من خوسيه مارتي الى لينين مورينو… بلداننا ليست بهواً للامبريالية العالمية


بكثير من الحنكة، والروح المرحة، أهدى القائد الراحل هوغو تشافير، خلال اجتماع لرؤساء دول أمريكا الجنوبية مع رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما عام 2009، للرئيس  الأميركي نسخة من كتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية»، حيث يذكر الكاتب إدواردو غاليانو في كتابه الشهير  كيف استنزف الغزاة الاسبان ثروات اميريكا اللاتينية، مقتبساً من المؤرخ الأميركي إيرل جي هاملتون مايلي: “بين العامين 1503 و1660 وصل إلى ميناء إشبيلية 185 ألف كيلو جرام من الذهب و16 مليون كيلو جرام من الفضة”. كذلك يشير الكاتب إلى حجم الفوارق الطبقية الهائلة التي نتجت عن ذلك الغزو وعن نهب ثروات القارة، الأمر الذي أدى الى افقار شعوبها، فيقول : “قبل الثورة في كوبا كان واحد فقط، من كل عشرة عمال زراعيين يشرب الحليب، ومن يستهلكون اللحم في البلاد لم تتجاوز نسبتهم أربعة في المئة”.

الغزوات كانت مباركة انذاك من البابا، الذي يقول غاليانو في كتابه “ان كنيسة القديس بطرس بنيت من ذهب الهنود الحمر”، وأن المستعمرين الاسبان وصل بهم الامر أن يصنعوا حدوات أحصنتهم من الفضة، ويأكلوا بملاعق مصنوعة من ذهب جبال الانديز، بعد أن قهروا شعوبه الاصلية.

نتيجة للاستعمار القديم (الاسباني)، ولدت افكار خوسيه مارتي، فيما أنتج الاستعمار الجديد، وسياسة الامبريالية العالمية في نهب ثروات الشعوب أفكار  “تشي غيفارا” و”فيديل كاسترو”، ليرثها في فنزويلا هوغو تشافيز، والحداد البرازيلي اغناسيو لولا دا سيلفا، وابن الهنود الحمر الفقراء البوليفيي ايفو موراليس، ومعهم مطران البارغواي فرناندو لوغو، الذي تحدى الفاتيكان واستقال من سلك الكهنوت، ليساعد شعبه على الخلاص من براثن الإمبريالية وأعوانها، وصولاً الى الطبيبة التشيلانية اليسارية “ميشيل باتشليت”، مجسدين تلك الافكار في انتصارات متتالة  لقوى اليسار في القارة كلها، ضد مرشحي الولايات المتحدة وأعوانها، فشعوب القارة قالت كلمتها عبر صناديق الاقتراع : بلداننا لم تعد بهواً خلفياً لكلاب الاستعمار الجديد، وصندوق النقد الدولي بسياسته المتوحشة.

الانتصار اليوم يأتي من كيتو عاصمة الاكوادور، البلد المنتج والمصدر الاول في العالم للموز،  والثامن عالمياً بانتاج الكاكاو، والعضو الاساسي في اوبك، حيث انتصر في انتخابات الرئاسة هناك مرشح اليسار لينين مورينو والنائب الأسبق للرئيس  المنتهية ولايته “رافاييل كورّيا” الذي زاوج بين ماركسيته و “الفكر الكنزي” في الاقتصاد، مُعدلاً دستور بلاده،  بحيث يمنع الحكومة من الاقتراض من أجل إقامة المشاريع الاجتماعية. وقد فضح “كورّيا” سياسة صندوق النقد الدولي ذات مرة  قائلاً: لقد راكمت الدول الامبريالية  ديوناً كبيرةً على أميركا اللاتينية، من خلال حكومات ديكتاتورية متعاملة معهم، وفي كل مرة كانوا يقولون صحيح إنها مديونية كبيرة، لكن يمكنكم سدادها من خلال المشاريع المربحة. وعندما جاء صندوق النقد الدولي وقال: “خذوا هذه الأموال من أجل التطوير الاجتماعي”، وبدوا وكأنهم طيبون. المشاريع الاجتماعية مفيدة جداً، لكننا بحاجة إلى دولارات من أجل السداد. في النهاية كلها ديون غير شرعية، ولا ترحم”.

“لينين مورينو”، نائب الرئيس الأكوادوريِ بين عامي 2007 و 2013، هو أيضا المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الإعاقة منذ عام 2013. مورينو من مواليد عام 1953، والده كان معلماً في مدرسةٍ ريفية حكومية، وهي مهنة يتميز بها اشتراكيي أميركا اللاتينية،  ويشبه مورينو الرئيس الثاني والثلاثون للولايات المتحدة الأميركية “روزفلت”، فهو يستخدم كرسياً متحركاً، كونه  خسر سيقانه في عام 1998 عندما أطلقت، المافيا، عيارات نارية على ظهره في حادثة سطو كبيرة حصلت في كيتو، وهو من الناشطين في حركة حقوق المعاقين.

وبحسب صحيفة ‘غارديان’ فإنه خلال فترة عمل مورينو كنائب للرئيس كوريا، “تحولت الإكوادور إحدى أكثر الأمم تقدماً في أميركا اللاتينية فيما يتعلق بتقديم المساعدات المالية والتقنية  للمعاقين”. وعمل مورينو على تغيير نظرة المجتمع الى الشخص المقعد، فقد انتشرت الطرق المنحدرة المخصصة للمقعدين في جميع أرجاء الإكوادور، وخصص للأشخاص ذوو الإعاقات الشديدة رواتب شهرية تقدر بــ 300$ . كما ساهم بوضع قانون يُجبِر الشركات الإكوادورية على تخصيص ما نسبته 4% من الوظائف للأشخاص ذوي الإعاقات. كما يضاف الى رصيد الرئيس الجديد عشرة كتب تحث المقعدين على التفاؤل.

سيتسلم لينين مقاليد الحكم من سلفه كورّيا أواخر شهر ايار/مايو المقبل، لولاية مدتها أربع سنوات. انتصار مورينو دليل واضح على ان قاطرة الحركات اليسارية ما تزال مستمرة رغم الخسارات التي منيت بها الحركة خلال العامين الماضيين. فهل ستكون النتائج مماثلة في الانتخابات الكبيرة التي ستجري في تشيلي في نوفمبر/ تشرين الثاني من هذا العام؟ وهل سيحقق اليسار المكسيكي المعادي لترامب في انتخابات شهر تموز/ يوليو المقبل، نصراً آخر يبعث أملاً جديداً في شعوب القارة الجميلة؟

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!