المدارس الموسكوبية في لبنان


الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية إن فلسطين التي كانت تسمى في زمن الإمبراطورية الروسية بالأرض المقدسة، كانت (ولا تزال) تجذب الحجّاج الروس الذين كانوا يفدون إلى مدينة القدس… ولم تخل الرحلات هذه من الصعوبات الكثيرة والعقبات المختلفة التي واجهها الحجّاج خلال سفرهم. في عام 1881، قام شقيقا الإمبراطور الروسي ألكسندر الثالث و هما الأميران سيرغي و بافل ألكسندروفتش برحلة حج إلى الأراضي المقدّسة، و ذلك بمعية ابن عمهما الأمير قنسطنطين قنسطنطينوفتش. ولقد أدّت محادثتهم حينها مع رئيس البعثة الدينية الروسية الأرشمنديت أناتولي (الكابوستيني) إلى اتخاذ قرار يقضي بإنشاء جمعية، هدفها توحيد جهود المؤسسات الروسية في فلسطين وتعزيز الأواصر الدينية بين الأمبراطورية الروسية وتلك المنطقة… في أيّار عام 1882 وبعد مصادقة الأمبراطور ألكسندر الثالث على النظام الداخلي للجمعية، تمّ تأسيس “الجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية” يرأسها الأمير سيرغي ألكسندروفتش والأميرة اليزافيت فيودوروفنا. وهي جمعية، تعتبر اليوم من أقدم المؤسسات العلمية والخيرية التي ساهمت في نشر الثقافة الروسية في المنطقة، إضافة إلى تطوير العلاقات المتعددة الأوجه بين الأمبراطورية والشرق الأوسط. فقد عملت الجمعية من أموالها الخاصة على تشييد الكنائس للهيئات الدينية اليونانية وعلى افتتاح المدارس للأطفال العرب ورعايتهم. كما أجريت أنشطة علمية ومطبعية وتنويرية عديدة باسم الجمعية، منها دراسات عن تاريخ الأرض المقدسة وتاريخ العلاقات الكنائسية والثقافية الروسية-الفلسطينية، بالإضافة إلى تنظيمها و تمويلها البعثات العلمية، إلى جانب عمليات التنقيب عن الاثار وإرسال العلماء من أعضاء الجمعية إلى مكتبات وأرشيفات المنطقة.

Moscovite schools (2)
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
المدارس الموسكوبية في لبنان في  أيلول عام 1887، افتتحت “الجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية” أولى مدارسها على أراضي لبنان المعاصر بمدينة بيروت في منزل في منطقة المصيطبة تمّ استئجاره آنذاك بمبلغ 4500 قرشا، كما أنّه في السنة نفسها، تمّ افتتاح مدرسة موسكوبية ثانية للصبيان في “عاصمة الأورثوذوكس” في بلدة أميون الواقعة في شمال لبنان، وذلك بفضل جهود المربية الروسية العريقة السيدة ماريا الكسندروفنا تشيركاسوفا، التي أسهمت بشكل كبير على افتتاح خمسة مدارس موسكوبية أخرى في بيروت بين عامي 1890 و 1912، وهي مدارس عملت على استقبال طلاب من مختلف الشرائح و الطوائف اللبنانية. وفي العام 1888 (بعد مرور سنة من افتتاح مدرسة مار إلياس في المصيطبة) زار الأمير العظيم سيرغي ألكسندروفتش رومانوف والأميرة العظيمة اليزابيتا فيودوروفنا رومانوفا المدرسة هذه.  وكانت المؤسسات التعليمية التابعة للجمعية تعد نموذجية من حيث اعتمادها في مناهجها الدراسية، الطرق التجريبية في تعليم اللغة الروسية، بالإشارة إلي أن النشاط التعليمي للجمعية كان يموّل بالكامل من الحكومة الروسية…  فغالبا ما كانت المدارس هذه تزار من قبل مفتشي الجمعية (مثل المربي المهني المعروف وعضو الجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية نيكولاي أنيتشتوف)، بالإضافة إلي الوفود الدينية التابعة للكنيسة الأؤرثوذوكسية الروسية و الرحالة والحجاج الروس المتوجهين إلى القدس الذين غالبا ما كانوا يستقبلون بحفاوة وحرارة من قبل اللبنانيين عموما والأورثوذوكسيين خصوصا… فأصبحت المدارس الروسية بالتالي، خلال فترة وجيزة، دائما مليئة بالراغبين في التعلّم فيها؛ أما تلميذات المدارس هذه، فكانت تعتبر من أكثر العروسات المرغوب بها ليس فقط بين أوساط السكان المحليين وإنما أيضا لدى المهاجرين إلى أمريكا. ” …تمثل الشوارب بالنسبة للسكان القرويين المحليين أحد المؤشرات الاساسية للقدرة التعليمية. وان ايجاد شاب قدير وفي الوقت نفسه معلم ذي شوارب ليس امرا ممكنا دائما بينما عديم الشوارب يثير مشكلة عويصة. وبحسب كلام المفتش فان احد المعلمين الشباب المعينين للتدريس وكان من دون شارب هرب بعد 3 أيام فقط من المدرسة لعدم احترامه من قبل السكان ولقد جاء الى المفتش من يخبره ان الاهالي لن يقبلوا بأستاذ جديد من البلدة المجاورة اذا كان من دون شوارب حتى انهم لن يقبلوا بخريج مدرسة نازاريت وهو شخص مرغوب دائما بالنسبة للسكان اذا كان عديم الشوارب لانه يثير فيهم عدم الثقة. من تقرير ن.أنيتشكوف ”
Moscovite schools (3)
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
تعاونت الجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية في لبنان بشكل نشيط مع الكنيسة الإنطاكية الأورثوذوكسية؛ ففي العام 1890 و بطلب من بطريرك أنطاقيا، انتقلت إدارة العديد من المدارس الريفية الواقعة ضمن الأراضي اللبنانية المعاصرة إلى تعاونية الجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية؛ ليصبح بالتالي عدد المدارس التابعة للجمعية عام 1905 حوالي 40 مدرسة في لبنان تتلمذ فيها ما يزيد عن 15 الف تلميذ؛و قد أشرف على أعمالها التربوية مفتشو المديريات الذين عملوا على مراقبة وقيادة عمل الأساتذة وتأمين الموارد المادية للمدارس، بالإضافة إلى دورهم الفاعل في العلاقات الدبلوماسية التي أقاموها مع السلطات المحلية (العثمانية)؛ أمّا المدارس البيروتية الموجودة تحت إشراف السيدة ماريا الكسندروفنا تشيركاسوفا التي سبق وذكرناها، فقد تميزت بطابعها الاستقلالي عن باقي المدارس التابعة للجمعية… هذا وفي خريف عام 1895، وبعد رؤية مسؤولي الكنيسة الإنطاقية النجاح التي حققته المؤسسات التعليمية الروسية في المنطقة (من حيث تنظيم العمل المدرسي والتربوي و نوعية التعليم)، طلبوا من الجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية أخذ الإشراف على المدارس الواقعة ضمن الأراضي السورية على عاتقها؛ أمّا الجمعية، وبالرغم من مواردها الضعيفة نسبيا، وجدت آنذاك نفسها مضطرة أخلاقيا على عدم رفض الطلب “المقدس” هذا، فقررت بالتالي تعميم نشاطها التربوي والدراسي على سوريا أيضا… هذا وتميزت مدارس المتصرفية اللبنانية (ولاية جبل لبنان الحالية) عن بقية المناطق اللبنانية بمستوى الرخاء الاقتصادي لسكانها، وهذا العامل، إلى جانب قرب الولاية من بيروت والطلب الكبير على التعليم المدرسي من جانب السكان المحليين، جعل العديد من قراها ساحة حقيقية للصراع بين الإرساليات من مختلف الطوائف من أجل تثبيت نفوذها؛ هذا وخلال فترة ما بين عامي 1895 و 1897 أصبحت مدارس عديدة تابعة للجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية في لبنان من أفضل مدارس الولاية؛ نذكر منها مدرسة الحدث ذات المبنى ذو الطابقين “الرائع” على حد وصف ن. أنيتشتوف، ومدرسة الشويفات المختلطة، أو مدرسة بسكنتا التي تقوم على سفح جبل صنين الذي غالبا ما كان يعزل بثلوجه الكثيفة شتاءا سكان القرية المتميزون بطباعهم الخاصة؛ و يقول المثل اللبناني القديم في هذا الشأن :”لولا وجود بسكنتا و الشوير (وهي قرية مجاورة لبسكنتا) لكان العالم بألف خير”. هذا ودعونا لا ننسى أنه في المدرسة هذه، تعلّم وتربى الأديب اللبناني الكبير ميجائيل نعيمة. وهكذا يمكننا القول إن أثر المدارس الروسية في لبنان والبلدان العربية المحيطة به لعبت دورا بارزا في تكوين النخب النهضوية والفكرية في المنطقة؛ فكان فمثلا أول من أنشأ الصحافة الأدبية في فلسطين من خريجي دار المعلمين في الناصرة (السمنار)، وأن نصف أعضاء الرابطة القلمية في أميركا الشمالية التي كان لها شأن مهم جداً في بعث الأدب العربي الحديث، كانوا من خريجي المدارس الروسية في بلاد الشام، والتي بلغ عددها 114 مدرسة عام 1914؛ وهو العام التي سلّمت السلطات العثمانية إدارة المدارس التابعة للجمعية الإمبراطورية الأرثوذوكسية الفلسطينية للهيئات الكنسية المحلية وذلك بسبب بداية الأعمال العسكرية التي وقعت بين الأمبراطوريتين العثمانية والروسية (الحرب العالمية الأولى).
Moscovite schools (4)
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
وصف العديد من الرحّالة الروس في كتاباتهم وأحاديثهم “مدارس السيدة تشيركاسوفا” بالمعالم المميزة لبيروت و لبنان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كونها ملازمة للتراث الروسي المرتبط آنذاك بالكنيسة الارثوذكسية، لكن معظمها اليوم تحول إلى مدارس رسمية او بيوتاً للطائفة، او حتى قاعات للكنيسة… فمدرسة ديردلوم، كانت خارجية، تحولت اليوم إلى رسمية؛ أمّا مدرسة جبرايل الروسية، التي انشئت قرب كنيسة رقاد السيدة وتعتبر من أقدم الكنائس الارثوذكسية في عكار، قد تحولت اليوم إلى قاعة ملحقة بالكنيسة. أما مدرسة رحبة، فكانت تعتبر من كبريات المدارس “الموسكوبية” في عكار، فتحولت إلى مدرسة رسمية للبنات. وأخيراً، لا تزال مدرسة بينو، التي اصبحت رسمية، تحافظ على بنائها المعماري التراثي السابق.                  

Author: Jad Ayash

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!