“ليسوا إخواننا” خطاب الكراهية الصادر عن المسؤولين السعوديين


تعود أصول المملكة العربية السعودية إلى اتفاق 1744 بين الزعيم الديني محمد بن عبد الوهاب، وعائلة آل سعود، الذي تمكّنت بموجبه الحركة الوهابية من مساعدة الحكام السعوديين من توسيع حكمهم السياسي مقابل فرض تعاليمها الدينية. تغيرت موازين القوى بين الأسرة المالكة في السعودية ورجال الدين على مر الزمن، لكن علماء الدين استمروا في ممارسة نفوذ وتأثير مباشرين على سياسات الدولة السعودية، خاصة في قطاعات العدل والتعليم.

سمحت الدولة السعودية منذ إنشائها لرجال الدين والعلماء الذين تُعيّنهم الحكومة بنعت المواطنين الشيعة بنعوت مهينة أو بشيطنتهم في الوثائق الرسمية والأحكام الدينية، مما يؤثر على صنع القرار في الحكومة. في السنوات الأخيرة، استخدم رجال الدين التابعين للحكومة وغيرهم الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لشيطنة المسلمين الشيعة وغيرهم ممن لا يتفق مع وجهات نظرهم، وللتحريض على الكراهية ضدهم.

يوصف رجال الدين الممولين من قبل الدولة، والذين يتبعون بصفة عامة المذهب الحنبلي، بـ “الوهابيين”، نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب، أو “السلفيين”.  السلفية حركة داخل الإسلام السني انتشرت في شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن 18، وهي تدعو إلى العودة إلى تقاليد “السلف الصالح”. هناك نقاش أكاديمي وسياسي كبير بشأن هذه المصطلحات واستخدامها، وكذلك العلاقة بينها وبين مجموعة من الحركات الدينية السياسية السنية، بما في ذلك الأيديولوجيات السلفية الجهادية التي غذت الجماعات المسلحة مثل تنظيم “القاعدة” وتنظيم “الدولة الإسلامية” (“داعش”). هذا النقاش هو خارج نطاق هذا التقرير، لكن هناك المزيد حول هذا الموضوع في المواد المذكورة في الحواشي.

أثّرت هذه العقيدة والممارسة الإسلامية “الصفائية” برعاية سعودية في المسلمين في أنحاء العالم، لكن من الخطأ الاعتقاد أنها لا تواجه الرفض مُطلقا. كثير من السنة يعتبرون هذا النوع من الإسلام متعصبا ومتطرفا. تمثل الصوفية على وجه الخصوص مذهبا يحظى منذ زمن طويل بشعبية كبيرة بين السنة والشيعة على حد سواء، وتتشارك مع الإسلام الشيعي في ممارسات عديدة، مثل تبجيل عائلة الرسول والأولياء الصالحين. لذلك، فإن الصوفية كانت هدفا رئيسيا لخطاب الكراهية والتعصب السعودي، شأنها في ذلك شأن المذهب الشيعي.

يمنع القانون الدولي لحقوق الإنسان “[أية] دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف”. كان الالتزام بهذا الحظر من قبل الدول متفاوتا على مر السنين، وأحيانا يُستخدم كذريعة لتقييد التعبير القانوني أو لاستهداف أقلية ما. لمعالجة هذه المشكلة، اقترح الخبراء في السنوات الأخيرة اختبارا من 6 أجزاء لتحديد ما إذا كان ممكنا تقييد خطاب معين قانونيا، بما في ذلك سياق الخطاب، منصب ووضع المتكلم، نية الخطاب، محتواه، شكله، وتقييم الضرر الذي قد يتسبب فيه.

بهذه الصيغة، يبلغ خطاب علماء الدين السعوديين ضد الشيعة الموثق في هذا التقرير أحيانا مستوى خطاب الكراهية أو التحريض على الكراهية أو التمييز. هناك تصريحات أخرى لعلماء دين سعوديين موثقة في هذا التقرير لا ترقى إلى مستوى خطاب الكراهية أو التحريض على الكراهية أو التمييز، ولكن مع ذلك ينبغي نبذها والتصدي لها من قبل السلطات السعودية. نظرا لتأثير هؤلاء العلماء، فإن هذه التصريحات المعادية للشيعة هي أساسية في تطبيق السعودية لنظام يميز ضد المواطنين الشيعة. يحدث هذا التمييز في مختلف المجالات، بما في ذلك عدم السماح للشيعة السعوديين ببناء دور العبادة خارج المناطق ذات الأغلبية الشيعية وهي محدودة، فرض نظام قضائي متحيز ضد الشيعة في كثير من الأحيان، ومناهج تعليم تشوه صورة المعتقدات والممارسات الدينية الشيعية.

يشير رجال الدين في كثير من الأحيان إلى الشيعة بمصطلحات مهينة مثل “الرافضة” و”الروافض”، ويُحقّرون معتقداتهم وممارساتهم. أدانوا أيضا الاختلاط والزواج بين السنة والشيعة. رد عضو حالي بـ “هيئة كبار العلماء” السعودية، وهي أعلى هيئة دينية في البلاد، خلال جلسة علنية على سؤال حول المسلمين الشيعة بالقول: “هم ليسوا إخواننا… هم إخوان الشيطان…”.

أدان مفتي السعودية السابق عبد العزيز بن باز، الذي توفي عام 1999، الشيعة في فتاوى عديدة. بقيت فتاوى بن باز وكتاباته متاحة للعموم على الموقع الإلكتروني لـ “اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء”. تبقى تلك المواد مؤثرة، وفي كثير من الأحيان تستشهد بها قرارات المحاكم السعودية التي تتبع الشريعة الإسلامية.

يستخدم بعض العلماء لغة تآمرية عند مناقشة موضوع شيعة السعودية، فينعتونهم بالطابور الخامس الداخلي التابع لإيران، وبأنهم خونة بطبيعتهم.

بالإضافة إلى العلماء التابعين لها، فإن الدولة تسمح لرجال الدين الآخرين بتوظيف أتباعهم ذوي الأعداد الهائلة على وسائل التواصل الاجتماعي – يُعد بعضهم بالملايين – ووسائل الإعلام لوصم الشيعة دون عقاب.

بالإضافة إلى تصريحات علماء الدين، فإن التحيز ضد شيعة السعودية يمتد إلى النظام القضائي الذي تتحكم فيه المؤسسة الدينية، ويُخضع الشيعة في كثير من الأحيان لمعاملة تمييزية أو تجريم تعسفي لممارساتهم الدينية. في عام 2015 مثلا، حكمت محكمة سعودية على مواطن شيعي بالسجن لمدة شهرين و60 جلدة لاستضافة صلاة جماعة خاصة في منزل والده في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية، وهي مدينة لا تسمح السلطات السعودية ببناء مساجد شيعية فيها. في عام 2014، أدانت محكمة سعودية رجلا سنيا بتهمة “مجالسة الشيعة”.

تستخدم مناهج وزارة التعليم السعودية أيضا خطابا معاديا للشيعة. فمنهج الدين للعام الدراسي 2016-17 لا يذكر الشيعة بالاسم، بل يستخدم لغة ضمنية لوصم الممارسات الدينية الشيعية بأنها شرك أو غلوّ في الدين (أي مبالغة فيه). توجّه كتب التربية الدينية السعودية هذه الانتقادات على وجه الخصوص لممارسة الشيعة لزيارة القبور والأضرحة وتبجيل الشخصيات الدينية المهمة أو عائلة الرسول، وكذلك التوسل أو طلب الشفاعة، حيث يدعو الشيعة الرسول أو أحد أفراد عائلته كوسطاء بينهم وبين الله.  تقول الكتب الدراسية إن هذه الممارسات، والتي يراها كل من سنة السعودية وشيعتها على أنها شيعية، تجعل صاحبها خارجا عن الإسلام وعقابها الخلود في النار. يشترك الكثير من السنة خارج السعودية في هذه المعتقدات، ولكن في السياق السعودي، تستمر الكتب المدرسية الحكومية في الخطاب المعادي للشيعة، مما يؤدي إلى التحريض على الكراهية ضد المواطنين الشيعة وإبقاء نظام التمييز ضدهم.

لا تتسامح الحكومة السعودية مع خطاب الكراهية فحسب، بل تسجن أحيانا أولئك الذين ينتقدونه. على سبيل المثال، في عام 2008، اعتقلت الحكومة رجل الدين الشيعي البارز الشيخ توفيق العامر بعد أن احتج في خطبة على بيان وقعه 22 من رجال الدين السعوديين البارزين نعتوا فيه الشيعة بأنهم “شر طوائف الأمة وأشدهم عداوة وكيداً لأهل السنة والجماعة “. عند صدور هذا البيان، كان 11 من الـ 22 الموقعين عليه مسؤولين في الحكومة، وكان 6 منهم مسؤولين سابقين في الحكومة. يقضي العامر حاليا عقوبة سجن مدتها 8 سنوات لمطالبته علنا بإصلاحات دستورية.

خطاب الكراهية ضد الشيعة له عواقب وخيمة عندما تستخدمه جماعات مسلحة مثل ما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو تنظيم القاعدة كمبرر لاستهداف المدنيين الشيعة بالعنف. منذ منتصف عام 2015، شنّ داعش هجمات على 6 مساجد ومبان دينية شيعية في المنطقة الشرقية ونجران، مما أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصا. أوردت البيانات الصادرة عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التي تتبنى هذه الهجمات أن المهاجمين كانوا يستهدفون “معاقل الشرك” و”الرافضة”، وهي نفس اللغة التي يستخدمها علماء الدين السعوديون والكتب المدرسية لوزارة التعليم في وصف المواطنين الشيعة. ندد المسؤولون السعوديون على الفور بتلك الهجمات، لكنهم لم يتحركوا للقضاء على خطاب الكراهية الذي يتسبب فيها. استخدم داعش مبررات مماثلة لمهاجمة المدنيين الشيعة والمواقع الدينية في الكويت ولبنان وسوريا والعراق.

بعد هجومين لداعش على مساجد شيعية في مايو/أيار 2015، ناقش “مجلس الشورى” السعودي، أعلى هيئة استشارية في البلاد، “نظام حماية الوحدة الوطنية” الذي كان سيجرّم خطاب الكراهية، ولكن أعضاء مجلس الشورى في نهاية المطاف صوتوا ضده بـ 74 صوتا مقابل 47.

تدعم “هيومن رايتس ووتش” الحق في حرية التعبير، وهو أمر منصوص عليه بوضوح في القانون الدولي، ووثّقت مرارا وتكرارا الجهود غير المشروعة التي تبذلها السعودية للحد من حرية التعبير وتقييد النقاش النقدي حول المواضيع السياسية والاجتماعية والدينية الهامة. أي تقييد قانوني لمضمون التعبير فيما يتعلق بخطاب الكراهية ينبغي أن يتناول الكلام الذي يحتمل أن يحرض على العنف أو التمييز أو العداء ضد فرد أو مجموعة من الأشخاص محددة بوضوح، في ظروف يكون فيها هذا العنف أو التمييز أو العداء وشيكا، والتدابير البديلة لمنع حدوثه غير متاحة. على أجهزة الحكومة والمسؤولين، فضلا عن غيرهم ممن يمارسون سلطة فعلية على منطقة ما أو مجموعة من السكان، أن يمتنعوا عن التعبير الذي يدعو إلى العنف أو التمييز أو العداء تجاه أي فرد أو فئة اجتماعية.

تبين دراسة هيومن رايتس ووتش لبيانات وكتابات رجال الدين والمحاكم والكتب المدرسية السعودية في هذا التقرير أن مسؤولي ومؤسسات الحكومة السعودية يحرضون على الكراهية أو التمييز ضد مواطنيها الشيعة، وأن العداء والتمييز ضد الشيعة في السعودية وخارجها ناتج مباشرة عن هذه البيانات والكتابات. بالإضافة إلى الشيعة، استهدفت هذه التصريحات العدائية أيضا اليهود والمسيحيين والصوفيين والزرادشتانيين وغيرهم. بدلا من غض الطرف عن هذا الخطاب، فإن السعودية ملزمة بوقفه أو اتخاذ تدابير لمواجهته.

صنّفت “اللجنة الأمريكية للحريات الدينية” السعودية مرارا منذ 2004 على أنها “بلد يثير قلقا خاصا”، وهي أقسى تسمية للدول التي تنتهك الحرية الدينية. على الرغم من هذا، لم تواجه السعودية العقوبات التي تُفرض على مثل هذه الدول بموجب “قانون الحرية الدينية الدولية” لعام 1998 لأن القانون يسمح للرئيس الأمريكي بإصدار اعفاء إذا كان من شأنه أن “يخدم مقاصد قانون الحرية الدينية الدولية” أو إذا “تطلبت المصلحة العليا للبلاد ممارسة مثل هذا الاعفاء”. أصدر الرئيس الأمريكي اعفاءً للسعودية منذ عام 2006. من بين العقوبات المفروضة على البلدان “التي تثير قلقا خاصا” الإدانة الخاصة أو العلنية، تأخير أو إلغاء التبادلات العلمية والثقافية، حرمان مسؤوليها من تأشيرات للولايات المتحدة أو إلغائها، وتعليق المساعدات أو حتى حظر اتفاقات التصدير والاستيراد. على الرئيس الأمريكي أن يلغي فورا الاعفاء الممنوح للسعودية، وأن يستخدم أدوات قانون الحرية الدينية الدولية لدفعها إلى وقف التحريض على الكراهية والتمييز ضد الإسلام الشيعي والأديان الأخرى.

على السلطات السعودية اتخاذ إجراءات فورية لإنهاء خطاب الكراهية من قبل رجال الدين والهيئات التابعة للدولة بسبب دورها في التمييز ضد الشيعة واستمراره في المجتمع السعودي. عليها أيضا أن تتبرأ فورا من أي رجل دين أو واعظ يستخدم الخطاب الذي يحرض على الكراهية ضد الشيعة، بما في ذلك عزل أعضاء هيئة كبار العلماء الذين استهدفوا الشيعة بكلام يحرض على الكراهية. كما يجب على السلطات السعودية اتخاذ تدابير لمواجهة خطاب الكراهية من قبل رجال الدين الحكوميين وغير الحكوميين في وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

علاوة على ذلك، على السعودية سن تشريع لمكافحة التمييز يحول دون التحيز ضد الشيعة في الجهازين القضائي والتعليمي، ويسمح للشيعة ببناء دور العبادة وممارسة معتقداتهم الدينية بحرية على قدم المساواة مع المواطنين السنة، وإصلاح المناهج التعليمية لإزالة المواد المعادية للشيعة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!