«رؤية أممية» لمستقبل الصغار المنتظر أن يتسلّموا مفاتيح الكوكب


من تغيّر المناخ إلى تأجج الصراع، ومنهما إلى الفقر بدرجاته والجفاف بأنواعه والسلام بتقلباته، الذي يُرجى أن يكون مستداماً شأنه شأن التنمية، يأخذ رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة بيتر طومسون أمور الكوكب وشؤون أفريقيا وأحوال المنطقة العربية إلى قلب الأسرة، حيث الأطفال الذين يجدون أنفسهم بين خيارين مستقبليين لا ثالث لهما، فإما حدّ أدنى من تعاون البشرية من أجل ضمان حياة معقولة لهم، أو استمرار جنونها تحقيقاً لمبدأ القضاء على الأخضر واليابس فيها.

ليس هناك أدنى تناقض بين الاهتمام بقضايا الاحتباس الحراري ومعضلات المحيطات من جهة، ومشكلات القارة السمراء من فقر وجفاف ومجاعات من جهة أخرى، بل العكس هو الصحيح. «في إطار زيارتي إلى السنغال حيث كنت شديد التركيز على أحد أهداف التنمية المستدامة الـ17 ومنها إنقاذ الحياة في المحـيطات، زرت تجمّعاً للصيادين قرب دكار وأذهلتني معرفتهم التامة بمشكلات تغيّر المناخ، فهم يلحظون تغيّر الحياة السمكية وقلتها وتحرّكها نحو الشمال. حتى في أثيوبيا التي لا تطل على محيطات، إلا أنني حاولت إقناعهم بأنه حتى المجتمعات التي لا شواطئ لها يجب أن تولي اهتماماً ومشاركة في حماية المحيطات».

ويبدو المنطق واضحاً في ما يختص بالعلاقة بين مواطن أفريقي يعاني فقراً وشبح مجاعة من جهة، واهتماماً واضحاً يوليه للمحيطات حين يعي أنها مصدر 50 في المئة من الهواء الذي يتنفّسه وأولاده وأحفاده.

ما يحدث في الهواء والمحيطات يؤثّـر في من يعيش في إحدى جزر المحيط الهادىء مثل فيجي (موطن طومسون)، أو في جنوب السودان أو في أعلى جبال هيمالايا. فالتأثير، سلباً أو إيجاباً، يطاول الجميع. وهذا الاهتمام بحال المحيطات ينعكـس في تشجيع مصر على المشاركة الفاعلة في «مؤتمر المحيطات الدولي» تحت عنوان «من أجل أحفادنا»، الذي ستشهده نيويورك أوائل حزيران (يونيو) المقبل.

الأحفاد والأبناء الذين يعانون حالياً معاناة رهيبة في منطقة الشرق الأوسط، المشتعل عدد من دولها بصراعات وآثار جانبية لرياح ربيعية دامية، موعودون بجهود أممية يفترض أن تصب في مصلحة الجميع. فأهداف التنمية المستدامة الأممية الـ17 عكس الأهداف الإنمائية للألفية التي سنّتها الأمم المتحدة وحوت ثغرات، أبرزها أنها كانت ذات أهداف محدودة للدول النامية.

يقول طومسون: «من شأن أهداف التنمية المستدامة للجميع إما أن تؤدّي إلى هلاك أحفادنا على هذا الكوكب أو تضمن لهم حياة هانئة سالمة. وقوام الخيار الأخير أمران: اتفاق باريس للمناخ وأجندة 2030». ويؤكّد أن الالتزام بهم يضمن للأحفاد حياة جيدة، وتجاهلهما أو عدم الالتزام بنصوصهما يحمّلنا مسؤولية القضاء على مستقبل الأبناء والأحفاد.

«الحياة كما نحياها حالياً غير مستدامة. نحن نستهلك وننتج بأسلوب يعصف بمبدأ الاستدامة، وبمعنى آخر نتجنّى على مستقبل الصغار». هذا التحذير الذي يطلقه طومسون ربما يلقى آذاناً غير صاغية أو عقولاً غير مهيأة في منطقتنا المشتعلة. لكنه ينفي ذلك بقوله: «لا يمكن تحقيق سلام مستدام من دون تنمية مستدامة، والعكس صحيح. وفي الأمم المتحدة يتركّز الاهتمام على استدامة السلام، وهو ما يبدو جلياً تماماً في كل من مجلس الأمن والجمعية العامة. بمعنى آخر، لم يعد الموضوع يتعلّق بحفظ السلام ولكن بمنع حدوث الصراع أصلاً».

يعود طومسون إلى الأصل مجدداً حيث الصغار من أبناء وأحفاد، وحتمية وضع أسس وقواعد لمنع نشوب الصراعات والوقاية منها، لأنه كثيراً ما تحدث إنتكاسة للسلام بعد تحقيقه. ويرى أن ضمان تحقيق مبادئ التنمية المستدامة تضمن الوقاية من الصراعات. فحين ترى الشعوب بنفسها اهتماماً بالصحة والتعليم ومجابهة الفقر والبيئة وغيرها يتولّد لديها الأمل.

ويشدد طومسون: «لا نفكر كثيراً في أنفسنا، بل في أطفالنـــا. وما أن تــدور العجلة حتى نسلّم لهم مفاتيح الكوكب ومعها ضمانات وأملاً بتنمية مستدامة تبقي على أسباب الصراع وعوامله بعيداً».

الكلمتان المفصليتان هما «الأمل» و«الأطفال»، وهما أيضاً اللتان تسببان وجعاً وجرحاً غائراً في المنطــــقة العربية في خضم الصراعات الدموية الدائـــرة رحـــاها. يبدو طومسون واثقاً جداً حين يردد: «لكل صراع نهاية. بعضهم في خضم المعاناة يشعــــر أن لا أمل أو نقطة ضوء، ولكن هذا ليس حقيقياً. التـــراجيديا تكمن في أن الصراع قد يستغرق وقتاً طويلاً، ويحصد أرواحاً عدة، ويهجّر أناساً لا حصر لهـــم. نعيش حالياً حقبة رهيبة مروّعة. لم يحـــدث من قبل أن شهدت الإنسانية هذا العدد من اللاجئين والنازحين. لكن الصراع ينتهي». ويدلل على ذلك بالصراعات الدمـــوية الطويلة التي خاضتها أوروبا على مرّ عقود بسبب رؤيتين مختلفتين للإيمـــان (الديـــن) أوقعت ملايين القتلى والضحايا.

ويعتبر طومسون أن «الحوار والاحترام للديانات المختلفة من مسببات التنوير وليس الصراع. هذا ما ينبغي أن نعلّمه لأطفالنا وأحفادنا. كما التفاهم واحترام اختلاف الآخرين وتقبّلهم يدفعنا إلى تجاوز هذه الصراعات غير المجدية لنتفرّغ للمهمة الرئيسة، ألا وهي تحقيق تنمية مستدامة تضمن كوكباً جديراً بالصغار والصغيرات».

يذكر أنه في خطوة معبّرة وللدلالة على دور الأجيال الجديدة، اصطحب طومسون حفيداته إلى المنصة لدى تنصيبه رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) الماضي، «لأنني أردت أن أوصل رسالة تساؤل عن حال العالم وشكله حين يصبحن بالغات في عام 2030. لو نجحنا في تحقيق أجندة 2030 حيث تنمية مستدامة وأمل واضح للجميع، فإنهن ومعهن بلايين سيعيشون في عالم جميل. لكن في حال فشلنا، نكون بذلك قد كتبنا كلمة النهاية أمام آمالهم وأحلامهم».

الحياة

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!