“الهروب السعودي والتركي الكبير”: تسوية لبنان مؤجلة


كتب المحرر السياسي:

نقاشات أميركية وروسية وأوروبية على ضفاف “الهدنة السورية”

يكاد يكون المشهد معبرا أحيانا أكثر من الكلام: سفير السعودية في بيروت علي عواض عسيري يستقبل “القوافل” التي احتلت شارع “بلس” الفخم، في طريقها للتضامن مع المملكة الحانقة على عدم بيعها موقفا رسميا لبنانيا متضامنا معها ضد احراق سفارتها في طهران. في بئر حسن، ومن مبنى يقع في منطقة تحيط بها أكواخ الباعة وبعض المؤسسات الصناعية، والشركات التي تبيع الخردة، يطل في اللحظة نفسها سفير ايران في بيروت محمد فتحعلي ومن حوله ممثلو “حماس” و”الجهاد الاسلامي” و”فتح” وكل تنظيمات “التحالف” و”الفصائل الفلسطينية”، ليعلن أن ايران قررت تبني كل شهداء  وجرحى انتفاضة القدس وعائلاتهم. قبل ذلك بنحو سنتين ونيف، يخرج سفير الجمهورية الاسلامية غضنفر ركن أبادي الذي توفي في حادثة التدافع في منى، من مبنى السفارة ذاته في محلة في بئر حسن، وذلك بعد ساعات قليلة من محاولة تفجير انتحارية مزدوجة ضده وباقي أفراد طاقم السفارة، ليعلن أنه حزين لأنه لطالما وعد نفسه بالجنة.. وبأن يلاقي ربه شهيدا، وهذا ما لم يحالفه في ذلك اليوم. في السابع من أيار 2008، أقفل مطار بيروت الدولي، كما كل شوارع العاصمة ومداخلها، وعندما تعذر على سفير السعودية السابق في لبنان الوزير عبد العزيز خوجة، المغادرة جوا، طلب من أحد أصدقائه أن يوفر له زورقا سريعا، ولم تمض ساعة، حتى كان يغادر البحر اللبناني تحت جنح الظلام باتجاه قبرص ومنها جوا الى الرياض. من يسوق هذه المشاهد ليس قياديا حزبيا في “8 آذار” بل وزير سياسي مخضرم في “14 آذار”، وذلك في معرض قوله لسائله:”هل تعتقد أنه يصعب الحصول على جواب الى أين يمكن أن تؤول المواجهة الحالية بين طهران والرياض، اذا قارنا هذه المشاهد”؟

 

تسوية لبنان مؤجلة

قبل “دولة لبنان الكبير” كانت “الثورة العربية الكبرى” وقبل استقلال العام 1943 حسمت معادلة حياد لبنان الاقليمي.. وقبل تسوية الطائف انتهت “الحرب الباردة”. للتسوية السياسية اللبنانية شروطها، وهي تسوية لا تقتصر على رئيس للجمهورية بل تتعلق باعادة صياغة توازنات السلطة. هل علينا أن ننتظر ما ستسفر عنه معالم انتاج نظام عالمي جديد تتبلور ملامحه السياسية والاقتصادية على أرض سوريا؟ منذ اللحظة الأولى لبدء العملية العسكرية الروسية في سوريا، عبرت أكثر من دولة نافذة في الاتحاد الأوروبي بلسان وزراء الخارجية عن وجهة نظر ايجابية مفادها ان العملية تحمل ايجابيات كثيرة ابرزها تعزيز نفوذ روسيا في سوريا الأمر الذي يجعلها مستقبلا قادرة على الزام النظام السوري بحل سياسي معين في اللحظة والكيفية التي تراها مناسبة، وهذا يستوجب منا كدول أوروبية الانخراط سياسيا مع الروس وتشجيعهم وليس مقاطعتهم أو وضع العصي في الدواليب. استوجب هذا التفهم الأوروبي العالي مد اليد الى الروس من تحت الطاولة وتقديم دعم سياسي جدي للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا الذي بدأ يلمس غداة العملية الروسية بروز ارادة سياسية جدية من موسكو وواشنطن في المساعي الهادفة لايجاد تسوية للأزمة السورية. هذا العنصر السياسي ـ الميداني المستجد، وأساسه العملية العسكرية الروسية المتدحرجة في الشمال السوري، بدا منذ اللحظة الأولى محكوما بالسقف السياسي والعسكري غير المفتوح الذي وضعه الروس لعمليتهم في سوريا، وهو سقف لا يتعارض نهائيا مع الموقف الايراني الذي اعتبر أن صمود “المحور” لمدة خمس سنوات، أجهض محاولات اسقاط النظام السوري، لكن الرهان على تحقيق انتصار عسكري كامل هو أمر غير قابل للتحقق ولو بعد عشرات السنوات.

التسليم الغربي ببقاء الأسد

لا بد من تسوية، وهذه التسوية أدرك الأميركيون والأوروبيون حروفها الأولى: الاقرار باستمرار الرئيس السوري بشار الأسد في منصبه الرئاسي، والسعي مع الروس والايرانيين الى التفاهم على ما يسمونها “مرحلة معقولة” ضمن “المرحلة السياسية الانتقالية” من دون استخدام المصطلح الأخير تفاديا لاستفزاز النظام السوري. واللافت للانتباه في النقاشات الغربية التي رافقت محادثات جنيف هو ظهور ملامح مناخ أوروبي(ما زال محدودا) يتفهم أحقية الأسد بالترشح لولاية رئاسية جديدة، تحت سقف المبادرة الايرانية الرباعية(وقف نار، تشكيل حكومة اتحاد وطني، انتخابات نيابية ثم رئاسية)، وأيضا الحفاظ على علمانية سوريا وعلى أن تكون معظم مؤسسات الدولة السورية الحالية “جزءا من مستقبل سوريا الطويل الأمد”، كما تضمنت مداخلة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي فيدريكا موغيريني خلال اجتماع على مستوى الخبراء في شباط المنصرم. هذه النقاشات الأوروبية والأميركية لم تأت من العدم أو بفعل “صحوة ما”. هناك عنصران ساهما في هذا التغيير الجوهري في الموقف الغربي. أولهما عنصر الأمن وتزايد المخاطر على الأمن القومي لكل دولة أوروبية(ضمنا الأمن القومي الأميركي باعتبارها زعيمة “الناتو”) والعنصر الثاني هو قضية اللجوء السوري التي تهدد بتغيير هوية أوروبا السياسية، في ظل تقدم مضطرد للأحزاب اليمينية المتطرفة(خصوصا في فرنسا والمانيا) التي تركز في حملاتها على خطاب نبذ اللاجئين وطردهم وعدم منحهم اللجوء وبالتالي تجاوز البعد الحقوقي الانساني الذي كان يحكم سلوك أوروبا طيلة العقود الماضية.

 

انكفاء أميركي.. واقتحام روسي!

ولا يجب تجاهل عامل آخر يقع في صلب هذا التحول الأوروبي، وهو التعامل بواقعية مع انكفاء الولايات المتحدة دوليا وتنصلها التدريجي من تحمل مسؤولياتها الأوروبية، الأمر الذي يضع

القارة الأوروبية على سكة التحول من واحة منفتحة منذ الحرب العالمية الثانية الى بقعة سياسية واقتصادية منغلقة على ذاتها، بدليل النقاشات الجارية حول استمرارية الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة والاصلاحات الاقتصادية و”الشينغن” والهجرة وغيرها! والملفت للانتباه أنه بالتزامن مع الانكفاء التدريجي الأميركي، ثمة صعود قياسي للدور الروسي في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، لا بل أضحى المعطى السوري بالنسبة للقيادة الروسية، رافعة لاعادة صياغة الدور الروسي، اقليميا ودوليا، وهذه النقطة، أثارها الرئيس فلاديمير بوتين مع مرشد الجمهورية الاسلامية في ايران السيد علي الخامنئي، في لقائهما الأخير في طهران، وذلك في معرض تدليله على قرار موسكو بالمضي في الخيار السوري “حتى النهاية”، وهو بذلك، كان يعطي اشارة حول ضرورة تكامل مصالح موسكو وطهران مستقبلا في هذه الساحة الملتهبة وفي ســـاحات أخرى، ربطا بالتحديات الاقتصادية وخصوصا تحدي الغاز والنفط في العقود المقبلة… ونقل عن بوتين قوله في هذه الزيارة ان رجب طيب اردوغان “بحاجة الى نفط رخيص واذا انوجدت حكومة دمية في دمشق تأتمر باوامره.. سياخذ هذا النفط بأبخس الأثمان”. هذه العبارة التي قالها بوتين في طهران تشكل مفتاحا للتعرف على حيوية الدور الروسي أبعد من “المياه الدافئة” في شرق المتوسط والمصالح التاريخية في سوريا ومقولات “سوريا المفيدة” وعدم تكرار تجربة ليبيا وغيرها، فالروس يتفهمون أهمية استمرارية “الخط الآمن” من طهران الى المتوسط، ولكن الأهم أنهم يتفقون مع الايرانيين على محورية قطاع الطاقة في رسم مستقبل المنطقة والعالم، وهم يسعون للتحكم بعنابر الطاقة والغاز، لا أن يتحكم بها التركي الذي كان يطمح الى عقود مع الروس والايرانيين والاسرائيليين والخليجيين(مع بداية الأزمة السورية)، بما يجعله المتحكم بكل الأنابيب المتجهة الى أوروبا أو تلك العابرة للمتوسط. الهروب السعودي والتركي الكبير ومن سوء حظ أردوغان أن مشروع التحكم بسوريا وخطوط النفط فيها، لم يسقط وحسب، بل ثمة خسارة أكبر مع انهيار علاقاته الاقتصادية والسياسية مع روسيا وبرودتها مع ايران، والأخطر تزامن ذلك مع ادارة ظهر أوروبية له، حيث صار طموح تركيا بدخول الاتحاد الأوروبي شبه مستحيل، في ظل “فوبيا” المهاجرين والاسلام، فكيف مع بلد يصل تعداد سكانه الى حوالي 75 مليون نسمة؟ هكذا انتهى طموح “الأمبراطور العثماني” بالتمدد جنوبا كما شمالا بعد اقفال أبواب القارة الأوروبية بوجهه، ويصبح السؤال هو مدى قدرة الديناميات الداخلية التركية على انتاج واقع جديد سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وهل يمكن أن تتطور العلاقات السعودية ـ التركية الى حد انشاء “محور سني” بات يمثل ضرورة متبادلة للبلدين؟ من هذه الزاوية يمكن تفسير عدم حماسة أنقرة والرياض لوقف النار في سوريا الذي دخل، بنسخته الأولى، حيز التنفيذ في نهاية شباط، وهما سيحاولان التعويض عبر محاولة تحقيق مكاسب سياسية تعوض العجز الميداني والانهيارات التي أعقبت التدخل العسكري الروسي. وليس خافيا أن خيار الهدنة قيمته السياسية أكبر من قيمته الميدانية، اي أنه يعكس للمرة الأولى وجود ارادة دولية جدية بوضع سوريا على سكة الحل السياسي، مع الاقرار الضمني بأن سوريا لن تكون الا جزءا لا يتجزأ من نفوذ روسيا في المنطقة. ولا يمكن تفسير الاندفاعة السعودية الأخيرة في لبنان، والمتمثلة في قرار وقف هبة الثلاثة مليارات دولار المقررة منذ سنتين ونيف للجيش اللبناني، عن طريق الفرنسيين، وأيضا هبة المليار التي اعقبت معركة عرسال في مطلع آب 2014، الا في سياق محاولة التعويض عن الخسارة المحتملة في كل من سوريا والعراق. يتشابه الأتراك والسعوديون. أقفلت الأبواب بوجه أردوغان، وصار مضطرا للقتال في عقر داره، وهو بات يشعر بخطر وجود اذا تطور التعامل الدولي مع الأكراد الى حد “الدولة الكردية”. أقفلت الأبواب بوجه السعوديين. لم تحل “دولة سنية محل صدام حسين” بل استولد الاحتلال الأميركي الذي حملوه “على الراحات” دولة بنفوذ ايراني، وها هي ايران تتحكم بالميدان السوري ويختل ميزان القوى لمصلحتها لبنانيا، ناهيك عن دعمها للحوثيين وعلي عبدالله صالح في “حرب اليمن”. عمليا، أقفلت الأبواب أمام النفوذ السعودي، حتى باكستان لم تتبرع بارسال جندي بالبر الى اليمن. صار السعودي مهددا بالقتال على أرضه بوجه “القاعدة” وأخواتها كما بمواجة النفوذ الايراني الذي بات يحاصر المملكة في البحرين واليمن والعراق، ويقلقها في الداخل. هل نحن نشهد “الهروب السعودي والتركي الكبير” الى الأمام؟

 

العين على ليبيا في العام 2016

على الأرجح، هو هروب لن يكون مسموحا أن يهدد الخرائط التي ترسم للمنطقة. لبنان على سبيل المثال ليس على جدول اهتمامات لا الأميركيين ولا الأوروبيين. كل المطلوب من لبنان برئيس أو بفراغ رئاسي وحكومي ونيابي، أن لا يفرط بالاستقرار. والسبب بسيط: ثمة كتلة مليونية سورية ليس مسموحا أن تهتز الأرض تحتها في ظل عدم اكتمال شروط التسوية الشاملة في سوريا. أي اهتزاز يهدد بانتقال هذه الكتلة الى الجوار.. الأوروبي المتوسطي، وهذا أمر لامس “الخطوط الحمر”.. والدليل هو ما ستشهده ليبيا في العام 2016 من جهد دولي، سياسي وعسكري، سيجعل الأنظار تبتعد عن سوريا والشرق الأوسط نحو شمال أفريقيا، خصوصا وأن تنظيم “داعش” يتغلغل هناك بطريقة غير مسبوقة.. ولو أن المصريين يصرون حتى الآن على عدم الاعتراف بوجود فرع ل”داعش” على أرض مصر. رحم الله الكاتب العربي الكبير محمد حسنين هيكل الذي كان أول من حذر من خطر “داعش” الداهم في سيناء، ومنها نحو دلتا النيل. (ينشر بالتعاون مع صحيفة الاعمار والاقتصاد)

Author: Jad Ayash

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!