حزب الله قضى على «النصرة» بمساعدة الجيشين السوري واللبناني… فيما الحريري يستمع إلى ترامب


كتب أندريه فلتشيك Global Research

جاء ذلك بشكل غير متوقع، سريع، وبقوة كبيرة: ففي 21 تموز 2017، هاجم حزب الله في لبنان والجيش السوري من جانبه، بتنسيق وانسجام، مواقع الجماعة الإرهابية الخبيثة، جبهة فتح الشام المعروفة سابقاً باسم جبهة النصرة ، في منطقة جرود عرسال الجبلية الواقعة في وادي البقاع على الحدود بين البلدين.

وفي الوقت عينه، قام الجيش اللبناني بإغلاق المنطقة المحيطة بمدينة عرسال بإحكام، ومنع القوات الإرهابية الجديدة من الدخول الى منطقة المعركة.

«لقي أكثر من 150 عسكرياً حتفهم، وقُتل حوالى 25 مقاتلاً من عناصر حزب الله، وعلى الرغم من التضاريس الجبلية الصعبة، كانت المعركة سريعة وبطولية ومنسّقة تنسيقاً جيداً. وقد أُجبرت الجماعة على قبول اتفاق لوقف إطلاق النار، دخل حيّز التنفيذ في 27 تموز، وينصّ على أن ينقل جميع مقاتليها الى منطقة معينة داخل سورية» إدلب .

كتبت فانيسا بيلي، وهي المساعد المحرّر لموقع القرن الحادي والعشرين، تعليقاً على مقالتي «أنقاض حلب الشرقية»، جاء بحرفيته على الشكل التالي: «هذا انتصارٌ كبير للمقاومة ضدّ الناتو والخليج المموّل للإرهابيين. مُزّقت الأعلام السوداء في عرسال ورُفعت على البدل منها أعلام حزب الله، في لبنان وسورية جنباً الى جنب كرمز لوحدة القوى المناهضة للإمبريالية والمعادية للصهيونية في المنطقة. إنّ الأبطال الذين قدّموا أرواحهم فداءً لهذا النصر الذي تحقق بشقّ الأنفس، وسوف يتذكرهم دائماً ويكرّمهم أولئك الذين تتعرّض حياتهم وثقافتهم للتهديد من قوى التطرّف والإرهاب الخبيثة».

لكن، من هم هؤلاء الإرهابيون، الذين استقرّوا لفترة طويلة على جانبي الحدود؟

أصبحت جبهة النصرة الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة منذ بدء الحرب السورية، غير أنها قرّرت ومنذ العام 2016 أن تنقسم رسمياً على الأقلّ عن معلمها السابق. وسرعان ما «أعادت اختراع» نفسها. وها هي الآن تقاتل كجزء من تحالف جبهة فتح الشام الإسلامية، أو على نحو أدقّ، باعتبارها القوة المهيمنة.

لطالما رأى الآخرون الى لبنان بوصفه قنبلة موقوتة، حيث تنتشر خلايا داعش النائمة في معظم أنحاء البلاد وحتى في المناطق ذات الغالبية المسيحية ، وسيطرة تنظيم القاعدة والنصرة وفتح الشام على جيوب عديدة في الشمال، والتهديد المستمرّ بالاجتياح الإسرائيلي من الجنوب. فضلاً عن أنّ لبنان الصغير لديه حكومة هشة ذات سمعة ضعيفة ومنقسمة عمودياً لاعتبارات دينية ومذهبية. وواجه على مدى عقود أزمات لاجئين دائمة، حيث بقي اللاجئون الفلسطينيون «عالقون» في البلد عشرات السنوات متمتعين بحقوق محدودة للغاية ، ويزداد الوضع الحالي سوءاً، مع وجود أكثر من مليون لاجئ سوري، أجبرتهم حرب الناتو وحلفائها في الخليج على الخروج من بلادهم.

وفيما كان حزب الله والجيش السوري يقودان المعارك الحاسمة ضدّ الإرهابيين، اجتمع رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن لمناقشة مسائل أخرى، من بينها فرض عقوبات أميركية إضافية على حزب الله، الذي يرون إليه بوصفه جماعة إرهابية سواء باعتباره منظمة كاملة أو جناحاً عسكرياً ».

وكانت وكالة «رويترز» قد أوردت في 26 تموز الماضي ما يلي: «إنّ وقوف ترامب الى جانب الحريري في حديقة البيت الأبيض في واشنطن، وهو يصرّح قائلاً إنّ حزب الله يشكل تهديداً للبنان من الداخل، ووصفه للجماعة الشيعية القوية بأنها «تهديد» للشعب اللبناني وللمنطقة بأسرها… شجع المشرّ عين الأميركيين الأسبوع الماضي على تقديم مشروع قانون يرمي الى زيادة العقوبات على حزب الله من خلال تقييد قدرته على جمع الأموال وتجنيد العسكريين وزيادة الضغط على البنوك التي تتعامل معه.

وقال الحريري، وهو العدوّ اللّدود لسورية ولحكومتها، انه ما من شيء في مواقفه يتعارض مع توجه رئيس الولايات المتحدة. والحريري المولود في السعودية والذي يحمل الجنسيتين السعودية واللبنانية، وقف معجباً بخطاب الرئيس الأميركي، الذي يهين من خلاله المجموعة الوحيدة التي تستطيع توفير جميع الخدمات الاجتماعية لأبنائها، والتي دافعت ببطولة عن لبنان إبان الاجتياح الإسرائيلي له.

وفيما يخطب ترامب، وقف الحريري مستمعاً بطاعة عمياء، في حين كان صدى الصدمات يتردّد على المستويين السياسي والمالي في لبنان. بينما هنا، فإنّ الحياة بدون وجود حزب الله ستتوقف تماماً، وستنهار معظم الخدمات الاجتماعية وسيُصبح البلد معزولاً ومتروكاً في مهبّ الريح.

وأوضح ترامب في مؤتمر صحافي كان قد عقده في البيت الأبيض «أنّ المساعدة الأميركية يمكن أن تساعد على ضمان أنّ الجيش اللبناني هو المدافع الوحيد عن لبنان». وأكد ترامب ايضاً أنه لا يتذكر بالتحديد حجم المبلغ أو نوع الأجهزة التي كانت الولايات المتحدة مستعدّة لمنحها. لم يقدّم أية تفاصيل. كما لم يجرؤ السيد الحريري على السؤال عن ذلك بشكل علنيّ.

يدرك جيداً كلّ من في الشرق الأوسط ما يمكن أن يعني كلّ هذا: ربما ستزيد المساعدات الأميركية من حجم رواتب كبار الضباط العسكريين، بل يمكن شراء بعض الأسلحة الجديدة من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي ، غير أنّ هذه المساعدات لن تفلح في إنقاذ لبنان في حال تعرّض مرة أخرى الى هجوم إسرائيلي، أو إذا اجتاحته الجماعات الإرهابية المدعومة من الناتو والخليج، والذين تمكّنوا فعلاً من التسلّل منذ سنوات الى الأراضي السورية الواقعة مباشرةً على الحدود.

لكن، وفي الوقت الراهن، هناك الكثير من الأمل والكثير من الأسباب للاحتفال، في جميع المدن والأرياف اللبنانية. وكان السيد مضر نصر وهذا ليس اسمه الحقيقي وهو من كبار المثقفين السوريين المتواجدين حالياً في بيروت، قد شرح لي ما يلي: «ما حدث في عرسال يعطينا الأمل بلبنان أفضل. فللمرة الأولى منذ سنوات، تمكنت قوى 14 و 8 آذار من الاتفاق على أمر ما، ألا وهو القضاء على جبهة النصرة وغيرها من الجماعات الإرهابية. لم يكن حزب الله هو وحده من قاد تلك العملية، بل شارك فيها ايضاً الجيشان اللبناني والسوري. لذا، حصل هذا الانتصار الكاسح في معركة كان يُتوقع أن تستمرّ لأكثر من شهر.

إنّ المرحلة الثانية لهذه المعركة الكاسحة ليست سوى البداية. وستتضمّن هجوماً أمامياً ضدّ داعش في بقعة مجاورة للمنطقة الحدودية.

وفي 28 تموز، شارك الجيش اللبناني بكثافة، مستخدماً الدبابات، وقصف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية على مشارف رأس بعلبك.

حتى الآن، كان كلّ شيء يسير وفقاً للخطة. وهي خطة وضعها وينفذها الأطراف الثلاث: حزب الله والجيشان السوري واللبناني. وفي المقابل، يبدو واضحاً أين يقف كلّ من الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء اللبناني، ومن الواضح أنّ مخططاتهم لا تتواءم وتوجهات غالبية الشعب اللبناني، وكذا شعوب المنطقة.

تفاعلت قيادة حزب الله بهدوء تامّ مع كراهية الخطاب القادم من واشنطن. وكانت صحيفة الـ Daily Star في بيروت، قد أوردت في 26 حزيران أنه «مع انطلاق خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مساء ذلك الأربعاء، بدا واضحاً أنه لن يستجيب للتصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جنباً الى جنب مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وذلك تفادياً لإحراج الوفد اللبناني المتواجد آنذاك في واشنطن. وفي إشارة إلى المعارك الجارية، أعلن السيد نصرالله أنّ «الهدف هو إخراج الجماعات المسلحة وجبهة النصرة من لبنان الى سورية… إنها معركة صالحة… وجميع من هو متردّد حول صحة ما يحدث، يمكنه ببساطة أن يسأل أياً من الأشخاص الذين يعيشون في المنطقة وفي الهرمل تحديداً الذين كانت تتساقط الصواريخ عليهم وعلى من خلفهم في البقاع… فلْنسألهم عن معاناتهم بوفاة شهداء التفجيرات الإرهابية التي افتعلها الإرهابيون… أقترح أن تُطرح مثل هذه الأسئلة»…

«لقد اتخذنا قرارنا. وهذا ليس قراراً إيرانياً فليست إيران هي من أملتْ على حزب الله القيام بذلك… فضلاً عن أنه ليس قراراً سورياً، ولا حتى قراراً جاء من فليطا. لقد تواصلنا مع القيادة السورية وسألناها المساعدة في المنطقة لأنّ هذا الأمر يشكل أولوية لجميع الأطراف… إنه قرارٌ داخليّ بامتياز».

وقد اختتم السيد نصرالله هذا الخطاب بتوجيه رسالة واضحة فيها الكثير من التحدي والثقة، أرسلها عبر المحيطات الى الولايات المتحدة: «لا يخاف شعبنا الآن من أحد… لا من دونالد ترامب، ولا من جورج بوش، أو من باراك أوباما ولا حتى من آرييل شارون».

تتغيّر موازين القوى بشكل سريع في الشرق الأوسط. فالغرب يشكل مصداقية بشكل أو بآخر – وكذلك العديد من حلفائه. إنّ تورّط روسيا والصين الى حدّ ما، طمأن مختلف القوى والحركات الإقليمية التي تقاتل، بشكل مباشر أو غير مباشر، ضدّ كلّ التدخلات الغربية. والبلدان التي تقع في أماكن بعيدة مثل أفغانستان، تقوم بمراقبة الوضع عن كثب، وباهتمام شديد.

أندريه فلتشيك هو فيلسوف، روائيّ، صانع أفلام وصحافي استقصائي.

 

البناء / إعداد وترجمة: ليلى زيدان عبد الخالق

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!