حنا مينا.. الحب والموت على شفتي القدر!


 

شيرين صبحي

عندما كبر الأديب السوري حنا مينا قالت له والدته «اسمع يا حنا! أنت ابن الشحادة، فقد شحدتك، منذ تزوجت أباك، وفي كل مرة كنت أحمل فيها، كانت تعاقبني، فأرزق ببنت، أنا التي كنت أسألها الصبي، أسألها أنت، وأنت لم تأت إلا في الحمل الرابع، الذي بكيت فيه من الفرح، بينما كنتُ، قبل ذلك، أبكي من الحزن. لقد منحتني إياك بعد طول انتظار، وطول معاناة، لكن المحنة كانت، حتى مع الشكر، منحة مهددة بالأمراض، والخوف عليك منها، ثم الدعاء إلى الله، في أن تعيش، كرما لي، حتى لا أعيش الخيبة من جديد، وهذا ما حدث، فقد ولدت عليلاً، ونشأت عليلاً، وكان الموت والحياة يحومان حول فراشك، الذي كان طراحة على حصيرة في بيت فقير إلى حد البؤس الحقيقي.. كنت شمعة تنوس ذبالتها في مهب ريح المرض، وكنت أسأل الله، وأنذر النذور، وأسأل الريح، بكل ما في الابتهال من ضراعة، ألا تنطفيء الشمعة التي كنتها، حتى لا أفجع فجيعة تودي بي إلى القبر، وشاء الله، سبحانه وتعالى، أن تعيش في قلب الخطر، وهذا الخطر لازمك حتى الشباب، وعندها تحول من خطر الموت إلى خطر الضياع، في السجون والمنافي، هذه التي أبكتني بكاءً مضاعفاً، خشية ألا أراك، وأنت تعطي نفسك للعذاب في سبيل ما كنت تسميه التحرر من الاستعمار الفرنسي، وتحقيق العدالة الاجتماعية!».

 

ولد حنا مينا في مارس 1924 وعاش طفولته في إحدى قرى لواء الاسكندرون علي الساحل السوري. وفي عام 1939 عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية ، عملت والدته وأخواته الثلاث خادمات، بينما عمل هو أجيراً، فقد اشتغل حلاقاً وحمالاً في ميناء اللاذقية، ثم كبحار على السفن والمراكب، كما اشتغل في العديد من المهن الأخرى.

لم يكن حنا يظن أنه سيصبح كاتباً معروفاً، بدأ رحلة التشرد وهو في الثالثة من عمره. يقول: كان أبي ـ رحمه الله ـ رحالة من طراز خاص، لم ينفع ولم ينتفع برحلاته كلها، أراد الرحيل تلبية للمجهول، تاركاً العائلة أغلب الأحيان، وفي الأرياف للخوف والظلمة والجوع، ولطالما تساءلت وراء أي هدف كان يسعى؟ لا جواب طبعاً، إنه بوهيمي بالفطرة .

يقول عن نفسه “أنا خريج جامعة الفقر الأسود، الفقر نوعان: أبيض كالذي أعيشه الآن، وأسود كالذي عشته في طفولتي، حين كنت جائعاً، حافياً، عارياً، حرصت أمي، على إدخالي المدرسة، كي يتعلم “فكّ الحرف”، وأن أصبح، بعد فكّه، كاهناً أو شرطياً، ولا توسط بينهما، وبعد أن كبرت، وألقيت بنفسي في التيار الهادر لمقاومة الاحتلال الفرنسي، تمنت الأم لو لم ترسلني إلى المدرسة، وأن أكون راعياً، بدل أن أكون مكافحاً في سبيل الاستقلال، وما عانيته في السجون الفرنسية، وحتى السجون الوطنية، على امتداد عهد الإقطاع، بعد الاستقلال، كان يؤرقها.

 

آمال الأم خابت كلها، فلم أرتسم كاهناً، ولا دخلت سلك الشرطة، أو قدّر لي أن أكون راعياً، مع أنني مارست من المهن ما هو أبشع منها وأفظع، فقد عملت، كما هو معروف من سيرة حياتي، أجيراً وأجيراً وأجيراً، وتطوعت في البحرية بعد دخول قوات فرنسا الحرة إلى سوريا، في الحرب العالمية الثانية، ولما لم يكن لي حظ التعبئة والتسويق إلى العلمين، لقتال جيش رومل، ذئب الصحراء، فقد تركت الخدمة كجندي في البحرية، لأصبح بحاراً، لمدة قصيرة، على المراكب الشراعية، التي تنتقل بين مرافيء المتوسط العربية، وعلى هذه المراكب، خلال العواصف، عانيت الموت، في نظرات باردة، لأفعى اللجة، ومن هنا كان ولعي بالبحر، ثم الكتابة عنه، عندما تعاطيت مهنة الحرف الحزينة، القذرة واللذيذة، حسب تعبير ارنست همنغواي، والتي لا انفكاك منها سوى بالموت”..!

بدأت حياته الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية. يقول: صرخت فيها على كيفي، غيرت العالم على كيفي، أقمت الدنيا ولم أقعدها، ضاعت المسرحية ومنذئذ تهيبت الكتابة للمسرح ولم أزل، القصص ضاعت أيضاً، لم أشعر بالأسف وكيف أشعر به وحياتي نفسها ضائعة؟ ثمّ إنني لم أفكر وأنا حلاق وسياسي مطارد بأنني سأصبح كاتباً، كان هذا فوق طموحي رغم رحابة هذا الطموح صدقوني إنني كاتب دخيل على المهنة وأفكر في تصحيح الوضع والكف عن الكتابة، فمهنة الكتابة ليست سواراً من ذهب بل أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة ..!

 

ذات يوم سألته سيدة مليحة، تحمل شهادة دكتوراة في تربية الأطفال، عن انتشاره الواسع فأجابها:

– الحظ يا سيدتي!

قالت:

– وبعد الحظ؟

– الحظ ولا شيء آخر!

– لا! هناك شيء آخر فما هو؟ أجبني بصدق.

قال بغرور:

– ما أريده أن يكون، يكون فعلاً!

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!