معركة التماثيل الكونفيدرالية .. شرارة لحرب أهلية أمريكية جديدة؟


بعد أن ظن الكثيرون أن صفحات التاريخ طوت الجدل الذي ظل يجتاح المجتمع الأمريكي أثناء “حقبة الرقيق” عندما كان القانون الأمريكي يعطي امتيازات وحقوق للأمريكيين البيض دون أولئك من ذوي الأصول الأفريقية، عادت الصدامات العنيفة التي شهدتها مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا الأمريكية لتسبر أغوار الماضي العميق ويطفو ذلك الجدل على السطح مجددا.

فعاد الحديث عن جماعات عنيفة مسلحة ذات ماض لطخته الدماء والعنف كما هو حال حركة “كوكلوكس كلان” و”النازيون الجدد” و”ذوو الرؤوس الحليقة” وغيرهم.

مرة أخرى تعود تلك الأحداث لتنكأ جراح الحرب الأهلية والانقسام الذي تولد عنها حتى وصل الأمر إلى التماثيل والنصب التي مجدت قادتها، في ظل تراشق الاتهامات حول من هو “خائن” ومن هو “وطني”!

قد يعتقد البعض أن هذه المسألة سهلة، ويمكن حلها بسهولة كبيرة، لكن الأمر لا يبدو كذلك.

ففي ظهيرة يوم مشمس من يوم السبت 12 أغسطس/ آب الماضي، اندفع الأمريكي الأبيض المتطرف جيمس أليكس فيلدز، السبت الماضي، بسيارته “الدودج تشالنجر” فضية اللون باتجاه متظاهرين ضد العنصرية، متسببا في مقتل هيذر هاير (32 عاما)، وجرح 19 آخرين.

الحادث نفسه، جاء على خلفية احتشاد أعداد كبيرة من المؤيدين للجماعات العنصرية البيضاء واليمينية المتطرفة، بينها “كوكلكس كلان” و”النازيون الجدد”، في شارلوتسفيل، قابلها خروج مظاهرة لأعداد أخرى من مناهضي العنصرية في المدينة، قبل تعرض الأخيرة للهجوم.

وجاء احتشاد مؤيدي الجماعات العنصرية البيضاء؛ احتجاجًا على قرار المدينة إزالة تمثال الجنرال “روبرت لي”، أحد رموز الحرب الأهلية الأمريكية، والمتهم بالعنصرية وتأييد العبودية.

الجنرال روبرت لي

لكن من هو الجنرال “روبرت اي لي” الذي لازال الأمريكيون يختلفون حوله حتى بعد مضي قرابة قرن ونصف على وفاته.

ولد الجنرال “روبرت اي لي” في 19 يناير/كانون ثان 1807 في مقاطعة ويستمورلاند بولاية فيرجينيا، وهو واحد من تسعة أبناء للحاكم التاسع لولاية فيرجينيا الضابط بسلاح الفرسان “هنري لي الثالث”، وأحد الموفدين الأوائل لتمثيل المقاطعة، التي أصبحت لاحقاً ولاية فيرجينا، في الكونغرس التأسيسي للبلاد،

وكان أيضا احد المقاتلين البارزين في فرقة الخيالة المشاركة في الثورة الأمريكية (1775-1783) ضد التاج البريطاني، والذي نتج عنه لاحقاً تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية.

سمعة والد الجنرال وبسالته في معركة تحرير البلاد، هي ما أكسبته لاحقاً لقب “لايت هورس هاري” لجرأته وحنكته وشجاعته في التصدي للجيش البريطاني.

انضم “روبرت آي لي” إلى اكاديمية “ويست بوينت” العسكرية عام 1829 وتخرج منها كثاني أفضل المتفوقين على دفعته دون وجود شائبة واحدة في سجله، خلال السنوات الأربع التي قضاها هناك، بحسب قناة “هستوري” التأريخية الأمريكية. ليتعين في فيلق المهندسين.

وبحسب القناة التأريخية نفسها، فقد برز نجم لي في الحرب الأمريكية المكسيكية (1846-1848) والتي نشبت بين الجارين عقب ضم الولايات المتحدة لتكساس إليها عام 1845 بعد انفصالها عن المكسيك والذي جاء ثمرة ما يعرف بثورة تكساس عام 1836.

أصيب “لي” الذي كان برتبة نقيب خلال هذه الحرب، بجروح بسيطة، نال على إثرها ترقية تشريفيةً لرتبة عقيد (دون الامتيازات المرافقة للرتبة او زيادة في الراتب)، ووصفه القائد العسكري لهذه الحرب وأحد أهم الجنرالات العسكريين في التاريخ الأمريكي وأطولهم خدمة في هذه الرتبة (52 عاما) الجنرال وينفيلد سكوت بأنه “أفضل جندي وقعت عليه عيناي في الميدان”.

في عام 1852، تم تعيين الجنرال لي رئيسا لأكاديمية ويست بوينت العسكرية التي تخرج فيها قبل 23 عاماً من ذلك التاريخ، إلا انه وبعد ثلاث سنوات فقط، استطاع الحصول على موافقة وزير الحرب الأمريكي وقتها ، جيفرسون ديفيس ليعود إلى الجيش برتبة مقدم في فرقة الخيالة الثانية في غرب تكساس.

الحرب الأهلية

وفي عام 1861 اندلعت الحرب الأهلية بين حلف الشمال الذي ضم عضو الحزب الجمهوري وقتها والرئيس الجديد للبلاد أبراهام لينكولن تدعمه في ذلك 23 ولاية، ويقود جيشه الجنرال “يوليسيس اس غرانت” الذي اصبح لاحقاً الرئيس الـ 18 للولايات المتحدة، في مقابل 7 ولايات جنوبية معززة

بانضمام 4 أخرى مشكّلة الاتحاد الكونفدرالي الأمريكي برئاسة وزير الحرب الأسبق جيفرسون ديفيس، ويقود جيشها الجنرال ديفيد إيمانويل تويغز، والذي كان عمل الجنرال روبرت اي لي تحت قيادته كقائد جيش شمال فرجينيا.

كانت خطة الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي السادس عشر أبراهام لينكولن هي محاولة فرض قوانين الغاء العبودية على جميع الولايات الأمريكية، حال فوز مرشحهم الرئاسي عام 1861، إلا أن 7 ولايات أمريكية كانت تنوي إعلان انفصالها عن الاتحاد الأمريكي في حال فوزالمرشح الجمهوري، بسبب هذه الخطة.

كانت الولايات الجنوبية تعتقد أن محاولة الرئيس فرض منع العبودية عليها، انما هو تدخل من الحكومة الفيدرالية في صلاحيات الولاية، والتي من ضمن صلاحية حاكمها هو السماح بممارسة تجارة العبيد.

الولايات الجنوبية لم تكن تريد هذا فحسب بل أرادت ان تدعي أحقيتها في توسيع هذه الممارسة إلى ولايات آخرى.

في شتاء عام 1865 قام رئيس الاتحاد الكونفيدرالي جيفرسون ديفيس، بتعيين الجنرال لي قائدا عاماً لجيوش الكونفيدراليين الجنوبيين، إلا أن الوقت كان متأخراً وسرعان ما أعلن “لي” استسلامه أمام تقدم قوات الشمال في 9 ابريل/ نيسان 1865 منهياً بذلك الحرب الأهلية ومفسحاً الطريق للرئيس لينكولن فرض قانون الغاء العبودية.

أصبح لي فيما بعد رئيساً لكلية واشنطن في مدينة ليكسنغتون بولاية فيرجينيا وحتى مماته بالسكتة القلبية عام 1870، والتي اصبحت بعد ذلك جامعة لي وواشنطن.

خائن أم وطني ؟

ورغم ان اليمين بشكل عام ينظر إلى الجنرال لي بأنه البطل الذي دافع عن الجنوب حتى اللحظات الأخيرة قبل إعلان الاستسلام في ربيع عام 1865، إلا أن العديد من المؤرخين يرونه اليوم “خائناً” للعهد الذي قطعه على نفسه يوم أصبح عسكرياً بالحفاظ على تلاحم “الاتحاد” بين الولايات الامريكية في الشمال والجنوب.

ويرفض استاذا القانون ستيفن لوبيه والفريد بروفي في مقال في صحيفة “شيكاغو تريبيون” تحت عنوان “لماذا ترامب على خطأ بالمساواة بين جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) وبين روبرت آي لي”، حيث رفض تلك المساواة بين روبرت لي وجورج واشنطن على اعتبار ان الأول “خائن” والثاني “قائد وطني”.

ويقول الأستاذان في مقالهما المشترك المنشور الأحد الماضي: “أولاً وقبل كل شي، جورج واشنطن كان وطنيا بينما روبرت لي كان خائناً، ثم أن واشنطن قاد رجال بلاده في معركة لاحراز استقلال الولايات المتحدة بينما بذل “لي” أقصى جهده من أجل تدمير اتحادنا الأكثر كمالاً، من أجل العبودية”.

ويحذر الأستاذان الجامعيان بالقول: “وإياك والخطأ، فإن الغرض الرئيسي من الكونفيدرالية (في الجنوب) كان لإدامة الرق وتوسيعه، بل أن الدستور الكونفيدرالي الذي اقسم لي على الدفاع عنه وحمايته يحظر اي قوانين تمنع، معاملة العبيد السود على أنهم ليسوا ممتلكات”.

موقف ترامب

وعقب عجز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إدانة الجماعات العنصرية البيضاء في شارلوتسفيل عقب الحادث الذي اودى بحياة امرأة في العقد الثالث من عمرها في اليوم نفسه، بحجة عدم اكتمال المعلومات لديه عن الحادث وقتها، عاد ترامب يوم الثلاثاء 15 اغسطس/ آب الماضي، ليقول بعد إدانته هذه الجماعات

“العديد من هؤلاء الناس (المحتجين على ازالة تمثال الجنرال روبرت لي) كانوا هنالك للاعتراض على إزالة النصب”.

وتابع متسائلاً: “إذا أزلنا هذا الاسبوع روبرت آي لي، لاحظت كذلك إزالة تمثال ستونوول جاكسون (أحد الضباط الذين كانوا تحت امرة لي)، اتساءل هل سيكون جورج واشنطن الاسبوع القادم؟ وهل سيكون توماس جيفرسون (الرئيس الثالث للولايات المتحدة) الاسبوع الذي بعده؟ ولكن سيكون عليك بحق أن تسأل نفسك، عند أي حد سنتوقف”.

وأعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استيائه للحملة التي تشنها بعض الولايات لإزالة “النُصب الكونفيدرالية” من ساحاتها العامة والأبنية الحكومية.

وقال ترامب، في ثلاث تغريدات متتابعة على صفحته الشخصية على موقع “تويتر”، “من المحزن أن نرى تاريخ وثقافة بلدنا العظيم يتم تمزيقهما بإزالة تماثيلنا ونصبنا الجميلة”.

وتابع في تغريدة ثانية: “لا يمكنك تغيير التاريخ، لكن يمكنك أن تتعلم منه، روبرت اي لي، وستونوول جاكسون، أيهم سيكون التالي (جورج) واشنطن؟ (توماس) جيفرسون؟ يالها من حماقة”.

واستطرد في تغريدة ثالثة: “كذلك سلبت كل هذه الجماليات من مدننا وبلداتنا ومتنزهاتنا، سيتم افتقادها بشكل كبير، ولا يمكن استبدالها بأي شيء مماثل”.

التطورات الأخيرة تلك عادت إلى الأذهان مجددا تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية.

إلى أين؟

ويرى مراقبون أن ذكريات ذلك الماضي تنامت بشكل متفاوت منذ ترشح الجمهوري دونالد ترامب لانتخابات الرئاسة الأخيرة، التي أجريت في الثامن من نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، وكذلك تنامي الصراع السياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين، الذي أفرز بدوره خلافات على صعيد السياسات الداخلية،

أهمها تصاعد الاتهامات بضلوع ترامب وأعضاء حملته الانتخابية في تدخل روسيا لصالحه في انتخابات عام 2016 ، على حساب منافسته الديمقراطية، هيلاري كلنتون.

كما أن تفادي ترامب إدانة جماعات العنصريين البيض صراحة، وعدم تسميته لاعتداءات شارلوتسفيل بالـ”الإرهاب المحلي”، من بين أسباب تفاقم أزمة الاستقطاب في الولايات المتحدة، ودعم الممارسات العنصرية المتطرفة، وفق محللين.

واتضحت الأزمة في استقالة أعضاء لجنة “الفنون والإنسانيات” بالبيت الأبيض (17 مستشارا) من مناصبهم، احتجاجاً على موقف ترامب من أحداث شارلوتسفيل، ومساواته بين المتطرفين اليمينيين ومناهضي العنصرية، فضلًا عن توجيه اتهامات لترامب بأنه “وراء تنامي جرأة الجماعات المتطرفة”.

لكن التطورات التي ستجود بها الساحة خلال الأيام المقبلة ستحدد أي طريق ستسلكه الولايات المتحدة .. هل ستعيد ذكريات الماضي أم ستنجح في تخطيه ومن ثم تخطي أزمتها الحالية؟.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!