المليشيات.. مجموعات مناهضة لـ”المؤامرة الدولية” على الولايات المتحدة


يختلف مفهوم المليشيات في الولايات المتحدة عن غيرها من دول العالم؛ فرغم أنه بات مرتبطًا بجماعات مسلحة غير قانونية، إلاّ أن الوضع مختلف بالنسبة لأمريكا التي يرتبط فيها اسم هذه المجموعات بـ”الإصلاح المعاصر”.

والمفهوم العالمي السائد للمليشيا، هو وجود مجموعة من الناس تقوم بتسليح نفسها ولا تتبع الدولة أو تتمرد عليها، لكنها في الولايات المتحدة تحظى بحماية وغطاء من بعض القوى السياسية، ويوجد بينها وبين الدولة اتفاقات شفوية تسمح لها بالتسلح ضمن حدود.

مبررات ظهورها وتاريخها

أستاذة الدراسات الدولية والخبيرة المختصة في الجماعات المسلحة، “كارولاين غالاهر”، نسبت ظهور تلك الجماعات في الولايات المتحدة إلى الحقبة التأسيسية الأولى للبلاد، مع قدوم المهاجرين الأوائل الذين يعرفون بـ”المستوطنين”.

وأضافت قائلةً “لم تكن لديهم في تلك الفترة قوات لحمايتهم، مما اضطرهم إلى إنشاء قوى للشرطة من أجل تأمين مستوطناتهم”.

وتعتقد أن “ما نراه اليوم (من مليشيات) لا علاقة له بالماضي، فحسب اعتقادي، أن ذلك بدأ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، وهي أشبه بحركة اجتماعية لا علاقة لها بالحماية (تأمين المستوطنات)”.

وبحسب “غالاهر”، فإن فلسفة المليشيات السائدة اليوم أساسها “الاعتقاد بطغيان الحكومة، وامتلاك الدولة لسلطات على حياة الفرد ومقدراته”.

لكن الشبه بين مليشيات الحقبة الأولى، والحالية أن كليهما “غير رسميتين ولا تخضعان لسيطرة الحكومة أو أي جهة، ولا يحكمهما كيان لتنظيم شؤونهما، وتستقويان على المستضعفين ومن لا يوافقهم الرأي”، بحسب “غالاهر”.

وتضيف، “المليشيات في الولايات المتحدة تختلف عن المفهوم التقليدي لتلك الموجودة خارجها، فهي تتشابه معها من حيث وجود مجموعة من الناس تقوم بتسليح نفسها ولا يتبعون الدولة”.

مصدر قوتها وحدود انتشارها

وتستدرك الخبير المختصة القول، “لكنهم في الولايات المتحدة تصرفوا كحركة اجتماعية، بل أنهم لديهم التغطية أو الحماية من قبل بعض القوى السياسية، والشرطة أحيانا”.

وترى أن النسبة الأكبر من التعاطف الذي تحظى به، مصدره “بعض العناصر في الحزب الجمهوري (الأمريكي)، إذ تتبنى هذه المليشيات خطابا معاديا للحكومة، وهو ما تعتبره عاملا يقرب من وجهات نظر الطرفين”.

وتلفت “غالاهر” إلى وجود نوع من الاتفاقات غير المكتوبة بين المليشيات والسلطات في أمريكا، تتلخص في سماح الدولة لهؤلاء بامتلاك السلاح وتخزينه، لكن ضمن حدود لا يجب تجاوزها.

إلا أنها تؤكد أن الحال تغير كثيرا بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، إذ أصبحت الأجهزة الأمنية الداخلية الأمريكية تركّز على الجماعات المسلحة ونشاطاتها.

وحسب اعتقاد “غالاهر” فإن المليشيات الأمريكية في الوقت الحاضر، يغلب عليها العرق الأبيض، “ومن الصعوبة أن يشكّل غير البيض مثل هذه الجماعات”.

وترى أن جماعات مثل الجمعية الوطنية للبنادق (جماعة ضغط خاصة) “نشاطها ينحصر في معارضة وجود حكومة موسعة تتصرف بنوع من الطغيان أو تحاول تأسيس نفوذ مبالغ في حجمه، لكنهم ليسوا قلقين من اضطهاد الدولة للأقليات”.

أيديولوجيا المليشيات

تبني المليشيات الأمريكية معتقداتها على نظرية “الخوف من العولمة”، التي بدأت الانتشار منذ ثمانينات القرن الماضي، على حد تعبير الأستاذة الأمريكية.

وتتمثل هذه النظرية في الاعتقاد بأن الحكومة الأمريكية تعمل بالتنسيق مع “وول ستريت” (الشارع المالي في نيويورك)، من أجل إضعاف الولايات المتحدة، عن طريق نقل ثروات العالم الأول إلى دول العالم الثالث.

وتضيف أن هذه المليشيات تعتقد “أن هناك قوى خارجية شائنة تحاول الاستيلاء على الولايات المتحدة، وأن الحكومة الأمريكية تم اختيارها من قبل النظام العالمي الجديد”.

وتفسر “غالاهر” الأسس التي استقى منها “اليمينيون” نظريتهم، على أنها مستخلصة من “خطاب معاد للسامية يعود لحقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية، والتي تدعي أن اليهود يحاولون السيطرة على العالم واستخدامه لتكديس ثرواتهم”.

إلا أنها تؤكد أن الكثير من أعضاء المليشيات لا يعلمون برابط نظريتهم هذه، حتى أنها تقول إنهم “يقفون بشكل عام على الضد من النازيين الجدد، واليمين البديل”.

وتتابع “غالاهر” القول إن “معظم الميليشيات لا يتقبلون النازيين الجدد، ولا يطالبون بأمة من البيض، لكنهم قد يفضّلون الأخيرين في المجتمع على غيرهم، وهم يؤمنون أن بعض الخطوات قد تكون كفيلة بفعل ذلك”.

الفئات العمرية والعلاقات الاجتماعية

وثمة فرق آخر يتمثل في العمر؛ فبينما تجد أن “النازيين الجدد” على مستوى العضوية، من الشباب العشريني، تجد في الوقت نفسه أن المليشيات والتي تمتلك تاريخا أقدم، يضمون الكثير من كبار السن، من بينهم المشاركين في حرب فيتنام”.

وعلى الرغم من أن المليشيات الأمريكية تقيم بين فترات معسكرات تدريب، فإن أحد الصحفيين الأمريكيين وصف الوضع لمراسل الأناضول بأنه “أشبه ما يكون برحلة للتعارف، يصطحبون فيها عوائلهم ويجلسون للشرب والشواء”.

ويُفيد الصحفي الذي طلب عدم ذكر اسمه، بأن المليشيات المسلحة هنا ليست جدية في كونها خارجة على الدولة كما هو حال المنظمات الإرهابية وغيرها، بل أشبه بنوادٍ اجتماعية غير رسمية للمسلحين.

إحصاءات

وطبقا لإحصاءات مركز “ساذرن بوفرتي” المتخصص بمراقبة جماعات الكراهية والعنصرية، فإن 2016، سجّل 623 جماعة متطرفة معادية للحكومة، بينها 165 مليشيا، وذلك بتراجع كبير عن 2012 التي سجّلت ألف و360 مجموعة.

ويؤكد المركز أن وجود الجماعات في هذا التصنيف لا يعني أنها “مشترِكة أو تدعو إلى العنف أو أي نشاط إجرامي أو عنصري”.

وبحسب المركز نفسه، فإن عام 1996 سجّل 858 جماعة معادية للحكومة، بعد سنة واحدة من قيام “تيموثي مكغفي” بتفجير مبنى فيدراليا في مدينة اوكلاهوما (شرق).

وفي أبريل/نيسان 1995، فجر “مكغفي” شاحنة مفخخة أمام مبنى “الفرد موراه” الفيدرالي وسط مدينة اوكلاهما، مما أدى إلى مقتل 168 شخصا، وخسائر بلغت 652 مليون دولار أمريكي.

وطبقا لـ”غالاهر” فإن أحداث “ويكو” و”روبي ريدج”، كانت جزءًا من الدعاية التي استخدمت لاحقا من الجماعات المعادية للحكومة والمليشيات لضم المزيد من المتطوعين، وتعزيز الخوف لدى شريحة معينة من الناس من تعاظم سلطة الحكومة.

وفي ويكو، حاصرت السلطات الفيدرالية وشرطة ولاية تكساس إحدى الجماعات الدينية المتشددة التي كانت تخزّن السلاح، مدة 51 يوما، انتهت بقتل 76 شخصا بينهم أطفال ونساء.

وقتل في حادثة “روبي ريدج” 3 أشخاص وكلب العائلة؛ بينهم عنصر في قوة المارشال الأمريكية، بعد حصار استمر 11 يوما سنة 1992.

الجدير ذكره، أن الدستور الأمريكي يحتوي في موضعين منه على ذكر المليشيات، لكن هذا الاستخدام يشار به إلى القوات المسلحة التابعة للولايات.

أثير كاكان/ الأناضول

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!