منطقة “اليورو” في 2017.. تحدّيات الصمود


منذ 10 سنوات، وتحديداً في 2007، وجد بنك “بي أن بي باريبا” الفرنسي نفسه مضطراً لإغلاق ثلاثة من صناديقه النقدية، في شرارة أولى أضرمت النار في الأسواق المالية، قبل عام من إفلاس بنك “ليمان براذرز” الأمريكي تحت ثقل أزمة الرهن العقاري في البلاد.

وبعد قرابة عقد من الزمن، ما يزال العالم حتى الآن يعاني من ركود متباين شمل على الخصوص منطقة “اليورو” المكونة من 19 دولة أوروبية، فكان أن تراجعت معدّلات النمو الاقتصادي فيها.

ويرى مختصون أن منطقة اليورو ستكون محكومة في 2017 بـ 5 تحديات كبرى، تشمل تراجع الاستثمار بسبب عدم وضوح الرؤية، وعودة التضخم المالي لمستويات أعلى من المستهدف، ما سيتسبب في إضعاف القدرة الشرائية، إضافة إلى الأضرار المنتظرة جراء ارتفاع أسعار الفائدة، مع استمرار المخاوف بسبب أزمة المصارف الإيطالية، واستئناف المفاوضات حول الديون اليونانية.

حالة عدم اليقين السياسية تلقي بظلالها على الإستثمار

مع انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، شهد العام 2016 عودة إلى التركيز على الجانب السياسي، ما جعل عدداً من الخبراء يحذّرون من الارتدادات المتوقّعة للأحداث المنقضية، ولنظيرتها المنتظرة في 2017.

فالمؤكّد أن العام الجاري سيكون مهتزاً على صفيح التقلبات السياسية في أرجاء منطقة اليورو؛ وتستعدّ هولندا لإجراء انتخابات مصيرية في مارس/ آذار القادم، وفرنسا في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار، وألمانيا الخريف المقبل، وربما إيطاليا أيضاً.

استحقاقات انتخابية تفتح المجال أمام مدّ وجزر سياسي، غالباً ما تكون له تأثيرات مالية واقتصادية مباشرة.

ماكسيم صبايحي، المختص الاقتصادي لوكالة “بلومبيرغ” الإقتصادية الأمريكية، عقب عن الجزئية الأخيرة، في تصريح له لوسائل إعلام فرنسية، بالقول إن حالة عدم اليقين السياسية، والتي عادة ما ترافق المواعيد الانتخابية الحاسمة، ستكون “اختبارا لمدى تماسك الاتحاد النقدي”.

أمّا عن المخاطر، قال إنها تشمل بالأساس إمكانية مغادرة دولة أخرى للاتحاد الأوروبي.

لكن الخطر الأكبر، يكمن في تداعيات كل ذلك على الاستثمار الخاص، فحالة عدم اليقين من شأنها أن تكلّف الشركات والدول الكثير نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، ما يؤدي آلياً إلى إضعاف المالية العامة، علاوة على الشكوك التي تدعمها الضبابية المصاحبة لمفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد، والتي من المنتظر أن تنطلق بشكل فعلي مطلع هذا العام.

شكوك تدعمها أيضاً المخاوف من الوعود الحمائية التي تضمنها برنامج الرئيس الأمريكي الجديد؛ ويجمع المختصون على أنه في حال تفعيلها، فإنها ستضر بتجارة دولية تعاني أصلاً من الركود.

التضخم يضعف القدرة الشرائية:

استجابة لارتفاع سعر النفط في الأسواق العالمية، من المتوقّع أن تبدأ الأسعار تدريجياً بالإرتفاع في منطقة اليورو.

ووفق بيانات البنك المركزي الأوروبي، فإن التضخم سيمرّ من 0.2% في 2016 إلى 1.2% في 2017، ليقترب بذلك من المستوى المستهدف من قبل المؤسسة المالية وهو 2% سنوياً.

للوهلة الأولى، قد يبدو الخبر ساراً، بما أنه يمنح انطباعاً أن شبح الانكماش المخيم منذ 2013 على البلدان الأوروبية يتلاشى أخيراً، لكن لواقع الحال كلمة مغايرة.

في منطقة اليورو، من غير المرجح أن يعقب ارتفاع المنتجات المستوردة مثل النفط، زيادة معتبرة في الأجور، خلافاً لما يمكن ملاحظته في الولايات المتحدة الأمريكية، طالما أن معدّل البطالة في منطقة اليورو ما يزال في حدود الـ 10%.

وضعيات متباينة تظهر أن عودة التضخم من شأنها أن تترافق بتراجع القدرة الشرائية للمستلهك الأوروبي، خصوصا عقب صعود معدّلاته إلى أعلى مستوياته في 3 سنوات، بنسبة 1.1% في ديسمبر/كانون أول الماضي – على أساس سنوي – مقارنة مع 0.6% في نوفمبر/ تشرين ثاني السابق عليه.

ارتفاع أسعار الفائدة يهدد منطقة اليورو

في 15 ديسمبر/ كانون أول الماضي، رفع “الإحتياطي الفدرالي” الأمريكي (البنك المركزي) أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، في وقت بدأت فيه، منذ الصيف الماضي، العوائد السيادية الأمريكية بالارتفاع، لتزيد أسعار الفائدة في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا.

ارتفاع يشي بأن دورة الهبوط التي شهدتها أسعار الفائدة منذ أكثر من عقد تشارف على نهايتها، وهذا نبأ سار بالنسبة لمستوى يصفه الخبراء بـ “المنخفض جدا” لتلك الأسعار، لكن مع استثناء واحد، وهو أن هذا الإرتفاع قد يكلف غاليا البلدان الأوروبية الأكثر هشاشة، مثل إيطاليا والبرتغال.

ولتجنب تداعيات مماثلة، قرر البنك المركزي الأوروبي في ديسمبر/ كانون أول الماضي، تمديد برنامج شراء الدين العام (80 مليار يورو شهرياً) حتى 2017.

ويرى مراقبون أن القرار غير كاف لفقدانه للجدوى والفاعلية التي كان يتمتع بها في السابق، ذلك أنّ ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، سيجذب رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة، ما من شأنه أن يضعف في مرحلة موالية، الاقتصادات الناشئة ومن ثمة الاقتصاد العالمي.

مقاربة صعبة تنبئ بعام لا يقل صعوبة في منطقة اليورو، رغم الأمل الضئيل الذي تمنحه فرضية انخفاض اليورو مقابل الدولار، بما يخدم الصادرات الأوروبية.

البنوك الإيطالية تفاقم من مخاوف المنطقة

قرّرت الدولة الإيطالية التدخّل لإنعاش مصرف “مونتي دي باشي دي سيينا”، رابع البنوك في البلاد، والذي يثير قلق السوق المحلية والأوروبية منذ أشهر.

خطة إنقاذ تأتي في وقت تراجعت فيه القيمة السوقية لأسهم البنوك الإيطالية، عقب إعلان نتائج استفتاء البريطانيين على خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي في يونيو/ حزيران الماضي.

ومن بين المصارف الأشد تضرراً، تراجع سعر أسهم بنك “مونتي دي باش يدي سيينا” بأكثر من 50%.

ولتفعيل قرارها، اقترضت روما من الأسواق المالية، في ديسمبر/ كانون أول الماضي، مبلغ 20 مليار يورو (21 مليار دولار)، من المنتظر أن تخصصه أيضاً لمساعدة عدد آخر من البنوك المتضررة، بينها “بانكا بوبيلارا دي فيشنزا” و”فينيتو بانكا” أو “بانكا كاريجي”.

وتبلغ قيمة الديون غير المسدّدة للمصارف الإيطالية نحو 360 مليار يورو (378 مليار دولار)، أي ما يوازي 20% من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد، ونصف القروض المتعثّرة في منطقة اليورو، وهو ما يعتبر رقماً قياسياً في أوروبا.

ديون تستمر في الإرتفاع، وهو ما يزيد من مخاوف بلدان المنطقة حيال تداعيات هذه الأزمة المصرفية على ثالث اقتصادات منطقة اليورو، ومن ثمة على شركائها التجاريين.

استئناف مفاوضات الديون اليونانية:

يرجح المطلعون على الشأن الأوروبي، إمكانية خروج اليونان من منطقة اليورو، في وقت من المنتظر أن تستأنف فيه طوال العام الجاري، المفاوضات بين أثينا والدائنين الأوروبيين.

مفاوضات تتعثّر في كل مرة لتتوقّف حول النقطة نفسها، وهي أن صندوق النقد الدولي لم يؤكّد بعد مساهمته في خطة المساعدة التي وقع إقرارها صيف 2015، والمقدرة بـ 86 مليار دولار.

من جانبها، ترفض ألمانيا بذل المزيد من الجهود لتخفيف الديون اليونانية البالغة في 2016، حوالي 315 مليار يورو (328 مليار دولار)، أي ما يمثّل 180% من الناتج الإجمالي المحلي للبلد الأخير.

وفي حال لم يتغيّر الوضع عما هو عليه، وهو ما يرجحه الخبراء بقوة، فإن اليونان ستجد نفسها عاجزة عن تسديد 3.9 مليار يورو للبنك المركزي الأوروبي، وذلك بحلول آجال خلاص جزء من دينها (3.9 مليار يورو) في يوليو/ تموز القادم.

عجز عن الدفع قد يكلّفها العودة من جديد إلى المربع الأول، والتخلي عن انتعاشة هشة للغاية شهدتها في الأشهر الأخيرة.

وتتألف منطقة اليورو من دول: بلجيكا، ألمانيا، استونيا، ايرلندا، اليونان، اسبانيا، فرنسا، إيطاليا، قبرص، لاتفيا، ليتوانيا، لوكسمبورغ، مالطا، هولندا، النمسا، البرتغال، سلوفينيا، سلوفاكيا وفنلندا.

نموّ الناتج الإجمالي المحلّي في منطقة اليورو – جدول

(بـ %)

 

العام نسبة النموّ
2015 الربع الأوّل 0.8
الربع الثاني 0.4
الربع الثالث 0.3
الربع الأخير 0.5
2016 الربع الأول 0.5
الربع الثاني 0.3
الربع الثالث 0.3

 

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!