لماذا روسيا الان ؟ 


حسن مقلد

حوالي ربع قرن من الزمن عاش عالمنا بقطب واحد وعرفت البشرية شتى انواع الاستباحات للقوانين والمعايير ولسيادة الدول. وساد خلال هذه الحقبة منطق الغلبة والقوة والقهر، حتى وصل الى أسس الاقتصاد الرأسمالي نفسه، فاستيبحت  القوانين الناظمة للحد الضروري من ضوابط السوق والمحاسبة والتسليف والتسعير والمراقبة. انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن انهيارا لفكر ولميزان قوى ولسند للدول الضعيفة فحسب، بل كان انهيارا للتوازن الانساني ولضوابط الرأسمالية فيما بينها وفي داخلها ايضا، فكيف بالنسبة للدول الضعيفة والتابعة أصلا ؟ دخل الاميركيون افغانستان ثم العراق، وضربوا عرض الحائط كل حقائق الدنيا، وزوروا علنا وفي مجلس الامن، ولم يلتفتوا الى اي من الاصوات من حلفائهم في العالم، بل ذكروا ان اوروبا هي القارة العجوز وان لا مكان لروسيا بين الأمم . حاولوا بعدها تهديم لبنان وخلق الشرق الاوسط الجديد وفشلوا، رغم أنّ البلد الصغير كان معزولا، الّا من مساعدة دول تعد على اصابع الكف وليس بينها أي دولة كبرى . كل هذا حصل منذ عقد ونيف، اما اليوم ومع محاولة استئناف هذه الهجمة منذ خمس سنوات مع إشعال سوريا والعراق واليمن، بدأ العالم لا يشبه ما عرفناه عنه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، بل ظهرت تباشير عالم جديد ينطلق من روسيا سياسيا وعسكريا، ومن الصين وخلفها البريكس اقتصاديا، ومن ايران وسوريا ومحور المقاومة كنموذج لصد الهجمة ميدانيا. طريق العالم الجديد –واي عالم هو-  طريق طويل ولا احد يستطيع التنبؤ بخصائصه، ولكن العالم القديم ينتهي جزء منه مع كل طلعة شمس، وروسيا – بقطع النظر عن الموقف منها – هي لاعب رئيسي ان لم تكن اللاعب الرئيسي في كل ما يجري على الساحة الدولية والاقليمية. الدخول الروسي الى سوريا هو دخول منظومة متكاملة الى المنطقة والى السياسة الدولية والى ميزان القوى الجديد وهو يتشكل. وهذا الدخول يترافق مع الاهتمام بمصر والعراق واليمن وبالعلاقات الاستراتيجية مع ايران وبالخلاف مع تركيا، وسط اعلان الحرب من قبل اميركا والحلف الاطلسي بدءا من اوكرانيا. كل هذه الاحداث تجعل روسيا الان في موقع الحدث والتأثير في قلب العالم وفي قلب منطقتنا، فلا يمكن لنا ان نعرف عنها ما كنا نعرفه زمن الاتحاد السوفياتي، او نتعاطى معها اليوم كامتداد للامبراطورية الايديولوجية التي سقطت ذات يوم كان شيئا لم يتغير. في بلداننا المشرقية، من مصر الى تركيا مرورا بالعراق وسوريا ولبنان، يعيش اكثر من 250 الف روسي وروسية، وحوالي نصف مليون اضافي يتحدثون لغة بوشكين، وفي الاراضي المحتلة يعيش حوالي 600 الف ممن ينطقون بالروسية اضافة الى شعب عظيم علّم عشرات الالاف من مختلف شعوب  الدنيا العلم واللغة، وهو معني بشؤون منطقتنا بحكم التاريخ والجغرافيا والمصالح. في كل هذه المنطقة، باستثناء الاراضي المحتلة، لا يوجد موقع  الكتروني روسي منتظم الاعداد والصدور ويحمل هموم المنطقة، محاولا الاطلالة على هذه القضايا بوجهيها العربي والروسي. ما يجمع منطقتنا وشعوبنا مع روسيا، اضافة للتاريخ البعيد الضاربة جذوره، مستقبل مستند الى مصالح مشتركة عميقة لها آفاق واسعة. هي محاولة لا نملك الا وعد التصميم والعمل على انجاحها، آملين ان يكون الموقع منبرا مفتوحا لكل مهتم وحريص ومتابع.

Author: Jad Ayash

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!