الذاكرة التاريخية من يقبض عليها


للشعوب ذاكراتها التاريخية، ماضيها المنسي، تاريخها المفقود، حياتها المخفية. التاريخ يكتبه الغالبون. لكن يصنعه المغلوبون والمحكومون الفقراء. كتبة السلطان يتحدثون عن الوقائع الكبرى وعن القادة العظماء وعن حروب واسعة النطاق. نادراً ما يكتبون عن الحياة اليومية، عن العمل و الانتاج، وعن اللباس والغذاء والمأوى حيث يسكن الفقراء. نادراً ما يهتمون بصغار القوم من المشاة الذين شكلوا اكثرية الجيوش، أو بالفلاحين والحرفيين والصناع.
ذاكرة منسية لكنها تدخل في وعيها، أو بالأحرى لا وعيها. ما يسمى اللاوعي ليس نفياً للوعي، انه باطن الوعي، البنية التحتية للوعي. تستمر في وعي المجتمع على شكل حكايات وممارسات وتقاليد وفنون شعبية. كانت ممارسات وافكار تعاونية. تستمر في وعينا وتعمل الطبقات العليا على نزعها او طمسها تحت طبقة فكرية من الحداثة التي يجب الانصياع اليها والأخذ بها. ذاكرة منسية تشكل بمعنى ما وجدان الجمهور. تصادرها الطبقة الرفيعة وتحاول محقها أو تغييرها لما يصلح في البرامج الفولكلورية. بعضها يستعصي على الطاعة فيدخل في الميدان التحتي لمعارضة النظام الاجتماعي.
ينسج الجمهور، من العامة، روايته التاريخية، يتحدث عن نفسه، يحدد هويته، غالباً ما يضمرها لأنها ليست مقبولة لدى السلطة. السلطة لها تاريخ آخر مليء بالإنتصارات، تتبنى انتصارات غيرها، المهم انها سلطة وريثة سلطة سابقة. الطبقات الدنيا اكثر واقعية، تعترف بالهزائم. الأحق القول انه لا يهمها الانتصار او الهزيمة بقدر ما يهمها مصير حياتها اليومي وكيف كانت تعاش.
لكل شعب تناقضات. التعبير “شعب” يعني التفرع والتناقض. تتناقض التعريفات والروايات التاريخية. ما يوحدها هو السياسة، لا السلطة بحد ذاتها التي لا يهمها الا الحكم والتحكم، لكنها اذا كانت حصينة بما فيه الكفاية تتجاوز التناقضات، تتبنى الجميع، تنال رضاهم، ولو على مضض احياناً. سياسة المجتمع المجدية هي احتواء التناقضات ونقلها الى مستوى آخر حيث لا تثقل كاهل المجتمع وتشلّه عن الحركة. عليها ان تساير الوجدان الجماعي، وان لا تكتفي بشعائر تراثية تعتبر انها تغني عما عداها. الذاكرة التاريخية تتعلق بكل الحياة الاجتماعية لا بالدين فقط. من يقتصر على الدين، يعيد تشكيله في تراث يفرضه على المجتمع ويكتفي بالطقوس. يختفي الايمان. لكن هذا ما تفعله داعش وخصومها.
نقل الاستعمار، ومن بعده الاستبداد، ومعهما الحداثة، النقاش أو الحوار الى مستوى آخر. ما غاص هؤلاء في أعماق المجتمع، تجاهلوا الاعماق. انتهوا الى تناقض مع المجتمع، وهذا موقفه على تعارض معهم. كان معنى الثورة (2011 مثلاً) العيش بكرامة تحت نظام آخر. لم تفهم السلطة هذا الامر، دخلت في حرب أهلية مع المجتمع. صار المجتمع مداناً ومتهماً بإسم الحداثة بحجة انه تقليدي قديم التفكير ذو نخب ثقافية جاهلة. سوء تفاهم مقصود أدى الى كوارث في كل المشرق العربي من المتوسط حتى اليمن.
على كل حال، التاريخ مفقود من خطاب السلطة. هذه تنكر ان للشعوب ذاكرة، وانها منسية في الخطاب المعلن، وأنها تبقى في وعي المجتمع بشكل أو بآخر، لا يختصرها الدين بل الحياة اليومية. الصراع حقيقة هو حول المنسي من التاريخ الحاضر في الوعي.
ليس الحديث هنا عن الظاهر والباطن، بل عن الجمهور وعما يستطيع البوح به وما هو ممنوع منه. الممنوع هو استرداد الحرية والعيش بكرامة. تقوم سلطات الاستبداد بكل الجهود لتثبيت المنع. وان حدثت ثورة تقوم السلطات بجهود أكبر لفعل ذلك.
أحد أشكال ذلك تفريغ الذاكرة التاريخية من مضمونها وتحويلها الى احتفالات فولكلورية حيث يجلس علية القوم في الصفوف الامامية. يسلب المجتمع من تاريخه، يصير شعباً لا تاريخ له. يصير تاريخاً منسياً. يصفق الحاضرون في الاحتفالية.
الذاكرة التاريخية ليست معنية بالسلف، ولا بالعيش كما كانوا يعيشون. يعرف أصحاب الذاكرة التاريخية، وهم اكثرية، ان ادعياء الخلافة واتباعهم واهمون وانهم يعيشون ويتصرفون وفق حداثة بائسة هي الوجه الآخر للاستبداد.
عبادة الاسلاف كانت من سمات المجتمعات الوثنية قبل التاريخ المعترف به، ما بعد الجاهلية. الحياة المعاصرة اكثر تعقيداً بكثير. تتطلب من الجمهور ومن الدولة التفكير بالمستقبل من أجل صنعه. ذلك بدوره يتطلب التجاوز، تجاوز ما نحن عليه، وتتطلب الانخراط في العالم. معنى ذلك عدم الدوران حول الماضي او العيش فيه. الاحتماء بالسلف لا يفيد شيئاً. هو بدوره يطمس التاريخ الحقيقي، تاريخ الحياة اليومية التي لن يتوقف شلالها عن التدفق.
تدور حرب عالمية في منطقتنا. دول اقليمية وعظمى تتقاتل وتتدافع. لكنها كلها تنكر على مجتمعات هذه المنطقة ذاكرتها التاريخية، تنكر عليها تاريخها الحقيقي الذي لا يزال يعيش في وعيها.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!