مركز تشاتام هاوس …لماذا يُعتبر العمل العسكري وليس السياسي هو سر نجاح روسيا


 

 

 

لقد حقق الإتفاق على الإيقاف المحدود للأعمال الحربية في سوريا بعض أهدافه المباشرة في الحد من إراقة الدماء وتهيئة الظروف لتوصيل المساعدات الإنسانية الطارئة. لكن من خلال تلبية مجموعة واسعة من الأهداف الروسية, والتي لاتقتصر على سوريا في حد ذاتها, هذا يدخر مشاكل للغرب. بوجه خاص, أكد الإتفاق لروسيا أن التدخل العسكري الجازم هو أكثر السُبل فاعلية لتحقيق نتائج سريعة وإيجابية في السياسة الخارجية (بالنسبة إلى موسكو(.

 

تمتلك روسيا جميع الأسباب لكي تكون راضية عن الإتفاق الحالي. إنه يحقق هدفاً روسياً والذي كان متماسكاً منذ بداية الصراع في سوريا: وقف العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات المعارضة ضد حكومة الأسد. إن جماعات المعارضة هذه التي اشتركت في خطة وقف إطلاق النار تعهدت أيضاً بالإنضمام إلى الجولة القادمة من محادثات السلام في جنيف, مقابل الوعد – سواء صادق أم لا – بعدم شن المزيد من الهجمات من طرف الحكومة أو من طرف روسيا. هذا يتماشى مع هدف رئيسي آخر لروسيا: إنتقال السلطة للتفاوض فى سوريا   , بدلاً من الرحيل الجبري للرئيس بشار الأسد الذي أصرت عليه الولايات المتحدة في السابق.

لكن الضرر الأكبر الوحيد لإتفاقية وقف إطلاق النار هو إنها تبرهن مجدداً على أن العمل العسكري المباشر في الخارج هو أفضل طريقة لروسيا لكي تحقق أهدافها الإستراتيجية, بالقليل من النتائج العكسية إن وجدت. تمثل سوريا الحادثة الرابعة, بعد كوسوفا, جورجيا وأوكرانيا, حيث قلب التدخل العسكري الروسي الحاسم الموقف بشكل كبير لصالح موسكو. في الثلاث حالات الأخيرة, حصل هذا على تأييد دولي – فُرض وقف إطلاق النار عام 2008 على جورجيا من قِبل الرئيس الفرنسي, واتفاق مينسك تم الإشراف عليها من قِبل قادة فرنسيين وألمان, والآن الإتفاقية السورية تم قبولها من جميع أعضاء مجموعة دعم سوريا الدولية البالغ عددهم 20 عضواً. ستكون النتيجة هي تشجيع روسيا على المزيد من المغامرية العسكرية, واثقة أن مخاطر رد الفعل الدولي الكبير منخفضة.

إن الجولات الحالية من الإدعاء والإدعاء المضاد حول حيز وقف إطلاق النار, وأين وعلى من سيُطبق, كانت حتمية. لقد أعلنت روسيا مسبقاً إنها سوف تستأنف العمليات العسكرية ضد “الإرهابيين.” هذا يتماشى مع الغرض من خطة وقف إطلاق النار, لكن روسيا تواصل تسمية أي شخص يريدون مهاجمته بـ”الإرهابي”, وهذا يشمل أجزاء من المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة. على وجه التحديد, العادة الروسية بإدعاء أن جماعات المعارضة هي في الواقع جبهة النصرة تمنح شرعية زائفة للإدعاء بأن وقف إطلاق النار لا يشملهم.

تمتلك موسكو تاريخاً متماسكاً من إستغلال الثغرات في إتفاقيات وقف إطلاق النار, أو في الواقع تجاهلها بالكامل. لقد اُتهمت روسيا لسنوات بإنتهاك بنود إتفاقية 2008 لوقف إطلاق النار في جورجيا. في الواقع, على الرغم من أن التصرفات الروسية خالفت روح تلك الإتفاقية, إلا إنها كانت تتطابق تماماً مع التفسير الحرفي الدقيق لنصها – الذي تم صياغته في موسكو. في أوكرانيا, وجدت روسيا وقواتها الإنفصالية توقيت إتفاقية مينسك غير ملائم, وواصلوا هجومهم حول ديبالتسيفي عقب الإتفاق على وقف إطلاق النار حتى أصبحوا راضين أكثر عن الموقع التكتيكي. تواصلت إنتهاكات تلك الإتفاقية لوقف إطلاق النار منذ ذلك الحين.

النظرة الروسية الأبعد

إضافة إلى هذا, في الحين الذي تركز فيه أوروبا والولايات المتحدة على الهدف قصير الأمد بإنهاء القتال في سوريا – أو على الأقل قصره على العمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) – الأهداف الروسية لها أُفق أبعد بكثير. تواصل سوريا العمل كإلهاء مفيد عن التصرفات الروسية في أوكرانيا, مع النتيجة النهائية المحتملة برفع العقوبات –خاصة إذا ظهرت روسيا وإنها تعمل إلى جانب الخطط الغربية لمعالجة مسألة داعش, وواصلت النجاح في حملتها الإعلامية لإقناع الغرب بأن أوكرانيا هي من تتحمل مسئولية الفشل في تطبيق اتفاق مينسك.

إن الإتفاقية تعزز أيضاً الهدف الروسي بأن تصبح روسيا سمسار سلطة رئيسي في الشرق الأوسط, والهدف المنشود منذ فترة طويلة بالإعتراف بالنفوذ الروسي. إن المشاركة مع الولايات المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار يتوافق مع إشتياق روسيا لدورها السابق كالقوة العظمى الأخرى في عالم ذو قطبين. بهذه الطريقة, يمكن رؤية الخطة في موسكو كخطوة بإتجاه عكس “الإنحراف التاريخي” للنفوذ العالمي الروسي المتراجع عقب إنتهاء الحرب الباردة. في الوقت نفسه, تواصل القوات المسلحة الروسية الإستفادة من فرصة التدريب الفريدة التي تقدمها العمليات في سوريا. لقد وصف الرئيس فلاديمير بوتين الصراع على إنه “تدريب” لروسيا, ويزعم جنرالاته أن إرسال الرجال والمعدات إلى سوريا في جولات قصيرة من أداء الواجب والتي تشمل أجواء حية لإطلاق النار والعمليات أقل تكلفة من إجراء تدريبات واسعة النطاق في روسيا.

في موسكو والأماكن الأخرى, إتفاقية وقف إطلاق النار تقوض بشكل كبير القوة الملموسة للغرب, وبوجه خاص قوة الولايات المتحدة. إن التغير في السياسة الأمريكية من الإصرار على رحيل الأسد إلى إمكانية قبوله كجزء من إنتقال سياسي متفاوض عليه يمثل تراجعاً في وجه الجزم العسكري الروسي. يمكن تصوير الولايات المتحدة على إنها تخلت عن حلفاءها: أعلن وزير الخارجية جون كيري أن جماعات المعارضة التي كانت الولايات المتحدة تدعمها سوف تجعل نفسها هدفاً للضربات الجوية المتواصلة والعمليات البرية إذا لم تتعاون مع خطط روسيا وتشترك في وقف إطلاق النار والمفاوضات السياسية. عقب إتفاقية الأسلحة الكيميائية في سبتمبر 2013, تمثل هذه الحادثة البارزة الثانية التي تم إستخدام وزير الخارجية جون كيري كأداة لتأييد وإقرار خطة لسوريا تم رسمها في موسكو.

كل هذه العمليات, وبالتحديد تأكيد أن السياسة الغربية يمكن تغييرها من خلال العمل العسكري, سوف تشجع روسيا على أن تكون أكثر حزماً في السعي وراء أهدافها في المستقبل. هذا يجعل الأمر أكثر صعوبة على الغرب لكي يحمي نفسه من الجزم الروسي – خاصة في غياب الإرادة السياسية المثبتة لفعل ذلك, والقوة العسكرية الكبيرة في الدول الأوروبية التي تحد روسيا لكي تعمل كرادع حاضر وذو مصداقية.

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!