الأدب الروسي يهزّ المسلّمات


لكأن الصراع بين الخير والشر مجرد ملهاة بشرية! أهكذا يقول الأدب الروسي؟ لا يشغل الناس أكثر مما تشغلهم موضوعة الخير والشر، الثواب والعقاب، التسامح والانتقام. فكيف يتعامل الأدب الروسي مع هذه الموضوعة، من ليف تولستوي وفيدور دستويفسكي إلى ميخائيل بولغاكوف وفارلام شالاموف؟

يكتب فارلام شالاموف في قصته (انبعاث الشربين)، التي تدور حول رمزية انبعاث الحياة في غصن شربين مرسل إلى موسكو من منطقة المعتقلات في الكاليما، ساخرا من دعوة ليف تولستوي إلى مقاومة الشر بفعل مزيد من الخير ومن مواعظ دوستويفسكي، ملمّحا إلى ما جاء في (الأخوة كارامازوف) ” بعد بلاغة الواعظ تولستوي، ومواعظ دوستويفسكي الثرة كانت الحروب والثورات وهيروشيما ومعسكرات الاعتقال والوشايات والاعدامات”(انظر شالاموف، القادم من الجحيم، دار الحصاد، دمشق،2001.ت.منذر بدر حلوم). وفي مكان آخر من القصة ذاتها، يكتب داعيا إلى عدم نسيان ما تعرّض له ضحايا القمع من فظائع وأهوال، نحو ذاكرة جمعية تضغط على التاريخ فترغمه على إفراد حيّز. كتب شالاموف:” تنفّست الشربينة في الشقة الموسكوفية لتذكّر البشر بواجبهم الإنساني، كيلا ينسوا جثث ملايين المقتولين في الكاليما. لقد كانت تلك الرائحة الضعيفة الراسخة صوت الأموات، وباسم هؤلاء الأموات تشجعت الشربينة على التنفس والنطق والحياة “. وفي مكان ثالث: ” حين يرسل الرجل غصنا كاليميا بالبريد الجوي، فهو يريد أن يذكّر ليس بنفسه. هو لا يرسل الغصن ذكرى عن نفسه، إنما ذكرى عن ملايين المعذبين، المعدومين، المرميين في المقابر الجماعية شمال ماغادان.

يرسل هذا الغصن القاسي واللين في آن معا لمساعدة الآخرين على التذكّر، لإزاحة ذلك الحمل الثقيل عن الروح: أن ترى ذلك كله وتجد في نفسك القوة على أن تسكت عنه، وألا تنساه “. ومع أن فارلام شالاموف، إذا ما قورن بكتّاب المعتقلات الآخرين وخاصة ليف رازغون، لا يدعو إلى الحقد، فإنّه يدعو بقوة إلى عدم النسيان، ويقف صامتا حيال الصفح.
وفي حين أن ليف تولستوي يرى عبثية مواجهة الشر بالشر بل يدعو إلى مواجهته بفعل مزيد من الخير، تجد ميخائيل بولغاكوف يعترض على هذه الدعوة بأسلوبه الساخر المعهود. ففي المشهد الرابع من مسرحية بولغاكوف المقتبسة من رواية (الحرب والسلم) والتي تحمل العنوان نفسه (ت. هاشم حمادي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1997) تُرفع الصلاة من أجل العدو والصديق:” عمّن يكرهنا، عن أعدائنا سنصلّي لله”. فما أن يتساءل صاحب الصوت: من عساه يكون العدو؟ حتى يجيب نفسه:” من سبّبَ لي الشر. إنني أصلي عنه بفرح”. لكن بولغاكوف لا يلبث أن يجد تناقضا في ذلك يعرضه من خلال صلاة الكونتيسة وردّ نتاشا عليها. فالكونتيسة تدعو بعد الصلاة الأولى المرفوعة لأجل العدو، مبتهلة:” يا إلهي..اضرب أعداءنا، والق بهم بين أقدام المؤمنين بك..” فيأتي صوت نتاشا معترضا:” لكنني لا أستطيع الصلاة عن سحق أعدائي تحت الأقدام ما دمت قبل عدة دقائق من هذا قد صليت لأجلهم..اعف عنهم يا إلهي وعنّي..”. كما تجد اعتراض بولغاكوف على الدعوة إلى الصلاة من أجل العدو في مواضع أخرى من النص المسرحي.

ففي المشهد السادس يقول غلينكا:” يجب أن تصد جهنّم بجهنّم !” وفي المشهد العاشر، يقف بولغاكوف عند معضلة أن يكون الرب قادرا على تقبل صلوات الشكر لقاء مساعدته في قتل أولئك الذين رفعت الصلاة لأجل حيواتهم من قبل، فيقول على لسان أندريه:” سيتلاقون غدا، وسيقتلون عشرات الآلاف من الناس، ومن ثم سيؤدون صلوات الشكر. فكيف ينظر الرب من هناك ويصغي إليهم..” وسخرية بولغاكوف المبطّنة هنا لا تلبث أن تبحث عن حجة عقلية في غير مكان، فتجدها في المشهد الثلاثين مع القائد كوتوزوف، حين راح جنوده ينكسون رايات العدو المنهزم ويأتون على فلوله. يقول كوتوزوف مخاطبا جنوده:” حين كانوا أقوياء لم نشفق على أنفسنا. أمّا الآن فإنهم يستحقون الشفقة. هم بدورهم بشر. أليس كذلك يا شباب؟ ” لكنه سرعان ما يعلن أن لا مكان للرأفة بالعدو فيقول بعد صمت قصير:” لكن والحق يقال من دعاهم إلينا؟ إنّهم يستحقون هذا، ثكلتهم أمهاتهم”.
وفي حين اكتفى بولغاكوف بالسخرية مما جاء لدى تولستوي، يلاحظ عند شالاموف في (انبعاث الشربين) اعتراضا قاسيا، مفاده إذا كان بمقدور كاتب متفرج على قشرة البؤس مثل تولستوي فليس يستطيع ذلك معذّب مقهور. فمقارنة بعذابات شالاموف الذي أمضى في جحيم المعتقلات الستالينية أكثر من عقدين من الزمن، يبدو تحوّل تولستوي إلى واعظ ديني وداعية خير أشبه بمتفرج على فيلم عن العذاب، خطر بباله فجأة أن يدخل الشاشة ويتفرّج من هناك على الناس.

وهكذا، تجد شالاموف في سخريته المبطّنة من (مواعظ تولستوي) يحاول وضع حد فاصل وصارم بين حياة عادية تسمح بتقديم النصائح والمواعظ وحياة معتقل يبدو معها النصح بالتسامح والغفران والنسيان مثيرا للجدل.

وعموما، لم يكن الكتّاب وحدهم من شغلهم اعتزال تولستوي الكتابة الروائية وتفرّغه للمواعظ الأخلاقية والدينية، مروّجا لفكرة عدم التصدي للشر بالشر إنما بمزيد من فعل الخير، بل كانت مواعظ تولستوي ولا تزال محط جدل الفلاسفة والمفكرين. فقد كتب إيغور سميرنوف في مقدمة كتاب(بديهيات التجربة الدينية) لمؤلفه الفيلسوف الروسي إيفان الكسندروفيتش إيلين(1883-1954):” المعتقدات الفلسفية لليف تولستوي حول مسألة الأخلاق هي، إلى حدٍّ ما، كخط تقسيم الماء المتسبب لسنوات عدة في خلافات في تطور فلسفة الفكر الروسي.. ويبقى السؤال عن دور المنطق التولستوفي وأهميته إشكاليا وغير محلول إلى الآن. لقد أسأمت إيلين حجج مذهب تولستوي العقلية”، فوصف هذا الفيلسوف المذهب التولستوفي بـ” الشاذ والمتناقض واللاعلمي والمعادي للثقافة (التولستوفية) “. أمام موقف إيلين صاحب العقل الفلسفي البارد، يبدو طبيعيا لشالاموف، الخارج من جحيم المعتقلات الستالينية، أن يسخر من دعوات مؤلف “الحرب والسلم” و”آنّا كارينينا” إلى الصفح عن الجلادين والطغاة ومصاصي الدماء.
أمّا حال شالاموف مع دوستويفسكي فتجده مختلفا. فعلى الرغم من اعتراض شالاموف على ما يسميه “مواعظ دوستويفسكي” وفكرة المصالحة لديه، إلا أن موقفه يأتي منسجما مع وجهة نظر الأخير التي تقول بأن ليس هناك فكرة أو غاية يسوّغ تحقيقها شقاء الناس وعذابهم.

يقول دوستويفسكي في (الأخوة كارامازوف)( ترجمة سامي الدروبي، مج1، ص:518-519):” حين سيهتف جميع الأحياء وجميع من كانوا أحياء قائلين ( أنت على حق يا رب وقد فهمنا طرقك !) سوف تعانق الأم عندئذ الجلاّد الذي أمر الكلاب بتمزيق ابنها وسوف يقول الثلاثة عندئذ من خلال دموع الحنان( أنت على حق يا رب)، ستنجلي عندئذ جميع الأسرار وسيكون ذلك يوم تمجيد المعرفة. ولكن ذلك بعينه هو العقدة، لأنني لا أستطيع أن أقبل حلا كهذا الحل[..] قد يحدث يا أليوشا[..] أن أصيح مع الجميع إذ أرى الأم والجلاّد والطفل يتعانقون ويتصالحون(أنت على حق يا رب!) ولكنني لا أريد أن أفعل ذلك عندئذ، وأحرص على أن أحمي نفسي سلفا من ذلك الاستسلام، ولهذا السبب تراني أتنازل تنازلا حاسما عن الانسجام الأعلى. إن هذا الانسجام لا يعادل في رأيي دمعة واحدة من دموع ذلك الطفل المعذّب حتى الموت [..] نعم ما من انسجام مقبل سيكفّر عن تلك الدموع ولا بد من التكفير عنها”. ثم يتساءل إن كان التكفير هو القصاص الذي يجب أن ينزل بالجاني؟

وإذا كان موقف دوستويفسكي من الجاني في (الأخوة كارامازوف) يبدو واضحا باتجاه المطالبة بالقصاص، فإن الأمر يختلف عنده في (الجريمة والعقاب) حيث الجاني راسكولنيكوف نفسه من صنف المعذَّبين المقهورين الذين تجرأوا مرّة على ملامسة القوة فانتهى بهم الأمر إلى القتل. يقول راسكولنيكوف لصونيا (ترجمة سامي الدروبي، مج.2، ص. 255):” لقد بدا لي واضحا وضوح النهار، على حين فجأة، أنّه ما من أحد قد تجرّأ ولا يتجرّأ، حين رأى بطلان العالم، أن يمسك الشيطان من ذيله ببساطة، فيرسله إلى جهنم! أمّا أنا، أمّا أنا ..فقد أردت أن أجرؤ فقتلت! “. وإذا كان تحليل نفسية (الجاني) راسكولنيكوف يشغل دوستويفسكي على مدى الرواية فإن ما يشغل التحليل ذاته هو إبراز (الضحية) في راسكولنيكوف، مما يقودنا، بالنتيجة، إلى التردد، كما هو حال دوستويفسكي، في الحكم على راسكولنيكوف وفي النظرة إلى العقاب الذي أُنزل به.

ويبدو ذلك أكثر صعوبة على خلفية ما أكده دوستويفسكي في نهاية المجلّد الثاني من أنّ الناس عموما ما عادوا يستطيعون التفاهم “على ما ينبغي أن يعدّ شرا وما ينبغي أن يعدّ خيرا “( ص482). وبالتالي، تجد دوستويفسكي، الصارم حيال مسألة القصاص من صاحب سلطة ظالم حتى وإن كان التصالح مع ظلمه ينطوي، كما يرى البعض، على حكمة إلهية بانتظار قصاص سماوي، تجده أقل حزما حين يتعلق الأمر بإنسان ضعيف (أراد أن يمسك الشيطان من ذيله ويرسله إلى جهنم). ولكن ماذا يستطيع الضعيف أن يفعل حيال حاكم مستبد ظالم؟

ويبدو ذلك أكثر صعوبة على خلفية ما أكده دوستويفسكي في نهاية المجلّد الثاني من أنّ الناس عموما ما عادوا يستطيعون التفاهم “على ما ينبغي أن يعدّ شرا وما ينبغي أن يعدّ خيرا “( ص482). وبالتالي، تجد دوستويفسكي، الصارم حيال مسألة القصاص من صاحب سلطة ظالم حتى وإن كان التصالح مع ظلمه ينطوي، كما يرى البعض، على حكمة إلهية بانتظار قصاص سماوي، تجده أقل حزما حين يتعلق الأمر بإنسان ضعيف (أراد أن يمسك الشيطان من ذيله ويرسله إلى جهنم). ولكن ماذا يستطيع الضعيف أن يفعل حيال حاكم مستبد ظالم؟

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!