خطة متكاملة لدعم الاعلام في لبنان في عهدة مجلس الوزراء


أنور عقل ضو

 

تواجه الصحافة الورقية في لبنان منذ النصف الثاني من القرن الماضي تحديات عدة، أي منذ ظهور وتطور الإعلام المسموع في الخمسينيات والمرئي في بداية الستينيات، إلا أن هذا التطور لم تكن له تداعيات خطيرة كما هو الواقع اليوم مع انتشار الإعلام الرقمي، لذلك ظلت الصحف حاضرة بعيدا من المنافسة مع الوافديْن الجديدين (الراديو والتلفزيون)، وظلت متربعة على عرش الصحافة، وإن تأثرت نسبيا من حيث الانتشار، إذ لم تعد المعلومة مقتصرة على المطبوعة الورقية فحسب، لكن الصحف استطاعت أن تواجه بالمحتوى، تحليلا وتبويبا وتنويعا وأفكارا خلاقة، وظلت تحتل مساحة واسعة من فضاء الإعلام بشكل عام، وواجهت في حقبات عدة مقص الرقابة وخاضت معركة الحريات العامة، ودفعت الثمن من دماء محرريها وقدمت الشهداء، وثمة قائمة كبيرة تؤرخ لنضالات وتضحيات كبيرة، منذ الحكم العثماني وبعده الانتداب الفرنسي، ولاحقا من خلال السلطات المحلية.
لسنا في وارد تقديم عرض تاريخي لمسار الصحافة المكتوبة، ولكن أردنا الإشارة فقط إلى تجذرها في بنية الإعلام اللبناني كونها شكلت الأساس لأي منصة إعلامية، وهذا ما يثير فينا القلق من أن نخسر العلاقة الحميمة مع الورق ورائحة الحبر، ونحن نسير نحو عالم متغير، خصوصا وأن الصحافة الورقية مرت بأزمات كثيرة أيضا مرتبطة بعوامل وظروف عدة، أي أن ثمة جذورا تاريخية لهذه الأزمة المرشحة للتفاقم أكثر في ظل العولمة، ومع تطور ثورة المعلومات والاتصالات وانتشار الإعلام الرقمي، وظهور عشرات المواقع الإلكترونية في فترة زمنية قياسية، وسط توقعات بأن توقف الصحف اللبنانية نسختها الورقية والاكتفاء بالنسخة الإلكترونية.
عاشت الصحافة الورقية أوج ازدهارها يوم كان لبنان “صحيفة العرب”، إلا ان هذا الواقع تبدل بكليته مع تطور الإعلام العربي، والخليجي بشكل خاص، وباتت الدول العربية تملك إعلامها المتنوّع، وبما تملك من إمكانيات استقطبت كتابا ومحررين وامتلكت مطابع حديثة وتقنيات، فضلا عما توفره لها الحكومات من دعم، وعلى الرغم من كل ذلك، وإذا ما كانت ثمة مقارنة بين الإعلام المكتوب اللبناني والعربي، نجد أن ثمة بونا شاسعا بين ما تقدمه الصحيفة العربية غير القادرة على تخطي دورها في أن تكون صدى الحاكم، وبين الصحيفة اللبنانية التي تمتلك هامشا أكبر من الحرية، فيما الأولى تحظى بدعم مالي ووفرة إعلانات، والثانية تعاني أزمات مالية متلاحقة أقعدت بعضها عن الصدور.

نشأة الإعلام الإلكتروني

تبقى المشكلة في لبنان مادية بشكل أساس، خصوصا وأن نسبة الإعلانات تراجعت كثيرا في السنوات القليلة الماضية، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، وتراجع القطاعات الإنتاجية التي غالبا ما كانت ترفد الصحف بإعلاناتها، وترافق ذلك مع انتشار الإعلام الرقمي، لا سيما وأن ما نشهده في لبنان غير منفصل عما تشهده الصحافة المكتوبة في العالم، فالخبير الإعلامي روس داوسن يقول إن الصحافة الورقية ستنقرض تماماً عام 2040 في العالم العربي، فيما توقّع روبرت مردوخ أن تختفي الصحافة الورقية عام 2020، وتوقّعت شركة “مايكروسفت” في دراسة حديثة لها أن آخر صحيفة ورقية ستطبع عام 2018!
نشأ الإعلام الإلكتروني، بحسب العالم البريطاني سايمون باينز مع ظهور خدمة تلتكست Teletext في العام 1976، وفي العام 1979 ولدت خدمة ثانية أكثر تفاعلية عرفت بخدمة فيديوتكست Videotext مع نظام بريستل Prestel على يد مؤسـسة بريتيش تلفون أوثوريتي British Telephone Authority-BTA – British ثم تطورت الخدمة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وأحدثت ثورة على جميع المستويات، حتى أن أجهزة التلفاز في تلك الفترة زودت بتقنيات لاستقبال خدمة تلتكست Teletext، وكانت عبارة عن “صحيفة مرئية”، إلا أنها لم تشهد انتشارا واسعا في لبنان.
في تلك الفترة بدأ الإعلام الإلكتروني بالانتشار وشكل ظاهرة إعلامية حديثة مرتبطة بثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وظهرت أيضا المواقع والمدوّنات الإلكترونية التي فتحت آفاقا عدة أمام الجمهور، باعتبارها وسائل سريعة الإنتشار ومنخفضة الكلفة. وتعتبر الصحيفة السويدية هيلسينغبوغ داغبلاد Helsingborgs Dagblad الصحيفة الأولى في العالم، التي نُشرت إلكترونيا بالكامل على شبكة الإنترنت في العام 1990. وعلى صعيد الصحافة العربية أعلنت صحيفة “الشرق الأوسط” في أيلول (سبتمبر) 1995عن توافر موادها الصحفية اليومية إلكترونيا للقراء على شكل صور عبر شبكة الإنترنت، تلتها صحيفة “النهار” التي أصدرت طبعة إلكترونية يومية خاصة بالشبكة في شهر شباط (فبراير) 1996، ثم صحيفتا “الحياة” و”السفير” في العام نفسه.
وكان لهذا التطور تبعات على مختلف الصحف الورقية العريقة، فالـ “نيويورك تايمز” شهدت تراجعاً في أسهمها بنسبة 55 بالمئة وتراجع عدد المحرّرين فيها، وكذلك صحيفة “الغارديان” انخفضت إعلاناتها بنسبة 25 بالمئة، فيما تحولت صحيفة “الإندبندنت” إلى الصيغة الرقمية وتوقفت عن الصدور الورقي.

وزير الإعلام… يغرِّد

وبالعودة إلى أزمة الإعلام المكتوب في لبنان، فقد أعلن وزير الإعلام ملحم الرياشي قبل أيام عدة خطة متكاملة في 10 أيام لدعم الاعلام، تتضمن مشاريع لحماية العاملين في قطاع الصحافة والإعلام ودعم الوسائل الإعلامية للاستمرار، وقد باتت الآن في عهدة مجلس الوزراء.
وكان الرياشي قد غرد عبر “تويتر”، قائلا: “الصحافة الورقية تعيش تعثرا استثنائيا ولكن الاعلام عامة يمر بمرحلة متعثرة أيضا”، ومن أبرز القوانين المقترحة من قبل الرياشي تحميل الدولة تكاليف الضمان الاجتماعي للصحافيين والعاملين في القطاع، وهذا الأمر يريح العاملين في قطاع الإعلام، ويحرر وسائل الإعلام نفسها من الكلفة المالية الشهرية لضمان موظّفيها، ما لها أن توفير جزء منها كزيادة على الرواتب أو للتطوير.
وثمة اقتراحان أيضا، الأوّل يتعلق بإعفاء وسائل الإعلام من الرسوم والعلاوات البلدية، وإجراء تعديلات على ضريبة القيمة المضافة لكلّ ما يتعلّق بالقطاع، والثاني وهو اقتراح إجراء تسوية بين الدولة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، حول قيمة الرّسوم وبدلات الإيجار السنوي المترتبة على وسائل الإعلام (بدل إيجار التردّدات). وبحسب رياشي، فإنه سيسعى بأقصى جهده، للوصول إلى صيغة تسوية، إمّا تُعفي المؤسسات من المتراكمات، أو يجري تخفيضها بنسبة 70 بالمئة.
أمّا بالنسبة إلى وسائل الإعلام المكتوبة والصحافة الورقية، تجدر الإشارة إلى أن وزير الإعلام السابق رمزي جريج كان قد أعدّ مشروع قانون لدعم الصحافة الورقية بمبلغ شهري من المال، إلّا أن النقاشات الأخيرة قبل إرسال اقتراح الوزير الرياشي إلى مجلس الوزراء، توصلت إلى تبني فكرة دعم الصحف بمبلغ 500 ليرة عن كل عدد يُباع، لتحفيز الصحف على رفع نسبة مبيعاتها.
ومن شأن اقتراح القانون هذا تحديداً، أن يمنح الصحف هامشاً أوسع من الحركة والحريّة، طالما أن الدولة هي الداعم، لكن ليس مؤكد بعد إن كان هذا الاقتراح تحديداً بحاجة إلى صدور قانون من مجلس النوّاب، أو إن كان بمقدور الحكومة وحدها إصداره كمرسوم.
ومع علم رياشي المسبق بإمكان وجود اعتراضات على اقتراح من هذا النّوع، بحجّة تكليف الدولة أعباء إضافية، يخطّط الوزير لإقناع زملائه من الوزراء بأن يكون مشروع الدعم لعامين على الأقل إن تعذّر الاتفاق على الدعم الدائم، بما يسمح للصحف خلال العامين بالانتقال إلى مرحلة النشر الإلكتروني بالكامل، أو إيجاد وسائل بديلة للاستمرار، في عصر الشاشات المحمولة. كذلك قدّم وزير الإعلام اقتراحاً برفع بدل الإعلانات الرسمية التي تُنشر في الصحف من 5 آلاف ليرة للسطر إلى 15 ألف ليرة، لتُصبح قيمة الإعلانات الرسمية مطابقة للإعلانات الخاصة.
هذا ما يتم التداول به على الأقل في هذه الفترة، لكن كل ذلك يبقى خاضعا للنقاش، ولتبلور أفكار ومقترحات جديدة، أخذا في الاعتبار ما إذا في مقدور الدولة رفد الصحف بما يمكنها من مواجهة أزماتها المالية.

نقيب المحررين: لن تموت الصحافة الورقية

وفي هذا المجال، قال نقيب المحررين في لبنان الياس عون لـ “الإعمار والاقتصاد” ردا على سؤال حول مصير الصحافة الورقية: “أولا لن تموت الصحافة الورقية لا في لبنان ولا في غير لبنان، وهي تمثل قيمة تاريخية، ولا أتصور أن أحدا يمكنه إلغاءها، تشهد الصحافة مراحل صعبة كالتي نمر بها الآن، ولكن لم يستجد أي شيء حتى الآن بالنسبة للإعلام الإلكتروني (فوضى بفضوى)، بينما الصحافة الورقية منظمة تلقائيا، إن كان في لبنان أو سائر أنحاء العالم، وفي العالم العربي من تونس إلى الجزائر وغيرهما ما يزال الإعلام الورقي مستمرا، وهناك نحو خمسين صحيفة ورقية في الدوال العربية”.
وأشار عون إلى أن “المشكلة تطاول الإعلام اللبناني، لأن ليس هناك دولة تدعمه، وأصحاب الصحف يواجهون، فيما الدول العربية تدعم صحافتها الورقية من الكويت إلى تونس إلى كل الدول”، لافتا إلى أن “أصحاب الصحف في الدول العربية من المتمولين ومع ذلك يتلقون الدعم منها، بينما نحن نعمل بالفقر والدولة تريدنا أن نعيش بالفقر، أقول ذلك بكل أسف”.
وعن رأيه بمبادرة وزير الإعلام في مجال دعم الصحافة الورقية، قال عون: “نحن ننتظره ونتمنى عودته بالسلامة، فهو الآن في كندا، وأعد مشاريع وسيعطينا مشروعا أعده في هذا المجال لنبدي رأينا به، وعندما يعود سنبحث هذا الموضوع، وهو متحمس، لكن الأمور لا تسير بالعضلات والحماس، نحن أعتق منه في هذا (الكار)، ونشكره في كل الأحوال، ولديه مشروع يقضي بأن يكون كل الإعلام العامل الآن منضويا في مؤسسة واحدة وهي نقابة محرري الصحف، وعلى ضوء المستجدات سنرى”.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!