الخليج يتراقص على إيقاع “المحمدين”: قيادة جديدة بأثمان كبيرة


يوما بعد يوم، يزداد المشهد الدولي والاقليمي تبدلا وتعقيدا وترابطا. لكأن ملامح نظام دولي جديد ترتسم لكن أحدا لا يستطيع التكهن بصورته النهائية منذ الآن.

تترنح شعبية رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بشكل دراماتيكي، في أقل من مائة يوم على توليه مقاليد السلطة. تضيق مسارب ترجمة شعاراته داخليا، فيتوجه نحو الخارج. لا هم أن ينقلب على اي كان. في دائرته الضيقة. في بلده. في العالم. المهم أن يستمر في السلطة.

ويوما بعد يوم، يثبت دونالد ترامب أنه مقامر عنيد. لعبة الأضواء والكازينوهات والملاهي تنتقل معه إلى المكتب البيضاوي. ينسحب من إتفاقية باريس حول الاحتباس الحراري حتى يؤكد التزامه ببرنامجه الانتخابي لمصلحة الشركات الكبرى، ولكنه لا يكترث لما يمكن أن يهدد الكرة الأرضية بأسرها أو حتى سمعة بلده.

يلحس ترامب كل ما قاله عن السعودية في الماضي القريب أو البعيد. يعقد صفقة مع “المحمدين”(بن سلمان وبن زايد) تتبدى فصولها تباعا. أول 500 مليار دولار وضعت لها “أجندة” زمنية محددة. يشتري محمد بن سلمان العرش السعودي برشوة رئيس أقوى دولة في العالم. وفي المقابل، يحاول ترامب في ختام جولة استمرت تسعة أيام إلى الشرق الأوسط وأوروبا، ترميم صورته وشعبيته بضخ مئات المليارات من الدولارات في إقتصاد بلاده. قالها الرجل بالحرف الواحد في تغريدة على موقع “تويتر” إن زيارته للسعودية “جلبت مليارات الدولارات، وهذا سيعني خلق المزيد من الوظائف”.

لا تشبه الصورة الرئاسية في أميركا اليوم كل العهود الرئاسية السابقة. ما كانت تشي به الأسابيع الأولى من ولاية ترامب إنقلب رأسا على عقب. أشهر رئيس الولايات المتحدة سلاح قانون “جاستا” الذي يتيح لعائلات ضحايا الحادي عشر من أيلول 2001 بمقاضاة أمراء سعوديين على صلة ما بمنفذي الهجمات ومعظمهم من الخليجيين(15 سعوديا وإماراتيان). براغماتية ترامب تجعله يغض النظر لفترة من الوقت، لكنه لن يسحب القانون المذكور عن الطاولة نهائيا. عينه على ما يتراوح بين 500 إلى ألف مليار دولار حجم الأصول الرسمية السعودية في المصارف الأميركية.

إذا سجل الاقتصاد الأميركي في النصف الأول من السنة المالية الحالية نموا أسرع من المتوقع وإذا إرتفع نمو الوظائف الأميركية وهبط معدل البطالة، يكون ترامب قد حقق المرجو من أداء “رقصة العرضة”(رقصة المنتصر) في العاصمة السعودية.

في المقابل، وبمعزل عن “الأثمان السياسية” المضمونة أو المأمولة أو الضائعة، التي تمني دول الخليج نفسها فيها، تتقاطع الأوراق التي تضعها مؤسسات مالية دولية وخصوصا صندوق النقد، وجهات مالية خليجية، رسمية وخاصة، عند إستنتاج مفاده أن الاقتصاد السعودي مرشح لمواجهة المزيد من المؤشرات السلبية وأبرزها: تراجع نسبة النمو، تراجع الاحتياطات المالية الأجنبية، ارتفاع نسب التضخم والبطالة وعجز الميزانية، تراجع قيمة مشاريع العقود الحكومية(ضمنا تردي البنى التحتية وغيرها)، تراجع أصول صناديق الاستثمار، تراجع قيمة الصادرات النفطية وغير النفطية الخ..

“محمد بن زايد هو “المايسترو” الحقيقي لما يجري من ترتيبات جديدة في منطقة الخليج، وهو العقل المدبر لمحمد بن سلمان، وبرغم ذلك، فإن ما جرى مع السعودية مرشح للتكرار مع الامارات، والأفدح أن أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني سيجد نفسه مضطرا لحماية عرشه من أية إنقلابات محتملة، في ضوء تصاعد هجمة “المحمدين” عليه، وذلك بالمزيد من الالتصاق بالأميركيين وربما بإبرام عقود معهم بمئات ملايين الدولارات”، كما يقول ديبلوماسي شرقي مقيم في بيروت.

وكما تضخم دور قطر في السنوات الأخيرة، إلى حد أن قيادتها كانت تتصرف بوصفها دولة ذات نفوذ إقليمي ودولي مترامي الأطراف من المحيط إلى الخليج، فإن محمد بن زايد يتصرف حاليا بوصفه “زعيما عربيا” لا يضاهيه أحد في النفوذ والتخطيط والقدرات.. إلى حد القول أنه هو من تولى كل ترتيبات القمم الأميركية ـ العربية ـ الاسلامية التي إستضافتها الرياض في أيار المنصرم، ولو أنه كان حريصا على بيع “الإنجاز” إلى صديقه محمد بن سلمان!

ويوما بعد يوم، ترتسم معالم قيادة خليجية شابة(بعضها متهور) للسنوات المقبلة في كل من السعودية والامارات وقطر وسلطنة عُمان. لا يدري بالبيت الخليجي وتعقيداته العائلية والقبلية وامتداداته الخارجية، إلا أهل هذا البيت أنفسهم. الأثمان لن تقتصر على تلك التي دفعت لدونالد ترامب. ثمة أثمان داخلية(إزاحة كل من يقف في درب “المحمدين”)، ولا بأس أن تبقى العين مفتوحة على قطر وأية أثمان يمكن أن يدفعها أميرها تميم، إذا إستمر التنافر بينه وبين جاريه الاماراتي والسعودي إلى حد التناقض، من دون إستبعاد فرضية أن تكون هناك وظيفة أميركية مما يدبّر لقطر، جوهرها إنتهاء الرهان على المشروع “الأخواني” في المنطقة، ولعل الأزمة في العلاقات الأميركية ـ التركية(حول مستقبل التعامل مع الأكراد) وإنخراط الجيش المصري مؤخرا في حملة جوية ضد مجموعات اسلامية من أصول “أخوانية” في الشــمال الليبي(مدعومة من قطر) تصب كلها في هذا الاتجاه!

هل الأثمان التي دفعت لترامب حتى الآن أو تلك التي ستدفع مستقبلا كفيلة بحماية الأنظمة الخليجية وقياداتها “الجديدة” أم أن الانهيار لا بد منه؟

لا أحد يملك جوابا، لكن خرائط النفوذ أو الحدود أو الاثنتين معا، لم تكتمل صورتها، بدليل ما تشهده ميادين سوريا والعراق واليمن وليبيا. هذه هي سوريا في خضم أزمة وطنية مفتوحة للسنة السابعة على التوالي. الأزمة تتفرع عنها أزمات. من القنيطرة إلى درعا يزداد الحديث عن تنسيق أردني ـ إسرائيلي هدفه منع أي تماس بين حلفاء الجيش السوري من جهة والجيش الاسرائيلي من جهة ثانية. تسرب السلاح في الجنوب عبر غرفة “الموك” يتزامن مع تدفق نوعي لشحنات الأسلحة والصواريخ الأميركية للأكراد في شمال وشرق سوريا برغم ممانعة تركيا. “الحشد الشعبي” في العراق يتقدم للإمساك بالحدود السورية ـ العراقية سعيا لإبقاء خط بغداد ــ دمشق مفتوحا على مصراعيه. هذا المعطى يتقاطع مع إحتدام الصراع على مستقبل العراق، وخصوصا حجم حضور المكونات الأساسية في السلطة المركزية ومستقبل الخيار الفيدرالي ونفوذ الخارج في هذا البلد العربي المهدد بالتفتيت، إلا إذا أفرزت الانتخابات النيابية المقبلة وقائع جديدة يمكن أن تعيد رسم الأوزان الداخلية والخارجية.

ومن حظ لبنان أن الاقليم يشهد إشتباكات مفتوحة محورها الأساس قرار أميركي ـ إسرائيلي عنوانه “محاولة إحتواء إيران” بالترغيب والترهيب. هذا هو جوهر ما يجري في الخليج والعراق وسوريا.

هذا الاشتباك الاقليمي الكبير يؤكد إستمرار الحاجة لتحييد منصة إقليمية إسمها لبنان.

حتى الآن، وبإستثناء موضوع تشديد العقوبات المالية ضد “حزب الله”، لا مؤشرات تدل على أن خطة إحتواء إيران يمكن أن تتمدد الى الساحة اللبنانية. قرار التمديد لرياض سلامة على رأس المصرف المركزي يصب في إتجاه تحصين الاستقرار الاقتصادي والمالي في لبنان. تعيين جوزف عون قائدا للجيش ومسارعة القيادة العسكرية الأميركية إلى توجيه الدعوة إليه تصب في اتجاه تحصين الأمن اللبناني، برغم ما تبلغه من ان المخصصات المالية لبرنامج المساعدات العسكرية للبنان ستكون في العام المقبل بنسبة صفر في المئة، بينما يستمر الجيش اللبناني بالاستفادة من المساعدات العسكرية السنوية التي تاتيه عن طريق وزارة الدفاع الاميركية!

ومن تسنى له الاطلاع على نتائج محادثات جوزف عون مع الأميركيين، إستنتج أن الادارة الأميركية لا تملك إستراتيجية واضحة للقضاء على “داعش”، برغم المداخلة الجريئة لقائد الجيش خصوصا عندما دافع عن إنخراط “حزب الله” في الحرب ضد الارهاب على أرض سوريا، معتبرا أنه لولا خطوة “حزب الله”، لكان الجيش اللبناني يقاتل الارهابيين في العاصمة وكل العمق اللبناني، وذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى التريث قبل فرض عقوبات مالية جديدة يمكن أن ترتد سلبا على جمهور لبناني وازن.   

ولعل خطوة التوصل إلى قانون إنتخابي جديد، بدفع من جهات خارجية، وأيضا محلية(أبرزها “حزب الله”)، يشكل إشارة متجددة على أن إيصال الأمور إلى حافة الهاوية صار تقليدا سياسيا في السنوات الأخيرة، خصوصا وأن “المايسترو” اللبناني يتدخل ـ كما في كل مرة ـ من أجل منع المس بالاستقرار بوصفه خيارا استراتيجيا في هذا المرحلة الاقليمية والدولية المعقدة.

لا يمنع ذلك من التحذير من إختراقات، قد تتضاعف المخاوف منها، كلما ضاقت رقعة سيطرة “داعش” وأخواته، في العراق وسوريا. عندها سيكون بديل “الدولة” خوض حرب عصابات وإيقاظ الخلايا النائمة في كل مكان.

الصيف اللبناني واعد بالسياسة والأمن كما الصيف الاقليمي. لننتظر ونرَ.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!