلدين، كانت المؤامرات ضد روسيا. ويجب أن نأخذ في الاعتبار أنه بعد هزيمة نابليون، تغيرت السياسة الفرنسية تغيرا كبيرا وانتقلت تدريجيا من كونها مضادة لبريطانيا إلى موالية لها. وكان التقارب بين باريس ولندن على أساس اجتماعي خطير: كانت القوتان الأوروبيتان في طليعة عملية الإصلاح البرجوازي الديمقراطي، وتحرير الاقتصاد، والزيادة المطردة لدور الطبقة الثالثة في الحياة السياسية. وارتبط تشكيل المحور الأنجلو-فرنسي تدريجيا مع التوجه الجيوسياسي نحو ( الامبراطورية البحرية).
حرب القرم
تسببت النجاحات العسكرية الروسية في تركيا بردود أفعال قوية من قبل الإمبراطوريات البحرية مما أدى لتشكيل تحالف بريطاني فرنسي ضد البحرية الروسية وضد الدولة الروسية. على كل حال فقد تغيرت أوضاع الدول. فرنسا لم تعد أرض الحضارة (بعد حرب سنوات السبع وتحت حكم نابليون) ولكن كانت مع بقية الإمبراطوريات البحرية التي تمثل إنكلترا قطبها. لا يمكن تغيير هوية روسيا وهي تحاول التوسع باتجاه الجنوب والجنوب الغربي وقضم ما تستطيعه من الإمبراطورية العثمانية المتداعية. الإمبراطورية النمساوية كانت تمثل القطب السلبي المعتدل في حفظ الجغرافيا السياسية بما يتناسب مع أفكار متنريخ وتمسكه ببرنامج التحالف المقدس. (إن إسقاط النظام الملكي في فرنسا في عام 1830 والثورات في بلجيكا وبولندا أجبر النمسا وروسيا وبروسيا لتأكيد التزامهم بقواعد الاتحاد المقدس، الذي أكد من بين الأمور التي أكدها على ضرورة التمسك بقرارات مؤتمر ميونيخ للأباطرة الروسي والنمساوي مع ولي العهد البروسي في عام 1833).
أصبحت تركيا الدولة التي تملك قوات برية تحت ضغط من جميع الجهات سواء من الداخل أو من الخارج، جعل منها هدفا مرغوبا فيه لكثير من القوات الأجنبية. لذلك فإن الطموحات الجيوسياسية كانت تركز بدقة على الجغرافيا السياسية الموضوعية والقوانين الجيوسياسية الأساسية.
في سياق اللعبة الكبرى بين إنجلترا وروسيا، كإمبراطوريتين بحرية وبرية، تم تشكيل ميزان القوى عشية حرب القرم. روسيا كانت في وضع صعب فهي تواجه ائتلافا بحريا كبيرا وليس لديها حليف موثوق في أوروبا. للأسف تركت النمسا روسيا في وقت صعب، بينما كانت فرنسا وبريطانيا إلى جانب تركيا، مما أدى لإضافة عنصر استراتيجي مهم للجبهة المعادية لروسيا. من وجهة نظر جيوسياسية كان نجاحا دبلوماسيا باهرا لبريطانيا فقد تمكنت من عزل روسيا عن جميع الحلفاء الممكنين، مما سيؤدي لتحقيق المزيد من الفوائد الإستراتيجية لبريطانيا.
في عام 1854، انضمت بريطانيا وفرنسا في الحرب إلى جانب تركيا ضد روسيا .
أخذت الأحداث العسكرية الرئيسية الأبرز مكانا في شبه جزيرة القرم. في أكتوبر 1854، حاصر الحلفاء سيفاستوبول. وعانى الجيش الروسي من سلسلة من الهزائم ولم يكن قادرا على تقديم المساعدة للمدينة المحاصرة. وعلى الرغم من الدفاع البطولي من قبل المدينة، بعد حصار دام 11 شهرا، في أغسطس 1855، اضطر المدافعون في سيفاستوبول للاستسلام.
في أوائل عام 1856، بعد وفاة نيكولا الأول واستلام الكسندر الثاني، تم التوقيع على معاهدة باريس في نهاية حرب القرم. ووفقا للشروط، لايمكن لروسيا أن تنشر قواتها البحرية في البحر الأسود، أو وضع ترسانات وحصون. وأصبحت روسيا ضعيفة في المنطقة ولم تعد قادرة على إجراء مزيد من سياستها.
كانت حرب القرم هزيمة ثقيلة لروسيا والقطب (البري) وبالتالي انتصارا كبيرا لإنجلترا ( القطب البحري).

Author: Hassan Khazaal

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!