قراءة نقدية في التقرير السنوي الثامن للمحكمة الخاصة بلبنان: سلطة سياسية – قانونية فوق الدولة ومؤسساتها الدستورية


إجماع اللبنانيين حيال معرفة هوية قتلة الرئيس رفيق الحريري ومحاكمتهم ومنعهم من الإفلات من العقاب، ليس نفسه حيال الطريقة التي يجب إتباعها للوصول الى الهدف المنشود.
منذ اللحظة الأولى للإغتيال جرى تركيب سيناريو إتهام سياسي جمع مصالح قوى دولية وإقليمية ومحلية. وبدأت الإتهامات وفُبركت المعطيات وإستولد الشهود، وأطلقت يد بعض القوى السياسية لتنفيذ إنقلاب سياسي بدعم مباشر من بعض القوى اللبنانية والعربية والإقليمية، والدولية والتي وظفت تفردها في صناعة القرار الدولي وأنتجت لاحقا، البنى القانونية لإيجاد المحكمة الخاصة بلبنان تحت الفصل السابع، متجاوزة الآليات الدستورية اللبنانية، تماما، كما قفزت فوق مبدأ إحترام سلطان الدول وسيادتها، وفقا لما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
والأهم في هذا السياق، أنها أجهضت المساعي التي كانت تبذل من قبل شخصية قانونية مكلفة من عائلة الرئيس الحريري وفريقه السياسي لإنضاج إجماع لبناني حول المحكمة. إجماع كان من شأنه ان يسهم في إنجاح المهمة الموكلة إليها فلا يزيد قيامها من الإنقسام اللبناني والمستمر حتى الآن.
هذه المقدمة لا بد منها لتذكير المحكمة بأن الصياغات التجميلية للتقارير السنوية أو لما قد تظهره بعض الإجراءات من حرفية ومهنية، لن تفيد من تلميع صورة تشوَهت، منذ اللحظة الأولى لنشوء المحكمة على وقع تصاريح سياسية قادها جون بولتون ونسَقها تيري رود لارسن ونفذها بعض البكائين الذين إستثمروا في دم الحريري في العام 2005، وهدروا دم البلاد في العام 2006!

رئيسة المحكمة إيفانا هردليشكوفا

جاء في التقرير أنه لا يغيب عن أذهان العاملين في المحكمة ورئيستها، ” الشعب الذي تؤدي هذه المؤسسة مهمتها من أجله”. وتقول رئيسة المحكمة القاضية إيفانا هردليشكوفا في التقديم الذي وقعته بالعربية :” إن آفاق عملها (عمل المحكمة) تتجاوز في الواقع مهامها القضائية. فإن المحكمة، من خلال قراراتها القانونية بصورة رئيسية، بل أيضا من خلال تواصلها الخارجي مع المحامين والأكاديميين والمؤسسات التعليمية والمجتمع ككل، تساهم في ترسيخ إرث مؤسسي في لبنان، وهي جزء من المبادرة العالمية الرامية إلى تحقيق العدالة وترسيخ المساءلة”.
الحديث عن إرث مؤسسي في مجال القانون يجافي حقيقة المكانة التاريخية لبيروت في مجال علم القانون ودورها الريادي العربي والعالمي على حد سواء. إن التراث التاريخي والمؤسسي لبيروت بدأ منذ القرن الثاني الميلادي، تشهد له محافل العالم وميادين الأمم المتحدة نفسها منذ التأسيس ولغاية اليوم.
أما إذا كان هذا الكلام من باب الغمز المتصل بوهن الواقع القضائي اليوم وخلال الحقبة الأخيرة من تاريخ لبنان السياسي، فإنه كالغمز بعيون عميٌ، فالجسم القضائي أثبت ورغم ظروف الحرب الداخلية والإقتتال الأهلي وإستقواء جميع الأطراف المتقاتلة بقوى وأنظمة خارجية؛ بعضها يكن عداء تاريخيا كالكيان الإسرائيلي، وبعضها بناء لطلب اللبنانيين أنفسهم، ولحسابات ترتبط بالصراعات الإقليمية وموازين القوى الدولية، كالعراق وليبيا والسعدية وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ رغم كل ذلك، يسجل للقضاء اللبناني مواقف مضيئة، لاسيما في هذه المرحلة الخطيرة والوجودية في تاريخ لبنان والمنطقة المتحولة.

الإغتيال في سياق المؤامرة التاريخية

لا نشك في نوايا رئيسة المحكمة الشخصية وحبها للبنان، لكن المسار العام للقضية منذ اللحظة الأولى للإغتيال أمر يستدعي التدقيق بالسياق السياسي، وحجم التداخل بين الأجهزة المخابراتية النافذة في لبنان والمستفيدة من إغتيال الرئيس الحريري والفتنة التي أعقبتها، التي كادت أن تقضي على لبنان ووحدته، ولا زالت تطل برأسها بين الفينة والأخرى على وقع جلسات المحكمة والتطورات الإقليمية.
ولا يسعنا إلا التذكير، هنا، بالحضورالقوي، تاريخيا لجهاز الموساد الإسرائيلي الذي نفذ عمليات إغتيال عديدة وبتقنيات عالية ومتنوعة وبعضها له أوجه شبيه بتلك التي إستخدمت لإغتيال قيادات من المقاومة.
سنعتمد في ملاحظاتنا المنهجية نفسها التي حكمت تقسيم التقرير الأساسي للمحكمة.

قضية الخبير نشابة وقرارات الغرفة الأولى
مما لا شك فيه أن ثمة جهود من تبذل على اكثر من مستوى تدلل عليها كمية الجلسات والشهود والبينات، والقرارات الصادرة عن غرفة الدرجة الأولى، لكن ليس كل القرارات تنطوي بالضرورة على مهنية عالية أو أنها ذات موضوعية كالقرار الذي إتخذته بشأن الخبير والباحث القانوني عمر نشابة، وتماهت فيه مع رأي الرئيس السابق للمحكمة القاضي دايفد بارغوانث الذي يرى بأن نشابة “كان على صلة قد تبدو مؤثرة في تجرده”. وبعد أن دار القرار دورته ثُبَت بقرار هيئة الإستئناف بتاريخ 3 أيار2016 . وقد رأت الهيئة “أن جهة الدفاع لم تثبت أن غرفة الدرجة الأولى في تقييمها للطلب الأساسي”. لم يتضح للبنانيين والمتابعين المعايير التي إعتمدها بارغوانث ومن بعده الغرفة الأولى ومن بعدها غرفة الإستئناف، في حين أننا نرى العديد من الأسماء والموظفين لهم صداقات وعلاقات وولاءات بأطراف سياسية لبنانية ولم يتم مقاربة أوضاعهم بمثل ما تمت مقاربة حال الباحث نشابة.
ومن القرارات ” المضحكة المبكية” قرار الغرفة الأولى الصادر ب 7 أيلول من العام الماضي وفيه أعلنت بدء سريان القرار الإتهامي الموحد المعدل المؤرخ في 12 تموز 2016، وطلبت ضمنه “من مكتب المدعي العام إيداع ملخص لأي ادلة يرغب في تقديمها تأييدا لزعمه أن المتهمين والسيد بدرالدين هم من مناصري حزب الله”. كأن الغرفة وقضاتها لم يدركوا بعد أن الحزب قد أستهدف مباشرة ومنذ اللحظة الأولى للإغتيال من قبل شبكة التحالف الأميركية – اللبنانية، وهي نفسها التي استهدفت المقاومة في العام 2006، وغطت حرب ال33 يوم والمجازر التي ارتكبت خلالها. المتهمون ما كانوا ليكونوا متهمين لو لم يكونوا من مناصري حزب الله. وإلا ما معنى أن يهمل الإدعاء وقائع ومعطيات توازي بقيمتها وقوتها الجنائية مؤشرات تشير الى إحتمال تورط جهات أحرى؟
وفي قرار آخر للغرفة صدر بتاريخ 4 تشرين الثاني من العام الماضي، قبلت الغرفة 27 مستندا على كونها مستندات ذات صلة بتقييم السياق السياسي فيما يتعلق بمسؤولين لبنانيين وبالمتهمين الأربعة وبالسيد بدرالدين، بما في ذلك معلومات عن اجتماعات السيد الحريري مع شخصيات لبنانية وسورية، والتفاعل بين المسؤولين سوريين ومسؤوليين في حزب الله والإتصالات بين السادة عياش ومرعي وبدرالدين ومسؤولين سوريين ولبنانيين، وتنقلات السيد الحريري، وتسلسل الأحداث التي أدت الى إغتياله”.
لعل العبار الأخيرة في القرار، ” وتسلسل الأحداث التي أدت الى إغتياله”، هي العبارة التي يتوجب الوقوف عندها لما أوحته بقناعة لدى الغرفة بهذه النظرية، وفيها ما يشبه الحكم قبل إكتمال حلقاته.
إن الربط الأوتوماتيكي بين النزاع السياسي التقليدي في لبنان، وبين إغتيال الحريري، يهمل أطراف أخرى قد تكون ذات مصلحة بإبعاد الحريري كشخصية سنية معتدلة عن الحكم في لبنان. والتمهيد لإنقلاب في لبنان وسوريا ودول المنطقة. وما نشهده اليوم ليس بعيدا عن مثل هكذا سيناريو.
وفي مفارقة ذات دلالة، رفضت الغرفة في قرار لها بتاريخ الأول من تشرين الثاني من العام 2016، سبعة طلبات إستئناف لقراراتها، تقدمت بها فرق الدفاع مستنتجة بان تلك الطلبات ” لم تحدد مسألة معينة للإستئناف، أو حددت مسائل لا تبين بدقة مضمون القرار المطعون فيه، أو طرحت مسائل للترخيص بالإستئناف لا تمثل أمورا تبلغ من الأهمية ما يقتضي فصل غرفة الإستئناف فيها على الفور، أو لم تستند إلى أساس وجيه”.
قرار يؤدي الى إستنتاج طبيعي لكنه مؤلم: فإما أن تكون الغرفة الأولى لاموضوعية في تقييمها، وإما أن فرق الدفاع على هذا القدر من الجهالة فيما كلفت به”.

في قضية اللواء جميل السيد
إكتفى التقرير بالإشارة الى “أن الادعاء قدم الى قاضي الإجراءات التمهيدية، في نيسان الماضي تقييما جديدا للمخاطر التي قد يتعرض لها عدد من الأفراد الذين طلب السيد جميل السيد الكشف عن إفادتهم”. وفي مثل هذا الموقف إمعان في غياب الشفاقية ودليل على تورط إضافي للإدعاء بحماية من زور وفبرك بهدف إعتقال السيد وضباط آخرين سياسيا وكيديا، والأخطر أنه ضلل العدالة لسنوات ولا زال.
تقنيا يسجل للمحكمة وضعها جدول زمني للمحاكمات، غير أن التقرير لم يذكر الأجندة التي حددتها المحكمة للمحاكمات، غير أن المعلومات المتوافرة تشير الى أن المهلة الموضوعية للإنتهاء من المحاكمات في دورتها الكاملة لن تكون قبل نهاية العام 2021.

القضايا المتلازمة
وتحت عنوان مكتب المدعي العام، ذكر التقرير أن الأخير واصل تحقيقاته في الفترة المشمولة بالتقرير تحقيقاته المكثفة والمركزة في الإعتداءات الإرهابية الثلاثة الأخرى التي ثبت تلازمها مع الإعتداء على رئيس مجلس الوزراء السابق والتي أحيلت على المحكمة، (الوزير مروان حمادة، جورج حاوي، والياس المر). وقد شهدت هذه التحقيقات تقدما ملحوظا وتتابع عدة مسارات تحقيق وتحليل إضافية”. الغريب أنه عندما يتحدث الادعاء في التقرير السنوي من أن هذه الجرائم قد “ثبت تلازمها”، دون أن يكون قد صدر حتى الآن قرارا عن قاضي الإجراءات التمهيدية يتيح للإدعاء مثل هكذا إستنتاج. لا يستبعد أن يصدر مثل هذا القرار عن القاضي التميهيدي اذا ما كانت الأدلة ستستند الى السيناريو السياسي وتزامن الهواتف.

الموارد البشرية والموازنة

بحلول نهاية العام 2016، بلغ عدد موظفي المحكمة 434 موظفا، بينهم 67 موظفا في مكتب بيروت. وتضم المحكمة موظفين من 64 جنسية مختلفة، منهم 69 موظفا لبنانيا، أي ما يمثل 15 في المائة من مجموع عدد الموظفين. والواضح أنه لم تنجح نقابة المحاميين بعد، من إقناع المحكمة من ضرورة رفع نسبة عدد الموظفين اللبنانيين في داخل المحكمة سيما وأن لبنان ملزم بدفع ما نسبته 49 بالمئة من موازنة المحكمة. وهي موازنات كبيرة قياسا بقدرات لبنان ومشاكلة الاقتصادية وواقع المالية العامة لديه. لقد بلغت موازنة العام الجاري 59 مليون يورو، ” مما يمثل إنخفاضا بنسبة 6 في المائة مقارنة بميزانة العام 2016″. وذكر التقرير عدد من الدول التي ساهمت مع المحكمة ماليا وتقنيا، وتجنب ذكر أسماء الدول العربية وأخرى شرق أوسطية.
لم يذكر التقرير أسماء الدول التي لم ترغب بالتعاون مع المحكمة جنائيا سيما وان بعضها كالولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى، يمداها بالمال لتستكمل وظيفتها وفقا لما هو مرسوم في الأساس.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!