ناشيونال انترست: عقيدة «سلمان».. ماهو الرد السعودي على ضعف أوباما؟


أوباما تخلى عن العالم العربي، غير أن الرياض مستعدة لملء الفراغ

بعد أن قدم جيفري جولدبرج في مقال له مؤخرًا شرحًا مسهبًا لعقيدة الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول سياسته الخارجية، بات واضحًا الآن أكثر من ذي قبل بأن أمريكا والسعودية في مسار تصادم حول القرارات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

السبب في ذلك هو أن “عقيدة أوباما” تتناقض تمامًا مع “عقيدة سلمان” الجديدة  التي تتبناها المملكة لتستعيد السلام والاستقرار في المنطقة بأسرها.

وبينما ستستفيد السعودية وحلفاؤها كثيرًا من وقوف الولايات المتحدة في صفهم، لكن واشنطن ستخسر كثيرًا إن هي نأت بجانبها عن الأجندة السعودية. فمنذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها والنفوذ الأمريكي ومكانتها في العالم العربي تعتمد كثيرًا على “العلاقة الوطيدة” مع المملكة.

كان الرئيس أوباما قد عبر عن عقيدته منذ أولى دعايات حملته الانتخابية حين قال إن “الولايات المتحدة لا تستطيع استخدام قوتها العسكرية لحل المشاكل الإنسانية”، وهو ما يفسر ما اتخذه من قرارات، بعدم التدخل العسكري للإطاحة بالأسد بعدما تجاوز “خطه الأحمر” الذي رسمه باستخدامه للأسلحة الكيماوية على شعبه، والإذعان لطموحات إيران الإقليمية وإبرام صفقة نووية معها، والسماح بتنامي الميليشيات الشيعية في العراق، وتفادي الضغط على إسرائيل في القضية الفلسطينية، فضلاً عن التساهل مع تنظيم داعش لأنه “لا يشكل تهديدًا لكيان الولايات المتحدة”.

وأظهر مقال جولدبرج بوضوح أن “عقيدة أوباما” لا تمثل تردد أوباما الكبير حيال التدخل العسكري فقط، بل إنها تكشف أيضاً تخليه التام عن العالم العربي ودعمه المعلن لإيران القوية.

أن الطريقة الأمثل لإظهار نظرة مغايرة عن عقيدة أوباما، هي “عقيدة سلمان”، حيث تعتقد القيادة السعودية ضرورة الإطاحة بالأسد من السلطة، وينبغي الحد من طموحات إيران النووية، وأن المليشيات الشيعية في العراق وسوريا ولبنان واليمن تنظيمات إرهابية يجب تدميرها، وأن العالم يجب أن يعترف بدولة فلسطينية، وأن على العالم ألا يألو جهدًا في مكافحة تنظيمي داعش والقاعدة.

وفي مركز معظم هذه الاختلافات العقائدية يكمن التأكيد السعودي على أن إيران هي جذر العديد من المشاكل الأمنية التي تعصف بالشرق الأوسط حاليًا. إذ أن تأكيد أوباما على أن السعودية ينبغي أن “تشارك” المنطقة مع إيران فهو أمر شديد السذاجة، إذا ما أخذنا في الاعتبار دعم إيران غير المحدود للإرهاب.

هنالك ثلاثة عناصر على المرء استيعابها كي يفهم عقيدة سلمان، فهي لم تولد فجأة بل جاءت بناء على تقييم صلب للتاريخ، وعليه تهدف لإحداث تغيرات هامة وحقيقية في العالم.

أولى هذه العناصر أن عقيدة سلمان بزغت من الحاجة لوجود استراتيجية بعدما تزايد انسحاب الإدارة الأمريكية من المنطقة نتيجة لعقيدة أوباما.

ثانياً، مثلما أن آراء أوباما متجذرة في التاريخ الأمريكي، كذلك فإن آراء الملك سلمان مترسخة هي الأخرى في التاريخ العربي، ولذلك لا نية لدى الملك بالسماح لإيران – التي تسعى لإعلاء يد أقليتها الشيعية فوق العالم الإسلامي بأسره – بأن تهدد 1400 عام من السيادة الإسلامية السنية.

وأخيرًا، إن عقيدة سلمان مستندة إلى دعائم شاملة وتطورات جذرية في الجيش السعودي وسياسة الدولة ونظام التحالف العربي. وبالفعل فعندما ينظر المرء عن كثب على جهود المملكة وحلفائها المبذولة لردع الفوضى في المنطقة – أغلبها تدعمه إيران – تكشف أن عقيدة أوباما وفلسفته تحرم الولايات المتحدة وتعزلها عن تحالف دولي آخذ في النمو قوامه دولٌ اتحدت في مبادئها ونظرتها – تحالفٌ تشكل وتبلور في العالم الإسلامي.

إن التوسع العسكري الذي حدث خلال الخمس سنوات الماضية جرى بوتيرة غير مسبوقة، فقد التزمت المملكة بما يقارب ١٥٠ مليار دولار لتوسيع منظومة الدفاع، كما أنها ستزداد بقيمة ١٠٠ مليار دولار خلال الخمس سنوات المقبلة.

ويخوض الجيش السعودي مع قوات حلفائه معارك عديدة في المنطقة، كتلك التي استدعت نشر الجيش في البحرين عام 2011، فضلاً عن الوضع الراهن في اليمن في مواجهة عملاء إيران هناك. وبالإضافة إلى ذلك فإن سلاح الجو السعودي ونظراءه من دول عربية حليفة معينة جميعها تعمل ضمن منظومة التحالف الدولي ضد داعش في سوريا، ومن الممكن أن تمتد هذه الجهود لتغطي العراق في المستقبل القريب.

أعلنت المملكة أخيراً عن التحالف الإسلامي ضد الإرهاب والذي يتألف من 34 دولة. وتعد باكستان ومصر وتركيا وماليزيا ونيجيريا من بين دول التحالف الرئيسية. وقد استكمل ذلك التحالف مناوراته العسكرية الكبرى والمعروفة باسم “رعد الشمال” بالقرب من مدينة حفر الباطن العسكرية السعودية، حيث تم تدريب 150 ألف جندي من 20 دولة إسلامية على سيناريوهات المعارك المحتملة.

وبينما يركز التحالف على تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، فإنه يمارس تدريباته أيضًا من أجل القيام بهجمات محتملة على العراق وسوريا بهدف القضاء على الميليشيات الشيعية المتنامية هناك. وقد تجاهلت إدارة أوباما طويلاً هذه الجماعات الإرهابية الموالية إيران، التي تمتلك ترسانات أسلحة هائلة ونحو 75 ألف مقاتل غير نظامي، رغم كونها تمثل خطراً إقليميًّا كبيرًا. وقد أصبح الأمر مسألة وقت فقط قبل أن يضطر التحالف السعودي إلى بدء عملياته العسكرية ضد هذه الجماعات الإرهابية في الأراضي السورية والعراقية.

وقد تحول ما يسمى “الربيع العربي”، الذي فاجأ إدارة أوباما ومنحه دعمه التكتيكي لاحقاً، إلى كارثة كبرى. ففي أعقابه، تخلى أوباما انطلاقا من “عقيدته” عن التدخل العسكري في المنطقة، مما أدى إلى تفاقم الفوضى وإراقة الدماء. ولملء هذا الفراغ القاتل، كان على السعودية وحلفائها محاولة فرض النظام في منطقة تعاني من كوارث الدول المتهاوية وتنظيم داعش والوكلاء الإيرانيين.

ومع ذلك، توشك فترة حكم الرئيس أوباما على الانتهاء. ومن المأمول أن تتخذ الإدارة الجديدة توجهًا أكثر واقعية وإيجابية نحو الدور الهام للولايات المتحدة في الحفاظ على الاستقرار في أهم أقاليم العالم من الناحية الاستراتيجية.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!