جورج لوكاتش .. الماركسية الغربية


 مارك مجدي

يعتبر جورج لوكاتش هو المؤسس الحقيقي لما يسمي بالماركسية الغربية، فقد كانت أفكارة عن الماركسية كمنهج وممارسة في تمايز واضح عن الماركسية السوفيتية المؤدلجة السائدة، تعتبر كتاباته في الأدب والفن والمسرح بجانب أفكارة عن الانتاج الثقافي والطبقات الاجتماعية هي المصادر الاساسية التي اطلع عليها رواد المدرسة الإنسانية من ثم تأثر بها الفكر الاوروبي في المجمل. ورغم اعتبار لوكاتش مهرطق من ناحية الاتحاد السوفيتي، ظهرت أعمالة الي النور في فترة حياتة لتؤثر بشكل واضح في بلورة منهجية متماسكة في مواجهة منظري الرأسمالية ومفكريها. هو مفكر شامل وموسوعي لا يسعنا أن نلخص مجمل كتاباتة في تلك السطور القليلة ولكن يمكن أن تكون هذة المقالة مدخل لقراءة فكر لوكاتش الذي أخد علي عاتقة التنظير للماركسية في مواجهة كل الفلسفات الاخري السائدة في عصرة.

ولد الفيلسوف جورج لوكاتش في بودابست، عاصمة المجر عام 1885، واشتغل بالسياسة بجانب دراسته للحقوق في بودابست وبرلين، حيث حصل على الدكتوراه ثم أسس مع بعض زملائه من الطلاب مجموعة (تاليا) المسرحية حيث بدأ في تلك الفترة اهتمامة بالفن والأدب والموسيقي،  ثم أصبح عضواً في حلقة غاليله الأدبية والفكرية،  نشر مقالاته في الصحف المجرية الشهيرة آنذاك «غرب»، «القرن العرسين» وفي صحف أخرى.

أصدر كتابه الأول بعنوان «الروح والأشكال» الذي ظهرت فيه نظرته الفلسفية والجمالية من خلال دراسات تناول فيها مجموعة من الأدباء والشعراء، والفنانين، انتقل للعيش في هايدلبرغ بين عامي 1912- 1917، ومنذ عام 1917 ساهم في نشاطات كل من حلقة الأحد والمدرسة المستقلة للعلوم الفكرية، وفي عام 1915 التحق بالخدمة العسكرية غير المسلحة «خدمة ثابتة»، ولكن أعفي منها عام 1916، وقد زادت الحرب العالمية الأولى من كرهه للرأسمالية، فوجد طريق الخلاص في الثورة، فانتسب إلى الحزب الشيوعي المجري وصار مسؤولاً سياسياً في الجيش الأحمر، خلال فترة ما يسمى الجمهورية النيابية أو جمهورية المجالس في المجر. وبعد سقوط الجمهورية سافر إلى فيينا ومارس من هناك عمله السياسي كعضو لجنة مركزية في الحزب الشيوعي المجري.

في عام 1926 أشرف على معهد ماركس- أنجلز- لينين ثم عاد الي وطنة عام 1945، فأصبح نائباً في المجلس البلدي، لكنه استقال من منصبه ليصبح أستاذاً في الجامعة ثم عضواً فخرياً لأكاديمية العلوم المجرية. ,وفي تلك الآونة دار في المجر ما يسمى جدل لوكاتش الذي تركزت مناقشاته حول نظرة جورج لوكاتش حول الديمقراطية. وفي عام 1956 عين وزيراً للفنون الشعبية.  اعتقله السوفييت بعد شيوع أفكارة النقدية ورؤيتة المجددة للماركسية، ونفي إلى رومانيا، ثم عاد إلى الوطن فلم يسمح له بنشر أعماله إلا في الصحف الغربية.

الوحدة الشاملة و التشيؤ:

كان غرض لوكاتش الأساسي في مجمل كتاباته هو إعادة تأسيس وتطوير القاعدة الفلسفية للتوجه السياسي اللينيني، فقد صاحب رفضه لرؤية الماركسية الأرثوذكسية للفن، مراجعة لدور الأحزاب العمالية في صياغة وعي طبقاتها، فالرؤية الأرثوذكسية رأت التعبيرات الفنية في جملتها نتاج للقاعدة الاقتصادية وفقط، أي أن الفن ما هو سوي نتاج الوضع الاقتصادي، فبينما كان يدافع لوكاتش عن استقلالية الانتاج الثقافي كانت النتيجة التي توصل إليها من مجمل أبحاثه هو أن في ظل الراسمالية، يتحول الانتاج الثقافي الي صناعة لترسيخ دعائم الراسمالية، فزاد تمسكة بالدفع نحو مزيد من الاستقلالية للعمل الفني عندما عمل وزيرا.

لم تكن فكرة البنية التحتية والفوقية هي الفكرة الأهم في الماركسية حسب لوكاتش، بل كانت فكرة علاقة الجزء بالكل، أي علاقة الاجزاء بالوحدة الشاملة علاقة جدلية، حيث تعطي التصورات التي يحملها الناس منظور جزئيا للعالم، وكل منظور جزئي يعطي صور محددة ومن جانب واحد، ولكن الكل يحتوي علي كافة التصورات المحدودة عنه، ولذلك فهو اسمى من أي منظور جزئي نظر إليه منفصلا عن غيره، وتتجاوز الجزئية فقط من خلال النفي للأفكار الثقافية وإعادة بنائها وتوجيهها صوب تكوين الصورة العامة للوحدة للشاملة، وهي فكرة هيجلية بامتياز. وتسمى عملية ربط الجزء بالكل عملية “التوسط” و هي عملية خلاقة لصوغ الوحدة. فعلي المستوي التحليلي يمثل الوجود الاجتماعي “الكل” وهو وحدة شاملة حيوية فهي في تغير وتطور مستمر ولا بد أن ينظر لكافة الأحداث والوقائع الاجتماعية في اطار صلتها بماضي وحاضر ومستقبل الكل الاجتماعي التي تشكل اجزاءة.

إن منهج الوحدة الشاملة الذي يطلق عليه ماركسية لوكاتش متجذر في الوضع الطبقي للطبقة العاملة، فالوضع الطبقي للعمال يمكن من بني منهج الوحدة الشاملة ولا يمكن انجاز الوحدة الشاملة إلا من خلال العمال حيث ان الاوضاع الأخري تطرح علينا رؤى محدودة وجزئية، ولذلك لا يجب أن تكون الماركسية لاباعتباها وصفا علميا محايدا وموضوعيا للعالم وفقط، بل كتعبير عن الوعي الفعلي للطبقة العاملة. ومع ذلك فهي لا تتطابق مع الوعي الفعلي للطبقة العاملة كما هو قائم في زمان ومكان معين، فالطبقة العاملة في مجتمع ما قد تحمل وعيا زائفا نظرا لسوء فهم وضعيتهم و مطامحهم، وهذا الوعي يوجه حزبا لدى قادته فهم واعي للوضع الحقيقي الذي تعيشة الطبقة، حتي يتسني الى الوصول الى الوعي الناضج. و بالضرورة تقود الطبقة العاملة طليعة من المثقفين من ذوي المعرفة العلمية.

لقد انشغلت أعمال لوكاتش الأولى بالفن والأدب ولكن مناقشاته في كتابة التاريخ والوعي الطبقي نظرت الى الثقافة بمعناها الواسع، فليست الروايات والمسرحيات مستمدة من الوضع الطبقي فحسب بل من سبل العيش كذلك، ومن هذا المنطلق بدأ في بلورة مفهوم التشيؤ فقام بإعادة فهم أعمال ماركس الأولي حول مفهوم الاغتراب وهو مفهوم له اصوله في تحليل ماركس لمسألة “عبودية السلع”، فأضاف لوكاتش مزيدا من الهيجلية لعمل ماركس الناضج. فقد جادل ماركس بأن السمات الشخصية للناس في المجتمع الرأسمالي غير متصلة بأدوارهم في عملية الإنتاج، حيث يعامل العمال ككم من قوى العمل التي تباع وتشتري وتخضع لعمليات ترشيد وتخصيص وتوزيع المهام، حتى تكون العلاقات بين الناس تبدو علاقات ذات ثمن تربط السلع بالمال، ويضيع معناها وطابعها  الإنساني و تتشيأ، فترى كالأشياء.

يؤمن لوكاتش بأن الفكر البرجوازي مقتصر بالضرورة على هذه المظاهر المتشيئة، فهو يعتني بالظواهر المنفصلة والمشابهة بالأشياء كما يتضح في الفكر الاقتصادي الكلاسيكي للبرجوازية، بينما الفكر البروليتاري حسب لوكاش هو المؤهل لتجاوز التشيؤ بقيادة المفكرين الطليعيين، فحين يفهم العمال كيف أصبحوا سلعة وكيف ينهض تحررهم على تجاوز الظروف الإنتاجية البرجوازية والمعارف البرحوازية حينئذ يصلون لمعرفة ذاتية ترشدهم في ممارستهم الثورية.

ونرى في محاولات لوكاتش مزيدا من ادماج البعد الهيجلي على الرؤية الماركسية واستند لوكاتش في هذا الى أعمال ماركس في الفترة ما بين 1844_1845، مما أثار حفيظة الماركسيين السوفييت.

ستكون أعمال لوكاتش بهذا الصدد هي المصدر الأساسي لدراسة مدرسة فرانكفورت حول صناعة الثقافة والتشيؤ والنظرة الأحادية للواقع.

الرواية كملحمة برجوازية:

ما قدمه لوكاتش حول الرواية الأوروبية هو أنه اعتبرها ملحمة بورجوازية عملت على قولبة المجتمع الأوروبي وفق تصوراتها الأيديولوجية، فقد قام لوكاتش بتفريعات في نظرية الرواية على ما جاء به هيغل، مستندا الى النظرية المادية في التحليل الاجتماعي للطبقات عند ماركس ليخرج من كل ذلك بأطروحته المشهورة بأن الرواية ليست إلا ملحمة البرجوازية التي ظهرت على مسرح التاريخ في أعقاب النهضة الأوروبية، وبالتحديد بعد الثورة الصناعية التي جعلت منها الطبقة السائدة في المجتمعات الأوروبية  وانطلاقا من تحليله للرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر قدم لوكاتش تصنيفا للرواية الأوروبية، قسمها على أساسه إلى ثلاث أنواع يقدمها تلميذه غولدمان في الأنواع التالية:

1 _ رواية ” المثالية المجردة” التي تتميز بنشاط البطل أو بوعيه الضيق للغاية بالقياس إلى تعقد العالم.

2 _ الرواية النفسية التي تنزع إلى تحليل الحياة الباطنية، وتتميز بسلبية البطل وبوعيه الواسع إلى الحد الذي لا يرضيه معه ما بمقدور عالم العرف أن يقدمه إليه.

3 – الرواية التربوية المنتهية بانحصار ذاتي الذي لا يشكل، رغم انه تنازل عن البحث الإشكالي، لا قبولا لعالم العرف ولا تخليا عن سلم القيم الضمني، هذا الانحصار الذاتي يمكن تخصيصه ” بالنضج الفحولي ” لبطل الرواية.

رغم أن لوكاتش وبعد تأليف كتابه واطلاعه على كم أكبر من الروايات قد بدت له إمكانية أخرى يمكن إضافتها للتصنيف السابق، “ولقد بدت له هذه الإمكانية الرابعة، سنة 1920 معبرة عن نفسها قبل كل شيء في روايات تولستوي التي تنزع نحو الملحمية وهذه  الإمكانيات المفتوحة أمام  الرواية جعلت لوكاتش يعود لنفس الموضوع بعد قترة كبيرة من الزمن على كتابة مؤلفه نظرية الرواية،  عاد لموضوع الرواية” في عام 1934 حين كان مقيما في موسكو، ليكتب دراسة أثارت جدلا عنوانها: تقرير حول الرواية. وبعد عام عاد إلى دراسته، مطورا عناصرها الأساسية ومحتفظا بها في آن، حيث أخذت هذه المرة عنوانا مختلفا هو: “الرواية كملحمة بورجوازية” ، وقام بتقديم منظور ماركسي للرواية.

إن الأفكار التي قدمها لوكاتش في كتابه نظرية الرواية وكذا في كتابه الآخر: “التاريخ والوعي الطبقي” سيأتي عالم الاجتماع لوسيان غولدمان ويبني عليها مشروعه حول سوسيولوجية الرواية ومنهجيته النقدية “البنيوية التكوينية”.

تحطيم العقل:

يعدّ كتاب «تحطيم العقل» ذروة مؤلفات لوكاتش وقد صدر في جزأين كبيرين، كان الأول حول بدايات اللاعقلانية الحديثة من شِلنغ إلى نيتشه، والثاني حول اللاعقلانية الحديثة من دلتاي إلى توينبي. تتراكب موضوعات الكتاب ضمن خط السيرورة التاريخية من الردة الإقطاعية أو نصف الإقطاعية والرومانسية ضد الثورة الفرنسية إلى الفاشية، من النضال ضد الجدل المثالي وفكرة التقدم البرجوازية إلى النضال ضد الماركسية والثورة البروليتارية.

الماركسية في مواجهة الوجودية:

دخل لوكاتش في مواجهة مع الفلسفة الوجودية كإطار كلي عام، وحاور جان بول سارتر فيلسوف الوجودية الفرنسية حول نقدة للماركسية من الداخل. فقد جادل حول انعدام جوهر الوجودية التي تصل في منهجيتها دائما بالنفي حيث ان الإنسان وفقا للوجودية هو وجودة بينما لا تحدد الوجودية ما هو الوجود. يرى لوكاتش أن الوجودية كاستمرار للفينومونلجيا ليست سوى تعبير عن حالة الفردية الفيتشية التي تعكس أزمة الإمبريالية. و من ناحيته فهو يرى الإنسان ليس سوى نتاج الظروف الموضوعية مع امكانيته لإعادة خلق نفسه من خلال الوعي الحقيقي بالذات.

 أهم مؤلفاته:

-الرواية التاريخية

-تحطيم العقل

-غوتة وعصرة

-دراسات في الواقعية

-بلزاك والواقعية الفرنسية

-ماركسية أم وجودية

-التاريخ والوعي الطبقي

-الروح والاشكال

توفي لوكاتش عام 1971 تاركا خلفه مسيرة نضالية حافلة، من عضوا في الحزب الشيوعي الي وزيرا، ومؤلفات من العيار الثقيل كانت اساسا لدراسات فلاسفة و مدارس فكرية كبري سادت انطلاقا من اقكارة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!