وعود بحل أزمة تصريف الموز… وأزمة حمضيات تلوح في الأفق


منذ عهد الاستقلال إلى اليوم، لم يتبنَّ لبنان سياسة زراعية واضحة، وأبقى اقتصاده رهينة قطاعي المال والخدمات، فكان أن نشطت السياحة وازدهر قطاعه المصرفي، وحدد له وظيفة تقوم على الاقتصاد الريعي، وبالتالي، لم يعر المسؤولون القطاعات الإنتاجية اهتماما يوازي أهميتها في بنية الاقتصاد الوطني، ولا سيما الصناعة والزراعة، وإذا ما نظرنا إلى “رعاية” الدولة لهذين القطاعين نجد أنها كانت تقوم على مبادرات لا تسمن ولا تغني من جوع، وجاء معظمها من باب “رفع العتب” ليس إلا، بمعنى أنه لم تكن ثمة سياسات مستندة إلى رؤى استراتيجية تؤمن استقرارا اقتصاديا واجتماعيا.

هذه السياسة التي تمظهرت على نحو كبير منذ ستينيات القرن الماضي في أزمات متلاحقة، ساهمت في حركة النزوح من الريف إلى المدينة، وقيام أحزمة البؤس حولها، وكان من بين أسبابها انهيار القطاع الزراعي، على نحو ما واجه مزارعي التفاح في مطلع السبعينيات، يوم قررت الدولة شراء الانتاج بعشرة قروش للكيلو الواحد، فبارت البساتين وبعض المزارعين اضطروا لبيع بعض أراضيهم، إذ لم تسعَ الدولة إلى ربط الإنتاج بالصناعات التحويلية (عصائر، مربيات… الخ)، ولا وفرت سبل تصريف الإنتاج، وتركت المزارعين لمصيرهم.

صرخات تحذيرية

لم تدرك الحكومات المتعاقبة أن الاعتماد على الاقتصاد الريعي جلب الويلات للبنان خلال وبعد الحرب الأهلية، وأن ثمة حاجة لقطاعات إنتاجية تشكل حاجة لاقتصاد يشكل نوعا من الاستقرار الاجتماعي، بدليل أن أزمات القطاع تتوالى ولا آفاق واضحة لتجاوزها، فبعد أزمة تصريف إنتاج التفاح التي لم تنتهِ فصولا بعد، أطلت مؤخرا أزمة تصريف الموز، وبرغم استباق المزارعين الموسم بإطلاق الصرخات التحذيرية، ولا سيما بعد حملات دعم تصريف التفاح مؤقتاً، إلا أن وزارة الزراعة لم تستجب لمطلب مزارعي الموز إقرار خطة لدعمهم، خصوصا وأن الموز الذي يعتمد تصريفه بشكل رئيسي على السوق السورية التي تستوعب نحو 70 بالمئة من الإنتاج، ازدهرت زراعته في السنوات الأخيرة، غير أن استيراد سوريا للموز اللبناني توقف منذ أن قرر وزير الزراعة أكرم شهيب إقفال الحدود أمام البضائع السورية في حزيران الماضي، ما استدعى رداً بالمثل من جانب الحكومة السورية.

لم تسفر مراجعات وزير الصناعة حسين الحاج حسن مع الجانب السوري عن السماح للتجار السوريين باستيراد الموز، إذ اقتصر التجاوب السوري على قرار صدر قبل أسبوعين يضع الموز اللبناني في مقابل الحمضيات السورية. وقضى بالسماح باستيراد طن من الموز اللبناني الى سوريا في مقابل تصدير خمسة أطنان من الحمضيات السورية الى لبنان. إلا أن الهيئات الزراعية المعنية في لبنان رفضت القرار لأن السوق اللبنانية متخمة بالحمضيات المكدسة من دون تصريف ولا تنقصها كميات إضافية.

وبدأت ترتفع أصوات المزارعين في المنطقة الساحلية من الشوف (الدامور) إلى شريط القرى الممتد جنوبا من الغازية حتى سهل الناقورة، مطالبة بإنقاذ الموسم الحالي، وبحسب المزارع علي صالح، فإن “ثمة بوادر إيجابية لحهة تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الحكومة السورية وافقت على استئناف استيراد الموز من لبنان، ونتمنى أن تستكمل الإجراءات في هذا المجال وتكلل هذه الخطوة بالنجاح”، وأشار إلى أن “السوق السورية تستوعب نحو 90 بالمئة من صادرات الموز اللبناني، التي بلغت عام 2010، قبل بدء الحرب السوريّة، نحو 95 ألف طن”، لافتا إلى أن “هذه الكمّية تراجعت بعد عام 2010 نتيجة انخفاض سعر العملة وتنامي الهجرة السوريّة، فحاولت الحكومة اللبنانيّة إيجاد أو تطوير أسواق جديدة للموز المحليّ، من ضمنها السوق الأردنيّة التي استوردت نحو 10 آلاف طن سنوياً فقط، فلم تعوّض السوق السوريّة”.

ورأى صالح أن الحلول الجذريّة التي تستلزم جديّة لتنفيذها فتكمن في تحويل هذه الزراعة إلى عضويّة والاستفادة من اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لتنويع وجهات تصدير الموز اللبناني”.

الحويك:

وفي لقاء مع رئيس “جمعيّة المزارعين اللبنانين” أنطوان الحويك عرض لـ “الإعمار والاقتصاد” لأزمة الموز الماثلة الآن، والتي تلت أزمة التفاح منذ أسابيع عدة وما تزال مستمرة، أشار إلى أن “الأزمات تتكرر بشكل مستمر”، وقال: “يواجه القطاع الزراعي أزمات متلاحقة نتيجة سوء إدارته من الأساس وإهمال الدولة، فضلا عن الفساد والقرارات الخاطئة والتدخل السياسي وغيرها، وهذه الأمور تتراكم وتنفجر، ومعظم القطاعات الزراعية تواجه أزمات، وكل قطاع له حيثياته، أما في ما يخص قطاع الموز، فثمة مشكلة من الأساس، فالأسعار متدنية للغاية، أما في الآونة الأخيرة، فقد أصبحت الأزمة ذات طابع سياسي، بين (الوزير) أكرم شهيب والسوريين، فقد منع استيراد المنتجات الزراعية السورية إلى لبنان، ورد السوريون بمنع استيراد الموز”.

وأضاف الحويك: “لا شك أن هناك ضررا من إستيراد المنتجات السورية، ولكن بين الدول، خصوصا إن كان هناك تبادل تجاري، فلا تتم الأمور بهذه الطريقة، خصوصا وأن هناك مشكلة تهريب في اتجاه واحد، لأن الفساد لدينا يتم على كافة المستويات، من الجمارك إلى القوى الأمنية بمجملها، فإن قرر السوريون عدم أخذ المنتجات اللبنانية ومنعها، يمنعونها بشكل قاطع، حتى التهريب، بينما نحن تمر شحنات التهريب إلينا بسبب الفساد، وأي مسؤول في الدولة اللبنانية يعلم هذا الأمر، وحاولت منع التهريب ولم أستطع، فمنذ عشرين سنة حاولوا قبلك ولن تستطيع يا أكرم شهيب أن تمنع التهريب، فمن يكون بموقع المسؤولية ويتخذ قرارا، عليه أن يعرف أن لا شيء يوقف التهريب، وقد نصحنا دوما بتطبيق الروزنامة الزراعية خصوصا بيننا وبين السوريين، فنحن بحاجة لأصناف مثلا مثل الرمان، فلنستورد منهم ونعطيهم ما نحتاج تصديره بكل بساطة، وحاولنا أن ننصحه بهذا الموضوع فلم يرض واشتغل بالسياسة ولم يشتغل بالإقتصاد”.

وقال: “كانت لدينا فرصة اتفاق بوضع روزنامة زراعية و”طيرها” من أيدينا، وأعتبر أكرم شهيب من الذين أضروا بالزراعة اللبنانية إلى أقصى الحدود وعلى كل المستويات، لن أقول من المجرمين بحق الزراعة، ولكن للسنة الخمسين نقوم بوضع الروزنامة الزراعية ونحمي انتاجنا، وأتته الفرصة ورفض التفاوض لإنجازها، وبالتالي تم منع صادراتنا من الموز، ونحن نصدر النسبة الأكبر من إنتاجنا إلى سوريا (نحو 10 إلى 15 ألف طن إلى الأردن والباقي إلى سوريا)”.

ولفت الحويك إلى أن “لدينا فائضا كبيرا على مستوى الإستهلاك المحلي، إن كنا نصدر أو لا نصدر فمعدل سعره في الموسم بين 1000 و1250 ليرة، وبالجملة أرخص، ولكن الآن فتح باب التوريد إلى سوريا نتيجة الضغوطات ووضع برامج للتصعيد والتحرك وإقفال الطرقات، وكان هناك تدخل سياسي على أعلى المستويات فتم فتح باب الإستيراد”.

أزمة حمضيات

وتوقع الحويك أن نشهد خلال أسبوعين أزمة حمضيات ستكون أشد وأقسى، وقال: “ندلهم على الطريق لحلها ولا أحد يستمع إلينا، ففي مشكلة التفاح، ومنذ سنتين كنا ننبه للمشكلة ونوضح الحلول ولا من يسمع، حتى تقع الواقعة، ووقعت الأزمة واتجهوا للتعويض على المزارعين، وكل الوزراء مثل بعضهم، فالروزنامة الزراعية مع الدول العربية “طارت” أيام حسين الحاج حسن، ولا أعرف السبب حتى الآن”.

وعن عدم تطابق النوعية مع معايير الدول المستوردة، قال حويك: “هذا موضوع آخر، وليس لدينا أي منتج غير مطابق، بل توجد شركات مختصة مراقبة تقبض من شركة إيدال تراقب صادراتنا الزراعية، ولا يخرج أي منتج دون مطابقته لمعايير الدول المستوردة، وليست هذه المشكلة، بل أن أزمتنا الآن مضاعفة مقارنة بالأزمات الماضية، فمع انقطاع طريق البر، تحول مسار الصادرات عبر الشحن البري ما عدا إلى الداخل السوري، في البحر تأخذ وقتا أكثر وتكلف أكثر، وقد تصبح بعض البضائع معرضة للتلف أكثر، كما أن بعض القطاعات نمت نموا هاما على أساس سعر شحن محدد، أو على سرعة توصيلها إلى الخليج أو المناطق الأخرى، أي مثلا حوالي 48 ساعة على أقصى حد، وبأسعار رخيصة، فمثلا الليمون، لأن شحنه رخيص استطعنا المنافسة في الخليج ونما هذا القطاع، ومع ارتفاع أسعار الشحن، بدأ التراجع في المبيع والتصدير، لدرجة أن الصادرات من البرتقال انخفضت بأكثر من 50 بالمئة لأننا لم نستطع المنافسة، لأعطي مثلا، كانت حاوية الشحن (تتسع بين 20 و25 طنا) إلى قطر تكلف 3500 دولارا، أما الآن فتكلف 8000، فماذا سيكون الربح لندفع 8000 دولارا لشحنها؟ هذا عدا المصاريف، فإقفال الحدود البرية كان يجب أن تترافق مع إجراءات سريعة لخط بديل بحري بذات السرعة والأسعار، لنستطيع الإستمرار”.

وقال: “هناك لصوص وأشخاص معاقون فكريا يستلمون زمام الحكم، وليس عندي مشكلة في قول هذا، ومن يريد أن يواجهني فليواجهني، من الوزراء والحكومات والمسؤولين والنواب، وإن كان لدينا هذا النوع من المسؤولين فكيف سيحلون مشاكلنا الإقتصادية؟ من اليوم الأول لإقفال الطريق أعطيناهم الحلول والإقتراحات، ورفضوا رفضا قاطعا السير بها، وبعد أن “أكلنا الضرب” يفكرون بالموضوع! يفكرون فقط ولا يقررون، وهذه الأزمات جميعا سببها أن ليس هناك سياسة، طرحنا مشاريع قوانين، وطالبنا بتنفيذ قوانين موجودة وغير منفذة وبرامج هادفة وبناءة وتنموية لحل مشاكل القطاع، لكنهم لا يريدون ولا يستمعون لنا، ووصلنا إلى مكان أن عوضوا على الناس عن “خربان بيوتهم”، وهذا يدفعه الناس والمكلفون من جيوبهم، بينما كان من الممكن اختصار كل هذا منذ البداية، ليس بربع المبالغ التي نتكلفها فحسب، بل بعشرها كنا استطعنا حل كافة المشاكل، وأنا سئمت، ومنذ أربع سنوات لم أقم بزيارة أي وزير زراعة”.

وعن العهد الجديد وإن كان ثمة تغيير، قال الحويك: “لا عهد جديد ولا شيء، لا زلنا مستمرين بذات الوزراء والأهداف والمراكز، فالرئيس ليس لديه صلاحيات، وإذا أراد القيام بإصلاح لا يستطيع، بل عادت الأمور كما هي، الحزب الفلاني لديه مقعدين، ولا أدري على من سترسو قرعة وزارة الزراعة، وأي وزير سيعينوه، ولكن وفقا لتجربتنا من 16 سنة حتى  الآن، منذ بداية مسؤولياتي في هذا القطاع لا فرق بين يمين أو يسار، بين 8 أو 14، أو مقاوم أو رأسمالي أو شيوعي أو غيره، عندما يصلون إلى الكرسي ينشغلون بأمور أخرى، فلا أمل أن نتقدم مع نفس الفريق والطاقم السياسي”.

وقال الحويك: “يبقى ثمة سؤال: كيف سيتمكن المزارع من تأمين عيشه وحياة عائلته، ولا تكفيه منتجاته ما صرف عليها؟”، وأضاف: لقد أدخلونا بمتاهة كنا تخطيناها بسهولة، وكنا بغنى عنها، بينما نحن في الحضيض كان يمكننا أن نكون بعهد ازدهار على مستوى القطاع الزراعي، وبين الإزدهار والإنهيار ليس هناك شيء نطالب به إلا الإرادة الجيدة ومسؤولين يريدون خدمة بلدهم وناسهم وليس أكثر من ذلك”.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!