الجيش الروسي الحديث والعقيدة الوطنية


 فؤاد خشيش

مما لا شك فيه ان التطورات الاخيرة الجيوستراتيجية التي حصلت في العالم، والتي تسير بوتيرة لم يكن لاحد ان يتوقعها، منذ السيطرة الاحادية على العالم من قبل الولايات المتحدة الاميركية وفشل هذه الاحادية. لا بل انتقل العالم الى وتيرة مضطربة على ايقاع الحروب في مختلف بقاع الارض وبالاخص في منطقة الشرق الاوسط، وظهور ما سمي بالثورات الملونة في الكثير من دول الاتحاد السوفياتي السابق، والتي ادت الى ما ادت اليه من تفسخ وسقوط مفهوم الدولة الوطنية وانتشار “اعراض” خطيرة نتجت عن هذا السقوط، وابرزها ظهور الحركات الفاشية من جديد، الى انتشار الاخطبوط الارهابي للحركات الاسلامية في منطقة اسيا الوسطى ومن ثم في منطقة الشرق الاوسط، الى عمليات التطهير العرقي والاثني والمذهبي، وكل ذلك على مرأى ومسمع العالم “الضعيف” الذي لا يقوى على مواجهة سطوة واشنطن، التي تبين فيما بعد انها كانت من مؤسسي وممولي التنظيمات الارهابية مع “حلفاء” يتباهون بما قاموا ويقومون به من تقديم كل ما يلزم لتلك الحركات الطائفية والمذهبية. وحتى في الخاصرة الرخوة لروسيا، فيما يحصل في المناطق الشرقية لاوكرانيا بعد الانقلاب الذي قامت به القوى الفاشية بمساعدة واضحة من الولايات المتحدة ولم يخجل بالافصاح عن ذلك الرئيس الاميركي باراك اوباما حين اعترف بتقديم المال والمساعدات لتلك الحركات، واليوم يوجد مدربون اميركيون يساهمون بشكل واضح ومباشر بتقديم كل اشكال الدعم، تحت ذريعة ان روسيا احتلت جزيرة القرم ما يعتبر مناقض للقوانين الدولية.. لقد جاءت التطورات الدراماتيكية التي حصلت تحت شعار تغيير الانظمة او الثورات الشعبية لتكشف زيف المشاريع ” الديموقراطية”  في حق الشعوب في الحرية والخبز والعمل، وهي وان كانت شعارات محقة، لكن تبين ان المشروع الاخر لواشنطن هو استغلال الشعارات التي رفعتها الشعوب منذ الشرارة التي حصلت في تونس وامتدت الى مصر وليبيا ومن ثم الى سوريا التي كانت الفيصل في فضح المشروع الاميركي الذي يهدف الى تدمير الدول على كافة الصعد، ومن ثم تغيَر  في العلاقة مع روسيا بوتين التي تحولت الى ” عائق” في وجه المشروع الاميركي على الصعيد العالمي، مع حلفاء اخرين في منظمة “شانغهاي” ودول “بريكس”، والانفاح الروسي على الصعيد العالمي، فما كان من واشنطن وحلفائها الا فرض العقوبات على موسكو في محاولة  لاعادتها الى “حجمها الطبيعي” كما قال اوباما، حين اشار الى “ان روسيا لا يمكن ان تكون دولة عظمى، بل هي دولة اقليمية لا اكثر”. انّ هذه التوترات تنذر بعودة أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة، وروسيا من جهة أخرى، خاصة مع تصديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ديسمبر كانون الاول 2014، على الصيغة الجديدة للعقيدة العسكرية الروسية التي ترى في تحركات حلف شمال الاطلسي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، في الجوار الروسي من أهم الأخطار الخارجية. وقال الرئيس الروسي في كلمة القاها في وزارة الدفاع الروسية “علينا ان نولي اهتماماً خاصاً لتعزيز القدرة القتالية للقوات النووية الاستراتيجية وتنفيذ البرامج الدفاعية كي نزود كل المكونات الثلاث لقواتنا النووية (الطائرات الاستراتيجية الحاملة للصواريخ والغواصات الذرية وقوات الصواريخ الاستراتيجية) باسلحة حديثة ترفع فاعلية منظومات الانذار بالهجوم النووي. يقول الباحث السياسي إيفان تيموفييف في هذا الصدد: باتت السياسة الخارجية الروسية بعد الأزمة الأوكرانية والعملية العسكرية الروسية في سوريا أكثر قابلية للتنبؤ حيث اكتسبت مجموعة جديدة من مجموعة جديدة من الصفات التي يمكن الحديث عنها بوضوح. على خلفية الأزمة الأوكرانية والعملية الروسية في سوريا، تبلور رأي يقول بسياسة خارجية روسية غير قابلة للتنبؤ. ففي الواقع، فاجأت استجابة روسيا للأزمة حتى الخبراء والسياسيين الروس، فكيف بالمراقبين الأجانب. فهل حقا يصعب التنبؤ بالسياسة الخارجية الروسية؟ وهل يعني ذلك أن السياسة الروسية المستقبلية لا يمكن التنبؤ بها أيضا؟ فسوريا، وأوكرانيا بصورة خاصة، باتتا “نقطة افتراق”، حيث اكتسب النهج السياسي الروسي نوعية جديدة. وها هي المكونات الجديدة للسياسة الروسية ترتسم بوضوح كاف، وهذا يعني أنها ستكون أكثر قابلية للتنبؤ في المستقبل. روسيا اليوم تقول ” الأمر لي”…

Author: Jad Ayash

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!