في مذكرة كيري الأخيرة.. “إنجازات لم تتحقق” بالشرق الأوسط


بينما تتأهب الإدارة الأمريكية الحالية لتسليم البيت الأبيض، يوم 20 يناير/ كانون الجاري، إلى الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، أمر الرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما، المؤسسات الحكومية المهمة بإصدار مذكرات عن أهم “إنجازات” سياسة إدارته الخارجية (2008-2016).

ولعل أحد أهم هذه المذكرات، هي تلك التي أصدرها وزير الخارجية الأمريكية، جون كيري، وسطرت المعارك الدبلوماسية التي خاضتها إدارة أوباما، وبينها ما يعتبرها كيري “إنجازات” في الشرق الأوسط، بينما رأى خبيران سياسيان أنها “لم تتحقق”، لاسيما في ملفات سوريا والعراق وإيران والقضية الفلسطينية حيث كان هناك فشل واضح، وحذر أحدهما من تداعيات السياسة الأمريكية في المنطقة على أمن الولايات المتحدة وأوروبا.

في مذكرته، المكونة من 29 صفحة، والصادرة قبل أيام، قال كيري إن الحرب الأهلية السورية هي “الأكثر تعقيدا وتحديات” من أي صراع آخر، حيث إن سوريا “تشهد أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية” (1939-1945).

كيري كرر ما تردده إدارة أوباما منذ انطلاق الشرارة الأولى للأزمة عام 2011، وهو أنه “ليس هناك حل عسكري لهذا الصراع، وأي نهاية أبدية لهذه الحرب يجب أن تكون سياسية”.

هذه السياسة، وبحسب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة دنفر بولاية كولورادو الأمريكية، دكتور نادر هاشمي، هي “أكبر فشل لأوباما سيقض مضجعه طيلة الفترة المتبقية من حياته”.

هاشمي، وهو مؤلف كتاب “سوريا المعضلة”، اعتبر، في حديث للأناضول، أن رفض إدارة أوباما “أخذ هذه المسألة (السورية) بجدية، على أمل أن تتلاشى أو تحل نفسها بنفسها، أدى بشكل مباشر إلى ظهور (تنظيم) داعش، وانتشار الطائفية، وزعزعة الاستقرار في أجزاء من أوروبا، وحتى في الولايات المتحدة”.

هذا “الخمول الأمريكي”، وفق هاشمي، “أثر في السنوات الأخيرة على الشرق الأوسط، وأثر على تركيا وعلى أوروبا، وأدى إلى نهوض الأحزاب اليمنية الشعبوية، وهو أمر مرتبط بشكل غير مباشر مع أزمة اللاجئين السوريين الناجمة عن هذا الصراع”.

فيما قال زميل مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط بجامعة برانديز في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، الدكتور حارث حسن، إن إدارة أوباما بذلت “ما يكفي” من جهد في القضية السورية، وإن كان هذا الجهد لم يفض إلى النتائج المرجوة، فمرد ذلك، وفق تقديره، أن “الأزمة السورية شديدة التعقيد ومتعددة الأطراف”، بحيث يصعب على واشنطن بمفردها إنهاء الصراع.

هذه الرؤية التحليلية استدل حسن على صحتها، في حديث للأناضول، بالإشارة إلى مفاوضات العاصمة الكازخية الأستانة، المقررة نهاية الشهر الجاري بين النظام والمعارضة السورية، معتبرا أنها تعبر عن “توافق تكتيكي تركي روسي إيراني غير إلى حد ما من ديناميات الصراع في سوريا، بمعزل عن الولايات المتحدة”.

أردوغان وأوباما وبوتين
تداعيات السياسية الأمريكية في سوريا تجاوزت حدود هذا البلد العربي، إذ أعرب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة دنفر الأمريكية اعتقاده أن التوتر الراهن في العلاقات الأمريكية التركية يعود في جذوره إلى الأزمة السورية.

هاشمي أوضح أن “تركيز أوباما الضيق على التخلص من داعش في سوريا، جعله يشعر أن القوة العسكرية الوحيدة التي يمكن أن تساعده في هزيمة داعش هي ميليشيات ي ب ك السورية الكردية”.

وانطلاقا من هذا “الإحساس”، أضاف هاشمي، “اتخذ أوباما قرارا بإرسال قوات خاصة لدعم ي ب ك، مما ولد خلافات مع تركيا، التي ترفض التهاون مع هذا الخيار، بسبب تأثير تلك المليشيات الكردية على الأمن القومي التركي، وهو ما خرب العلاقات بين أنقرة وواشنطن”.

وبالنسبه له فإن هذا الموقف من أوباما “دفع حكومة (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان إلى التحالف مع روسيا، بمعزل عن الولايات المتحدة والناتو (حلف شمال الأطلنطي)؛ لأنها لم تر أي موقف قيادي من إدارة اوباما؛ ما أدى إلى المصالحة (التركية) مع (الرئيس الروسي) فلاديمير بوتين”.

لكن هاشمي حذر من أن “غياب الدور الأمريكي في الشرق الأوسط سيجعل المنطقة بأكملها، والعالم بأجمعه، يدفع ثمنا باهظا، فهذا سيسمح لبوتين أن يكون القوة الخارجية الرئيسية التي تشكل السياسة في سوريا بالتحديد، وبشكل غير مباشر في المنطقة عامة”.

المالكي وداعش
على الصعيد العراقي، أعرب زميل مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برانديز الأمريكية عن اعتقاده أن إبقاء الولايات المتحدة “لعدد مهم من قواتها في العراق”، عقب تسلم أباما مقاليد السلطة عام 2009، “ربما كان سيشكل عامل ضغط سياسي وعسكري على الوضع في العراق”.

حسن تابع أن بقاء ثلاثين أو أربعين ألف مقاتل أمريكي في العراق لربما كان “سيسهم في كبح جماح” رئيس وزراء العراق السابق، نوري المالكي، أو “منع داعش من التحول إلى القوة التي أصبحت عليها بعد 2011”.

لكنه لفت إلى أن سحب أوباما للقوات الأمريكية من العراق جاء استكمالا لوعد انتخابي قطعه أمام شعبه، وتنفيذا لاتفاقية كان سلفه، جورج بوش الابن، قد أنجزها مع حكومة المالكي، في أعقاب غزو قوات دولية، بقيادة الولايات المتحدة، للعراق عام 2003.

حيرة أمريكية تجاه مصر
وبشأن السياسة الأمريكية تجاه مصر، ذهب زميل مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برانديز الأمريكية إلى أن السياسة الأمريكية “تنازعتها الحيرة وعدم الوضوح” حيال الموقف من مصر.

وموضحا، تابع حسن أن إدارة أوباما “من جهة برغماتية ترى في (الرئيس المصري عبد الفتاح) السيسي سيطرة الجيش على السلطة في مصر، وهو نظام علماني غير مؤدلج يميل إلى التصالح مع إسرائيل وتنفيذ الالتزامات الأمنية المصرية تجاهها، ومن الأفضل التعامل مع مثل هذا النظام”.

لكن إدارة أوباما، تابع حسن، “من جهة ثانية ليبرالية ترى ما حصل في مصر انقلابا عسكريا ضد الديمقراطية، وإنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة تزكية هذا الانقلاب والتعامل معه”، في إشارة إلى إطاحة الجيش، حين كان السيسي وزيرا للدفاع، بمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، يوم 3 يوليو/ تموز 2013، بدعم من احتجاجات شعبية وقوى سياسية ودينية مناهضة له.

“جبن سياسي” أمام إسرائيل
متطرقا إلى الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، أقر كيري، في مذكرته، بفشل مساعي واشنطن في إقناع الجانبين بتقديم تنازلات لتحقيق حل الدولتين.

كيري قال: “بقينا ملتزمين بتحقيق رؤية الدولتين، إحداهما دولة يهودية آمنة وديمقراطية في إسرائيل، تعيش جنبا إلى جنب مع دولة مستقلة ومتصلة جغرافيا وقادرة على الحياة في فلسطين، وخلال عملي في الوزارة حاولنا جاهدين إعادة المفاوضات بين الجانبين، لنرى إن كان ممكنا تحقيق تقدم”.

لكنه استدرك: “للأسف فإن الطرفين لم يكونا راغبين باتخاذا القرارت الضرورية الصعبة بالمضي قدما في المفاوضات”.

ومنذ أبريل/نيسان 2014 والمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية متوقفة؛ بسبب رفض إسرائيل وقف الاستيطان، والقبول بحدود 1967 كأساس للتفاوض، والإفراج عن أسرى فلسطينيين قدماء في سجونها.

وبحسب هاشمي، فإن أوباما “فشل في فعل أي شيء بخصوص القضية الفلسطينية الإسرائيلية، باستثناء الامتناع عن التصويت في اللحظة الأخيرة خلال جلسة الأمم المتحدة”.

هذا الموقف الأمريكي النادر سمح لمجلس الأمن الدولي، في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2016، بتبنى قرار بأغلبية 14 صوتا يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان بشكل فوري وكامل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما ردت عليه إسرائيل بالتقليل من شأن القرار والتمسك بأنشطتها الاستيطانية.

هاشمي وصف امتناع الإدارة الأمريكية عن التصويت بـأنه “فعل جبن سياسي، وليس شجاعة”؛ لإنها انتظرت ثماني سنوات لتتخذ هذه الخطوة قبل قليل من مغادرتها السلطة، معتبرا أن أوباما “لم يفعل شيئا حيويا بشأن تلك القضية، سوى أن يمنح دعما قويا وصلبا لسياسات بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي)؛ ما سمح له أن يواصل سياساته المتطرفة”.

تناقض تجاه إيران

مشيدا بما اعتبره إنجازا، تطرق وزير الخارجية الأمريكي إلى الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي وقعته إيران، في يوليو/ تموز 2015، مع مجموعة الدول الستة (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، روسيا، وألمانيا)، قائلا إن “إيران كانت على بعد 90 يوما من الحصول على المواد اللازمة لإنتاج سلاح نووي واحد”. وتنفي طهران أن برنامجها كان يستهدف إنتاج أسلحة نووية.

إلا أن الإيرانيين اليوم، وفق كيري، و”بفضل خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي)، باتوا على بعد عام واحد على الأقل، فيما ستعمل إجراءات الشفافية (النظام الرقابي على المنشآت النووية الإيرانية) على معرفتنا الفورية تقريبا إذا لم تمتثل إيران (لبنود الاتفاقية)، ما يمنحنا الكثير من الوقت للتحرك”.

تفاؤل كيري سرعان ما بدده باعترافه في المذكرة نفسها بانعدام الثقة بين البلدين، بقوله إن “”علاقتنا لا تزال شديدة الاختلافات، ويجب أن نحافظ على ضغطنا، ونواصل التصدي لبرنامج إيران الصاروخي، ودعمها للإرهاب، وعدم اكتراثها لحقوق الإنسان، وتدخلها المزعزع للاستقرار في شؤون جيرانها، طالما استمر وجود هذه التهديدات”.

التفاؤل المتناقض لكيري يصطدم أيضا بتقرير لمكتب المساءلة الحكومية، التابع للكونجرس الأمريكي، كشف في فبراير/ شباط الماضي أن “المنظمة الدولية للطاقة الذرية قد تواجه تحديات في مراقبة وتأكيد تنفيذ إيران لالتزامات نووية معينة تنص عليها خطة العمل المشتركة الشاملة”.

المكتب خلص، في تقريره، إلى أن هذه التحديات تشمل “إمكانية دمج الحكومة الإيرانية تمويل أنشطتها النووية في الميزانية العامة للبلد، وكذلك تعاون إيران المفترض في تسهيل حصول المنظمة الدولية للطاقة الذرية على الإذن بتفتيش منشآتها النووية، والكشف عن أنشطة ومواد نووية غير معلن وجودها في تطوير اسلحة غير نووية.

أمن الغرب
بعد عرضه لما اعتبرها إنجازات أمريكية في الملفات السابقة، إضافة إلى ملفات أخرى خارج الشرق الأوسط، خلص وزير الخارجية الأمريكي، في نهاية مذكرته، إلى أن “الولايات المتحدة أكثر أمنا وأكثر احتراما وأكثر اندماجا مع العالم، مما كانت عليه عندما تسلم الرئيس أوباما منصبه قبل ثماني سنوات”.

لكن هاشمي ذهب إلى أن “الاضطرابات في الشرق الأوسط، والفراغات السياسية المتولدة عن التباطؤ في السياسات الأمريكية، ودعم أوباما القوي للأنظمة المستبدة في مصر وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي، سيؤدي إلى تنامي دور الجماعات المتشددة، التي لن تجد وسائل للتغيير سوى العنف”، محذرا من أنه “سنرى عندها عنفا أشد قادم من الشرق الأوسط يستهدف الغرب والولايات المتحدة”.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!