فريدريش هولدرلين.. لا تُقلق راحة العشاق أبدا


كمثرى صفراءَ.. وملأى من أوراد بـرّيّـةٍ.. تتدلّـى الضَفَّـةُ على البحيـرة.. يا بُجَعـاً لطافـاً.. وسكارى من قُـبَـلٍ.. غَطِّسْنَ الرأسَ منكـنَّ.. في الماء المقدَّس القَـراح.. وا ألمي، أين سأجدُ الأزهارَ.. عندما يكون شتاءٌ.. وشعاعَ الشمس.. وظلالَ الأرض.. تنتصب الجدران.. خرساءَ وباردةً ، في الريح.. يقعقع ديك الرياح”.

ولد الشاعر الألماني فريدريش هولدرلين في شهر مارس 1770م في مدينة صغيرة، وتلقى تعليمًا دينيًا، ثم التحق بمعهد مدينة توبينغن الديني لدراسة علم اللاهوت تحقيقآ لرغبة أمه المتدينة، لكنه كان يلجأ إلى عالم الأداب هروباً من صرامة المعهد.

تخرج من المعهد وبدلاً من أن يشتغل كواعظ ديني، أراد أن يكسب قوته كمدرس خاص. وفي سنة 1796 ميلادية اشتغل في منزل المصرفي ياكوب غونتارد في مدينة فرانكفورت، ووقع في حب أم تلاميذه زوزيت غونتارد – التي جسدها في شخصية “ديوتيما” في روايته “هيبريون” فيما بعد – ثم اضطر إلى مغادرة المنزل بعد افتضاح علاقته مع زوزيت.

في قصيدته “إلى ديوتيما” يقول:

أيتها المخلوقة البهية!

إنك تَحيين،

مثلما تَحيا في الشتاء الأزهار الغضة:

في عالم مُتهَالِكٍ تُزهِرين،

بصمتٍ وفي عزلة.

وبحب، نحو الأعلى تتطلعين

لِتَتَدَفَّئِي بشعاع الشمس الربيعية

وفي دفئه عن صَبَاءِ العالم تبحثين

لكن شمسكِ, الأمدُ الأبهى، قد دَلَكَت بغير رجعة

فالآن الحَاصِبَات يُعربدن

في لَيلةٍ هوجاء باردة

شل هولدرلين في تأسيس مشروع مجلة “إيدونا”، وفي تحقيق أي دخل مادي يسمح له بالتفرغ للكتابة، فعاش مجموعة من الإحباطات جعلته بعد أن تحمسَ للثورة الفرنسية، وتشبع بالثقافة اليونانية، يعيش حالة اكتئاب، ويرى أن هذا المناخ لا يصلح للشعراء، ولكن بفضل مساعدة أصدقائه الذين هيأوا له بعض الاستقرار، تمكن من كتابة أعماله الشعرية الكبرى.

أصيب فردريش هولدرلين بانهيار عصبي بعد تلقيه خبر وفاة “زوزيت” وأدخل إحدى المستشفيات، حيث شخصت حالته المرضية بأنها مرض عقلي، فعاش في غرفة معزولة بالطابق الأول، تطل على نهر نيكار بمدينة توبغن، وظل فيها حتى وفاته.

تمتلئ أشعار هولدرلين بنداء الماوراء، الذي يَجدُ في الحب كلمة الأعالي، وفي الشعر أنفاسَ البشر مُصعدة بأنفاس الآلهة والأبطال، كما يقول نبيل منصر، ولعلَّ أشواقَ ذلك الحب الُمستحيلِ هو ما هيَّأ لشعرية هولدرلين تفجُّرات حيوية، جعلته بالرغم من كل الشدائد، يلتقطُ ذلك الرحيق الذي يسمو بالانسان ويصونُ أشواقه العزيزة. إن الإساءة للشعر، في ذلك المناخ الذي عاش فيه هولدرلين، ووجد أنه لا يصلح للشعراء، يُمكنُ لروح الشاعر أن تتسامح معه، لكن الإساءة لراحة العُشاق تمثل فعلا شنيعا، لا سبيل إلى غُفرانه: «سَيغفرُ لك الربُّ إن أنتَ نسيتَ أصدقاءك/ أو استهزأتَ بالفنان، أو أوَّلتَ الفكرَ الأعمقَ/ فجاء تأويلُك تافها مبتذلا./ لكن، أبدا، لا تُقلقُ راحة العُشاق، أبدا».

لقد ظلَّ الشاعرُ ينظرُ بقدسية للحب، مشيدا بقدرته التطهيرية، وبقوته المُحولة لطاقة الإنسان، المُصعِّدَة لروحه باتجاه المتعالي. لِنصتْ إليه، مخاطبا الشمس: «لكنكِ بكرم تُشرقين عليّ وعنِّي تَغرُبين/ ولكِ، يا نورا بهيا، تستجيبُ بالبريق عينايَ،/ فأنا تعلّمتُ الإجلال الإلهي الصّامتَ/ حينَ هدَّأتْ ديوتيما نيرانَ سُعاري»

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!